قضايا

الانتحار..
فعل العجز أم عجز الفعل!

  • rope extended
  • 11
  • 15
  • 17
  • PEOPLE colored

تعددت الأسباب و«الانتحار» واحد. فالدوافع إلى قتل النفس، سواء أكانت نفسية أم ظروفاً معيشية، تؤدي إلى نتيجة واحدة هي الموت بالانتحار الذي يكاد يصبح ظاهرة في دول كثيرة غربية وعربية. والشاهد أن كل الأديان السماوية تجمع على أن الانتحار مساوٍ للقتل، كما أن الكتب المقدَّسة جميعها، توصي بالصبر على الابتلاء واستقراء حكمة الله فيه، باستثناء بعض الجماعات في الهند حيث يعتبر انتحار الزوجة بعد وفاة زوجها من قبيل الشجاعة والشرف.
رحاب أبو زيد تحاور عدد من المختصين في الطب النفسي والسلوكي وتستعرض مسببات الانتحار وحقيقة علاقته بالأمراض النفسية التي ثبت أنها تعوق الإنسان عن التفكير السليم والرؤية الواضحة.

المنتحر بين التردد والترصد
عرف الانتحار أسماء قادة ومشاهير تركوا بصمات على مرّ التاريخ الإنساني بما صنعوه في حياتهم، وليس باتخاذهم قرار إزهاق أرواحهم كما يحتمل أن خالج ضمائرهم حينذاك.

بدءاً من زنوبيا ملكة تدمر، إلى هنبعل القائد القرطاجي الشهير، وكليوباترا، ثم هتلر بعد هزيمته في الحرب الثانية، والروائية فرجينيا وولف، والفنان الهولندي الشهير فان جوخ، وما لا يحصى من الأفراد الذين أنهوا حياتهم لأسباب لا يصدقها العقل أحياناً.

ومؤخراً، فواحدة من أهم قصص الانتحار لعبقري الكمبيوتر آرون شوارتز عن عمر يناهز 26 عاماً، والذي قال عنه صديقه مؤلف قصص الخيال العلمي د. كوري إنه صاحب الفضل في توفير جبل حقيقي من المعلومات المجانية للناس كونه المشارك منذ كان في الرابعة عشر، في وضع مواصفات نظام «آر أس أس 1.0» لتغذية الإنترنت، عبر صيغة لنقل المحتوى من مواقع تتغيَّر بشكل مستمر مثل البرامج الإخبارية والمدونات إلى المستخدم. لكن شوارتز واجه اتهامات بالتحايل عن طريق الكمبيوتر وسرقة ملايين المقالات والدوريات الأكاديمية من أرشيف رقمي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ولم يُذكر إن كانت الاتهامات – بغض النظر عن مدى صحتها أو عدم ثبوتها – هي السبب المباشر وراء ما أقدم عليه، وهل كان الدافع مساوياً للناتج في كفتيّ الميزان؟!

كفاءة عقلية
الحقيقة، إننا لا ندري بماذا يفكر المنتحرون في اللحظات الأخيرة لتنفيذ العملية. ففي كل المجتمعات المتقدمة ولدى شعوب الأرض كافة، تظل المقدرة على الاختيار مطلباً مشروعاً طالما ارتبطت بوجود الإنسان، نظراً لأنه الكائن الوحيد الذي مُنح كفاءة عقلية تؤهله للتفريق بين الصواب والخطأ، أو لنقل على الأقل يفرِّق بين كيفية إيذاء نفسه وتحمل المسؤولية الفطرية للحفاظ عليها.

الانتحار لا مهنة له
واللافت أن الظن السائد بأن الفنانين أكثر عُرضة للانتحار لفرط حساسيتهم ومشاعرهم المرهفة، لكن هذا ليس صحيحاً خصوصاً إذا ما علمنا أن هناك أكثر من 249 حالة انتحار لعام 2012م في الولايات المتحدة بين أفراد الجيش الأمريكي، الذين يُفترض بهم تحمل أقسى صنوف الحرمان والعذاب! وهذا يقودنا بلا شك، إلى أن الانتحار لا مهنة له، لا سيما أن عدد الجنود الأمريكيين المنتحرين ارتفع إلى 349 حالة انتحار وقت إعداد هذه المادة.

