الرحلة معا

المحتوى الرقمي العربي في مضمار الإنترنت.. إلى أين؟

في مناسبة اليوم العالمي للكتاب، أراح القائمون على مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي بالظهران أنفسهم وضيوفهم من الخوض في إشكاليات الكتاب العربي، وتعقيدات صناعته وتداوله والظروف التي تحيط بحياته وموته، وحوّلوا دفة الحوار واسعاً نحو المحتوى الرقمي العربي، والصراع المستتر بين النشر الورقي والرقمي، ومصير ثقافة الطفل في عالم شبكي واتصالي ومعرفي تتراجع فيه سُلطة الكبار ويقفز فيه النشء والشباب ليصنعوا عالمهم بل ويعيدوا هم فيه تشكيل ثقافة الكبار أنفسهم.

أعترف أنها المرة الأولى التي أقترب فيها من سؤال «المحتوى الرقمي العربي» الضخم والشائك وأن أتبيّن ملامح الفقر والضآلة التي تحيق بفضائنا العربي بكل عراقته وتجلياته وشذراته الظاهرة والخفية، وقد وضعنا تقرير المحتوى الرقمي العربي الذي أنجزته مؤسسة الفكر العربي بمشاركة المركز، وجملة المحاضرات وجلسات النقاش ليوم ونصف اليوم، في قلب هذا التحدي الذي لا مفر من مواجهته.

المحتوى العربي الذي يسكن شبكة الإنترنت، حتى لحظة كتابة هذا المقال، هو الخلاصة التي يقرأها ويعرفها العالم عنا، أقصد عن ثقافتنا ونتاجنا الفكري والثقافي والفني، ومناهجنا التعليمية وأبحاثنا وإنجازاتنا التطويرية والبحثية والابتكارية، وكل ما يتعلق بالبيانات السياسية والقانونية وما يتعلق بالمضامين الاجتماعية واتجاهات المجتمع ومكوناته، وما تضمنته كل وسائل الاتصال والإعلام، وما احتوته الأوضاع الاقتصادية والمالية والتجارية، وما تضمنه المحتوى العسكري والأمني، وغيرها من وحدات بيانية أو معلوماتية باللغة العربية، مع التأكيد أن الإطار التاريخي لكل هذه الحقول يبدأ منذ بزوغ الحضارة العربية ويتواصل في كل ثانية زمنية نعيشها.

يفترض هذا السرد أن كل مادة ثقافية أو معلوماتية غائبة عن النسيج الرقمي العربي القائم في الشبكة، هي مادة غائبة او ميتة مهما سما مستوى أصالتها أو ندرت قيمتها الابتكارية، وحضورها سينحصر في إرادة باحث أكاديمي أو هاوٍ يفتش عنها في إحدى خزانات الكتب او المخطوطات أو الأدوات، فلا تصبح في مرمى التداول الرقمي العام. وهكذا فما لم يتم تسييل تلك المواد المحفوظة أو الصلبة (بلغة المحللين الرقميين) ودمجها في الشبكات المعلوماتية العالمية فإنها ستبقى في عداد المواد المجهولة.

والتحدي الأكثر شراسة هو أننا قد دخلنا بلا أجنحة متينة في عصر الملاحة المعرفية، والمعرفة المرقّمة هي أحد أجنحتها بالتأكيد، وقد جرى حوار غني عمَّا إذا كان الإنسان العربي قد عبر حقاً إلى مجتمع المعرفة والاقتصاد المعرفي أم أنه على الأبواب، أم أنه حديث النخب التي تخاطب بعضها في الكواليس البعيدة عن السياق الاجتماعي العام. تعددت الإجابات والقراءات القلقة بالطبع، لكنني قلت مقتنعاً إننا كلنا نحلم بدخول هذا العصر العظيم لكننا لن نقتحمه بجدارة ما لم نتقدَّم على طريق صنع المعرفة المضافة، فالمعرفة الأصيلة التي ننتجها ضئيلة وهي لا تتناسب مع عددنا الإجمالي، ولا مع تاريخنا وتراثنا الحضاري والفكري، ولا مع مواردنا الطبيعية وناتجنا القومي، وحين نفحص المعرفة المكتوبة بعربية فصيحة فإننا نجد أن الجانب الأكثر أصالة فيها هو ذلك المنقول أو المستند إلى لغة غربية أو شرقية تأصلت فيها العلوم والمعارف التي تقود العالم.