التاريخ يعيد نفسه
لو جرّبنا استقراء معظم قصص الانتحار في الآونة الأخيرة، فسنجدها امتداداً لقصص مشابهة على مرّ التاريخ على الرغم من شساعة هذا الكون. ولا نحسب المنتحر عند آخر لحظة له فاصلة بين المعلوم والمجهول، إلاّ فخوراً بقدرته على اختيار مصيره. وكأنه يحقق ظفراً عالمياً يضمن له – في ظنه – ولوج سجلات التاريخ، في حين أن خياره الآخر وهو الحياة، أكثر امتلاءً بالفرص والتحديات ومفارق الطرق التي يتوقف على اختيار أحدها، مصير نجاحنا من فشلنا، علماً أن منصات الفشل قد تكون مدرجات إقلاع إلى سماوات التميز والإبداع.

وإذا ما وقفنا في منطقة وسطى بين المتشبثين بحب الحياة والعمل وخشية الموت، وبين المندفعين باتجاه الخلاص، فسنجد أن العقل البشري يعجز عن تقبّل فكرة إنهاء الحياة بهذه البساطة. وما ذلك إلاّ حتماً لأسباب خارجة عن إرادة المريض نفسه ومنطقة وعيه، وهو بطبيعة الحال لا يدرك أنه مريض ولم يتنبه لمرضه أحد.

ارتياح سعودي ولكن..
الوضع في المملكة العربية السعودية لا يبتعد كثيراً عن هذه الظاهرة، فهناك عمليات انتحار أو محاولات فاشلة تفلح دوريات الأمن في إيقافها، مما يبعث على الإرتياح. وعلى سبيل المثال ما حدث مطلع عام 1434هـ، مع «شاب الدوادمي» البالغ من العمر 30 عاماً، والذي صعد فوق سطح منزلهم لإلقاء نفسه. ويبدو أنه تردد طويلاً حتى وصلت دوريات الأمن وتجمهر الناس في الشارع وتمكنوا من إقناعه وإنزاله. وكذلك هي الحال مع شاب في نهايات العشرين من عمره، إذ تسلَّق عمود إنارة في أحد شوارع العاصمة الرياض، رابطاً عنقه بالشماغ مخلِّفاً وراءه على الأرض مغلفاً يضم أوراقه الثبوتية.. وصيحات الناس لإثنائه عن قتل نفسه. وقبل ذلك بعام تقريباً، اختار أربعيني جسر الترمذي بقلب جنوب الرياض المكتظ بالسكان، ووقّت تنفيذ العملية ساعة خروجهم باكراً، فجلس هناك منادياً بأسماء بناته، ومهدداً كل من يقترب منه برمي نفسه. ثم تراجع عن رمي نفسه بعد حوار مع أحد أقربائه.

وفقاً للمشاهدات اليومية للحالات التي تمرّ عليه، يرى الباحث في الإرشاد والتوجيه النفسي بمستشفى أرامكو السعودية في الأحساء، مسفر الدوسري أن «النسب آخذة في الارتفاع»، مشيراً إلى دراسة سعودية أجريت في 2011م تؤكد أن %84 من محاولي الانتحار هم شباب لم يتجاوزوا سن الخامسة والثلاثين، وأن %58 من المنتحرين ذكور و%42 إناث يرجع سبب إقدامهن على الانتحار إلى العنوسة لا سيما أن العام نفسه سجل فيه مليون ونصف المليون عانس، إضافة إلى الاضطهاد والمشكلات الأسرية التي تؤدي بدورها إلى الشعور بالاضطراب وانعدام الثقة بالنفس ورفض الحياة. وأرجعت الدراسة 35% من حالات الانتحار إلى أمراض نفسية وعقلية مثل الاكتئاب والفصام والهستيريا، و%65 إلى عوامل متعددة مثل سوء التنشئة والتربية والمشكلات الأسرية والعاطفية، والفقر والبطالة والفشل الدراسي والآلام الجسدية والأمراض المستعصية.

على صعيد متصل، أفاد استطلاع للرأي أن %84 من الشبان السعوديين يرون أن البطالة أهم مشكلة تواجههم، تليها قضيتا المخدرات والإرهاب بنسبة %72.

من مشكلة إلى ظاهرة
والدراسات العربية في هذا السياق، أعلنت على استحياء أن مشكلة الانتحار بلغت حد الظاهرة. ويركّز الباحث المصري ياسر ثابت في كتابه «شهقة اليائسين»، على هذه الظاهرة الموجعة في مصر، مقدّماً صورة عميقة وتاريخية لحالات ومعدلات الانتحار في الدول العربية، ويتتبعها دولة بدولة، مع استعراض نماذج لحالات انتحار هزت تلك المجتمعات العربية ماضياً وحاضراً فيقول: «عام 2009م وحده، شهد محاولات للانتحار في مصر بلغت 104 آلاف حالة، تمكن 5 آلاف منهم من التخلص من حياتهم»، لافتاً إلى إحصاءات صادرة عن «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء» تؤكد أن «جريمة الانتحار في مصر، أصبحت ظاهرة خطرة تتصاعد يوماً بعد يوم».

خارج الوعي
ويبدو جلياً أن هناك كثيراً من التردد يعتري بعض المحاولات، الأمر الذي قد يُفسَّر في المقام الأول على أنهم يهيمون في منطقة ذُهانية خارج وعيهم عند اللحظة الأهم لتنفيذ القرار، وأنهم إنما أقدموا على ما أقدموا عليه قناعة منهم بأنهم قادرون على الاختيار. وقد ثبت فعلاً أن عدد محاولات الانتحار يفوق العدد الفعلي للمنتحرين بثلاثة أضعاف.

ويرسم الأستاذ المساعد، استشاري الطب النفسي بمستشفى الحرس الوطني بجدة، د. أحمد الصالح، الملامح الخارجية للانتحار على مستوى العالم بقوله: «يشكِّل الانتحار أحد الأسباب الرئيسة للوفاة في جميع أنحاء العالم خصوصاً في الدول المتقدمة. ففي أميركا يُعد الانتحار السبب الثامن للوفاة، إذ يموت نحو 30 ألف شخص سنوياً انتحاراً أي بمعدل عملية انتحار ناجحة كل 20 دقيقة. وتسجل في أوروبا لا سيما في الدول الأسكندنافية وألمانيا وسويسرا والنمسا وأوروبا الشرقية، أعلى نسب عالمية للوفيات بسبب الانتحار، حيث يموت نحو 25 شخصاً من كل 100 ألف فرد. أما في اليابان وإسبانيا وهولندا وإيطاليا، فينخفض هذا الرقم إلى أقل من 10 أشخاص من كل 100 ألف فرد».

ويتابع الصالح: «إذا ما نظرنا إلى الدول العربية، وبناءً على الإحصاءات المحدودة وغير الدقيقة، فيُعد انتشار الانتحار أقل مقارنة بالدول المتقدمة. ولعل أبرز أسباب عدم توافر إحصاءات دقيقة للانتحار في معظم البلاد العربية، هو رغبة أهالي الضحايا في التكتم على الأمر، إذ يُعد الانتحار رسالة ضدهم، وأمراً غير مقبول شرعاً بل ووصمة عار على الأسرة بكاملها». ويستعرض الصالح قصصاً من نوع آخر تشير في معظمها إلى أن أبطالها حقيقيون نجحوا حتى النهاية في إتمام المهمة، ويقول: «بغض النظر عن الوسائل التي تعددت والهدف واحد، لا بد لنا في بادئ الأمر أن نعرِّف ما هو الانتحار. وعلى الرغم من عدم وجود تعريف متفق عليه بين المختصين، يمكننا القول بشكل مبسَّط إنه القتل العمد للنفس بوساطة إحدى الطرق التي تؤدي إلى إزهاق الروح».