وأنا هنا أتحدث عن المجتمع المعرفي بمعناه الاصطلاحي المتعارف عليه عالمياً، حيث يزداد الإنفاق على صناعة المعرفة ونشرها وترسيخها في المجالات التعليمية بجميع مراحلها وحيث تتصاعد وتيرة البحث العلمي ويتضاعف ما يصرف عليها، وحيث يتم بناء طاقات بشرية مؤهلة قادرة على الابتكار وحصد براءات الاختراع واستثمارها، وحيث تكون الدول قادرة صناعياً وتقنياً وموادَ وبشراً على تحقيق المعجزات التي أنجزتها دول أصغر وأفقر منا كثيراً بالمقياس المادي المتعارف عليه.

لكن هناك معضلات أخرى سردها التقرير بجلاء بينها أن جهد تحسين سجلنا الرقمي ينحصر في دولتين أو ثلاث فيما باقي الدول العربية تقدم النزر اليسير إلى الشبكة، كما لا توجد استراتيجيات وطنية وقومية متماسكة لردم هذه الهوة.

وهكذا نعود دائماً إلى التحدي التعليمي، فالعقود الثلاثة الأخيرة شهدت انحداراً تعليمياً وتربوياً في جميع الدول العربية ولحق الانحدار بالمستويات التعليمية كلها، فيما كان التقدم العلمي والتكنولوجي يحقق إنجازاته الفاصلة غرباً وشرقاً من الولايات المتحدة وأوروبا واليابان إلى ماليزيا وسنغافورة، وهكذا تعمقت الهوة وكبر الشقّ على أمهر الراقعين ..!

تقول هذه الدراسة المرجعية إن نصيب المحتوى العربي على الإنترنت يتراوح بين 3 و %12، وعلى الرغم من شكنا في الرقم الأخير إلا أن ما يقرب من %20 فقط من ذلك المحتوى هو أصيل ومتفرد، فيما الباقي هو تكرارٌ ونسخٌ ونقلٌ وثرثرةٌ لا يزن شيئاً، والمشكلة الأخرى هي في كونه مضموناً مفتتاً ومشتتاً لا يحقق سوى نسبة قليلة في معيار التكاملية مما يهدّد الجهود الرامية إلى شق الطريق نحو معرفة سليمة بل إنها جرس إنذار لمجتمعاتنا تفرز نفسها على هيئة تشقّقات اجتماعية وسلوكية ونفسية.

إذا كان التشاؤم يطغى على هذه المقالة، فإن عليّ أن ألخّص بقع الضوء التي أوردها هذا التقرير الموضوعي والدقيق، بينها أن المحتوى الرقمي يرتبط بواقع الأمة وما يجري على أرضها من تفاعلات وأحداث كبرى لا على الصعيد السياسي الذي أنعشته أحداث الربيع العربي في العام 2012م فقط بل على صعد الحوار الديني والفكري والاجتماعي على نحو أشمل، كما سجلت المضامين العربية خلال السنوت الثلاث الأخيرة تراجعاً في مناحيها الترفيهية والاستهلاكية وذهاباً نحو النضج والرشد، وبرزت أيضاً علامات الجودة في مواقع كثيرة بل إن مواقع ومدونات عديدة حققت عوائد اقتصادية مرضية، كما أن جمهور المحتوى هو جمهور نشط ومتنوع تهدّمت فيه الحواجز بين الذكور والإناث، بل وبين الفئات الميسورة والمدقعة وهو في أغلبه جمهور من الشباب المتوثب والديناميكي.

وعلى الرغم من كل هذه العلامات فإن أمام المؤسسات والأفراد بشتى أطيافهم عمل كثير لكي نحتلّ مكاناً لائقاً على منصة المحتوى الرقمي العالمي، وإننا لمنتظرون…!.

أضف تعليق

التعليقات