ويضيف: «هناك مسافة شاسعة بين التفكير في الانتحار وبين الإقدام عليه، إذ قد تراود بعضهم هواجسَ حول الانتحار لكنهم يُدركون أنهم لن يقوموا بتنفيذها مطلقاً، بينما يفكر بعضهم الآخر بالانتحار ويخطط له على مدى فترات قد تمتد لسنوات، قبل أن ينفذوه بالفعل، فيما يقدم عليه بعضهم بسرعة من دون تفكير أو تخطيط مسبق. كما أن هناك من يقوم بتمثيل محاولة الانتحار للفت الانتباه أو الحصول على مكاسب معينة من دون أن يقصد القتل، ولخطأ في التنفيذ أو بسبب الجهل بمدى خطورة المحاولة، وللأسف يقع أحياناً ما لم يكن في الحسبان ويسقط ضحية نفسه».

ويشير الصالح إلى أن للانتحار أشكالاً عدة منها ما يقع بشكل صريح وواضح كالشنق أو إطلاق رصاص مباشرة على الجسم أو مواضع قاتلة كالرأس، وهؤلاء يعمدون عادة إلى ترك «رسالة وداع» بجانب جثثهم يُصرِّحون فيها إنهم رحلوا عن عالمهم بهدوء. وهناك انتحار يتخذ شكلاً مريعاً فاجعاً يقصد من خلاله إثارة الرعب والندم بنفوس الآخرين، مثل السقوط من مبنى مرتفع أو إضرام الحريق في المنزل أو تعمد القيام بحادث سير خطير».

دوافع كامنة كالبراكين
ويتحدث المحلل النفسي أستاذ الدراسات والبحوث الاجتماعية، د. هاني الغامدي من جانبه عن السيكولوجية التي تشكّل الدوافع في عقول من يخططون للانتحار، ويقول: «يعتقد كثيرون أن الانتحار هو سلوك ونتيجة مرتبطة بمستخدمي المخدرات وفاقدي العقل والمرضى النفسيين بشكل مباشر، بينما ومن خلال ما وجدته مؤخراً من تزايد للمنتحرين على مستوى المملكة – على سبيل المثال – جعلني أوقن بأن الأمر لا يرتبط بهذه الفئة فقط، إنما هو نتيجة لعناصر كثيرة تتجمع في نفسية الفرد، ولهذه العناصر أصول وتفرعات وبيئة حاضنة لكي تتخمر الفكرة في رأس المُنفِّذ لها، وبالتالي تنتهي حياته بيده جرَّاء تلك القناعات المتأصلة في نفسيته وذاته».

ويضيف الغامدي: «عندما يفقد المريض اتزانه الذي كان ملزماً له والذي جعله ملتزماً بحقوق وواجبات وأدبيات إنسانية أمام نفسه أولاً ثم أمام مجتمعه، يبدأ الاضطراب الوجداني وعصف الصدمات وتتاليها، الأمر الذي يعزّزه التقوقع الوقتي لمحاولة فهم ما يدور ضمن سقف فلسفاته السلوكية، وبالتالي يتحول ذلك التقوقع إلى ممارسة يومية تتعمق من خلالها مفاهيم جديدة، فتترسخ على هيئة صور ذهنية مغلوطة بداخله ويصل إلى قرارات ذاتية غير متماشية لا مع القوانين ولا مع الفطرة».

ويؤيد الصالح ما قال الغامدي عن الأسباب، ويقول: «كثير من الناس يعتقدون أن أسباب الانتحار تجتمع في البُعد عن الله أو قلة الإيمان (كما يسميه العامة)، ثم يأتي تعاطي المخدرات في المرتبة الثانية. إلا أنه في الواقع وبناءً على الدراسات العلمية العالمية، فإن وراء الانتحار عوامل عديدة قد تشترك بعضها مع بعض وتجعل شخصاً ما أكثر عرضة للانتحار من غيره، ويمكن اختصار هذه العوامل وفقاً للتصنيفات التالية:

الجنس: يُعد النساء أكثر من الرجال محاولة للانتحار بنحو أربع أضعاف، لكن في المقابل يتفوق الرجال على النساء في المحاولات الناجحة، بمقدار أربع أضعاف. ويعود أحد أهم الأسباب في ذلك، إلى أن الذكور عادة ما يستخدمون طرقاً أشد خطورة كاستخدام السلاح الناري أو الشنق، بينما تلجأ الإناث عادة إلى طرق أقل خطورة كتناول جرعات عالية من الأدوية والسموم.

العمر: تُعد المرحلة العمرية بين 15 و24 سنة، من المراحل الخطرة التي تزيد فيها نسبة الانتحار بشكل كبير. ففي أميركا يُعد الانتحار المسبب الثالث للوفاة في هذه المرحلة العمرية. ولا يقتصر خطر الانتحار على فئة الشباب، بل يرتفع مع تقدم العمر حتى يصل إلى ذروته لدى الرجال عند 45 سنة، ولدن النساء عند سن الـ 55. وترتفع النسبة مرة أخرى، لدى الأشخاص فوق عمر 65 سنة، إذ تمثل نسبة الانتحار الناجحة لهذه الفئة العمرية 25% من مجموع حالات الانتحار في جميع الأعمار، وهي نسبة عالية جداً نظراً إلى أنهم لا يمثلون إلا شريحة عددية بسيطة من المجتمع. وهذا مؤشر على أن الأشخاص فوق 65 سنة، معرضون لخطر الانتحار بنسبة كبيرة.

الحالة الاجتماعية والعلاقات الاجتماعية: يعتبر الزواج من العوامل الواقية من خطر الانتحار، خصوصاً إذا كان ناجحاً ومستقراً، فيما تزيد نسبة الانتحار لدى المطلقين والأرامل. وكذلك تؤدي العلاقات الاجتماعية الإيجابية، دوراً مهماً في الوقاية من الانتحار، إذ إن المنعزلين اجتماعياً وأصحاب العلاقات الاجتماعية المحدودة، هم أكثر عُرضة من غيرهم للانتحار.

الدين: تشير دراسات مختلفة إلى أن الذين ينتمون إلى دين معيَّن ويمارسون واجباتهم الدينية بانتظام، أقل عرضة للانتحار من الأشخاص الذين لا ينتمون إلى دين معيَّن أو غير المتدينين.

العمل: تُعد ممارسة العمل من العوامل الواقية من خطر الانتحار، بينما تزيد نسبة الانتحار لدى العاطلين من العمل، وأيضاً لدى من يفتقر إلى الأمان الوظيفي. إلا أن الضغوطات النفسية المتعلقة بالعمل، تعتبر من الأمور المهمة التي يجب على الرؤساء في العمل الانتباه لها وعدم إغفالها. وهنا أستذكر حادثة وقعت في أول أسبوع لي في زمالة الطب النفسي بكندا، عندما قام أحد الأطباء المقيمين من نفس مجموعتي ولكن من تخصص آخر، بإلقاء نفسه عن سطح المستشفى الذي يبلغ ارتفاعه خمسة طوابق، بعد فراغه من أول مناوبة له. لم يُكتب لزميلنا الموت، الذي أظن أنه أرحم من الحالة التي يعيشها الآن، فقد أصيب بشلل رباعي كامل مدى الحياة. بعد هذه الحادثة لم يُبرِّر كبار المسؤولين في المستشفى والجامعة الحادثة، بأنها نتيجة لاضطرابات نفسية أو أنها حادثة عرضية استثنائية، بل قاموا بعد الاجتماع مع مديري الأقسام في المستشفى ومديري برامج التدريب، بتوفير برامج تثقيفية للأطباء والعاملين في المستشفى توضح أهمية الصحة النفسية والطرق السليمة للتعامل مع الضغوط النفسية.

الاضطرابات النفسية: تُعد الاضطرابات النفسية التي يُقصد بها القلق والاكتئاب والضغوط النفسية، من أهم العوامل المصاحبة للانتحار، إذ تُقدَّر الإحصاءات العالمية بأن أكثر من 90% من المنتحرين يعانون اضطرابات نفسية. ويُعد الاكتئاب من أكثر الأمراض النفسية المصاحبة للانتحار. فعند الذكور يموت بالانتحار 400 شخص تقريباً من كل 100 ألف مريض يعاني الاكتئاب، وعند الإناث تموت بالانتحار 180 امرأة تقريباً من كل 100 ألف مريضة تعاني الاكتئاب. وهناك أمراض نفسية أخرى مصاحبة للانتحار كاضطراب الفصام، واضطراب ثنائي القطب، واضطراب الشخصية الحدّية، واضطرابات القلق. وهذا يُظهر ارتباط الانتحار بمعظم الأمراض النفسية الشائعة التي تنقلب هنا إلى عوامل محفِّزة للانتحار.

الإدمان: يزيد استخدام الكحول والمخدرات من خطر الانتحار بشكل مباشر إذ يجعل المدمنين أكثر تهوراً واندفاعاً، وأيضاً بشكل غير مباشر عن طريق زيادة احتمالية الإصابة بالاضطرابات النفسية المختلفة.

الصحة البدنية: هناك علاقة طردية بين تدهور الصحة البدنية وزيادة خطر الانتحار. ومن أهم الحالات الصحية التي تزيد من خطر الانتحار: الألم المزمن، حدوث تشوهات في الجسم، العجز عن المشي والحركة، الإصابة بأمراض خطيرة أو مزمنة كالإيدز والسرطان فيفقد المريض الأمل في الحياة أو يقدم على الانتحار هروباً من الواقع المؤلم.

المهارات وخصائص الشخصية لدى الفرد: يلعب تكوين الشخص النفسي والوراثي وطريقة التربية والتعرض لتجارب سابقة دوراً في تحديد قدرة الشخص على التكيف مع الصعاب والخروج من الأزمات. وهناك بعض الخصائص في شخصية الفرد التي قد تزيد من خطر الانتحار كسرعة الانفعال وأيضاً الاندفاع والتهور.

المحاولات السابقة للانتحار: يُعد من عوامل الخطر المهمة، وتشير الدراسات إلى أن 50% تقريباً ممن نجحوا في تنفيذ الانتحار، سبق لهم في الماضي القيام بمحاولة انتحار فاشلة أو أكثر.

عوامل أخرى: أثبت العلماء أن هناك أسباباً وعوامل بيولوجية للانتحار، فهناك بعض الدلائل المكتشفة حديثاً والتي ربطت السلوكيات الانتحارية بنقص مركب السيروتونين وأحد مشتقاته في الجهاز العصبي. كما أن هناك دلائل تشير إلى أن للانتحار أسباباً وراثية أيضاً.

الأطفال ينتحرون أيضاً!
ويلفت الدوسري إلى ظاهرة انتحار للأطفال سجلت في الآونة الأخيرة، ويقول: «ظاهرة انتحار الأطفال هي عكس انتحار المراهقين والشباب المتعللين بأزماتهم النفسية ومشكلاتهم الاجتماعية، خصوصاً أن بعض الدول استفاقت على حالات انتحار كثيرة بين الأطفال».

وعن أسباب انتحار الأطفال يجيب الدوسري: «بعض الخبراء يعتقدون أن هؤلاء الأطفال أقدموا على الانتحار متأثرين بالأفلام الخيالية والشخصيات الكرتونية التي يطير بعضها، ويقفز بعضها من أعالي البنايات ولا يصاب بخدش! بروز ظاهرة مثل ظاهرة الانتحار لدى الأطفال أخيراً هو انعكاس لتحولات خطيرة تشهدها المجتمعات العربية خلال السنوات الأخيرة في شتى المجالات، إلا أن التقليد أو محاكاة الأفلام يُعد الدافع الأساسي لانتحار الأطفال».

ويتحدث الدوسري عن الانتحار لدى المراهقين، موضحاً أنه «من الظواهر التي زادت عالمياً في السنوات الأخيرة، ومن أهم أسبابه الوجود في بيئة أو في محيط أسري غير مستقر ومفكك الذي بدوره قد يؤدي إلى عدم احتواء المراهقين وتقليل الرقابة عليهم مما يعرِّضهم للانحراف وتعاطي المخدرات، وبالتالي يزيد من خطر الانتحار، إضافة إلى أن العيش في محيط أسري مفكك يؤدي إلى الزيادة من احتمالية تعرض الأطفال والمراهقين للعنف بجميع أنواعه مما يجعل الأطفال والمراهقين عرضة لأعراض واضطرابات نفسية متعددة كالاكتئاب مثلاً الذي يزيد بدوره من خطر الانتحار».

وما ذكره الدوسري عن خطور الإكتئاب تؤيده تماماً الدكتورة سحر رجب، وهي مدرِّبة لإزالة المشاعر السلبية ومستشارة معتمدة من المجلس العربي عضو هيئة الأمم المتحدة، فترى أن هناك علاقة وثيقة تربط الانتحار بالاكتئاب بصفته مرضاً عصرياً، وغالباً لا يتم تشخيصه بالشكل المطلوب. وتلفت إلى أن العنف الأسري وعدم إعطاء المراهقين الاهتمام والدفء واحتواء مشكلاتهم وعدم توفير الوقت الكافي للإنصات إليهم، تغلق قنوات الاتصال المباشر بهم، وهذا يحتم على الجهات المختصة فتح باب الدورات للمعرفة والإفادة لجميع الفئات العمرية لكي يتسنى للجميع الثقافة وكذلك الوعي الذي نفتقده. وهكذا فعندما تفتقر بعض مجتمعاتنا إلى فن التعامل مع الآخرين والاحتواء، يتساءل الراغب في الانتحار عن كيفية التعايش مع المحيط الخارجي الأكبر من الأسرة بمشكلاته.. وكأنه يحرق جسر الأمل والتوقعات بالكامل!».

وتضيف رجب: «أيضاً يفتقد المراهقون في هذه السن إلى الخبرة الكافية التي تمنحهم مهارة التعامل مع المشكلات أو الضغوطات النفسية مما يجعلهم يشعرون باليأس والإحباط بسهولة ورؤية الانتحار سبيلاً أوحد وأمثل لحل مشكلاتهم».

فلسفة الإيذاء
وهنا يتحدث الدوسري عن فلسفة الإيذاء التي تجعل الأطفال والمراهقين يُظهرون سلوكيات عدوانية قد تكون موجهة ضد النفس أو ضد الغير، إضافة إلى الطبيعة الاندفاعية التي تجعلهم يلجأون إلى اتخاذ سلوك المخاطرة والتهور دون إلمام بعواقب أفعالهم، فيزيد ذلك من خطر الانتحار لديهم. ويقول: «لا يجب أن ننسى تأثير ما يُعرض في التلفاز والفيديو والإنترنت على سلوكيات الأطفال والمراهقين، فيقومون بمحاكاة ما يشاهدونه، وكثير منهم في هذه السن المبكرة، يُعدون شخصيات الأفلام والمسلسلات قدوة لهم، كما أن بعض الأطفال لا يميز بين التمثيل والواقع، لذا ينبغي على الوالدين تكثيف المراقبة والإشراف على مدى ملاءمة ما يشاهده أبناؤهم».

وفي هذا السياق، ينصح الصالح بـ «ضرورة توعية الطلاب والطالبات منذ المرحلة المتوسطة بأهمية الصحة النفسية والطرق السليمة لتخفيف الضغوط النفسية، وينبغي أيضاً مساهمة المرشدين والأخصائيين النفسيين في المدارس بشكل فعَّال لتوفير الدعم النفسي للطلبة والطالبات ممن يعانون ظروفاً أو ضغوطاً نفسية، وتحويلهم إلى أطباء نفسيين إن لزم الأمر».

وظائف الانتحار
ويثير الدوسري منحى آخر في المقاربة بين السلوكيات الانتحارية بمختلف أنواعها، فيقول: «يمكن للسلوكيات الانتحارية أن تكون ذات وظائف مختلفة. فالانتحار، بالنسبة إلى بعض الأفراد، وسيلة تجنب أو هروب من وضع هم عاجزون عن قبوله. وبالنسبة إلى آخرين، يقابل الارتداد ضد الذات. ارتداد دافع عدواني لم يكن يمكنه أن يُوجهه ضد الغير. والانتحار بالنسبة إلى كثيرين، رسالة يائسة تُعبِّر عن ضروب اللوم الموجهة إلى الغير على اللامبالاة، كما تُعبِّر في الوقت نفسه عن العجز عن الاضطلاع بمسؤولية الحياة ووضع حد لصعوباتها». ويضف: «من الأهمية بمكان، على المستوى الشخصي، إدراك أن ليس هناك سوى عدد قليل من حالات الانتحار التي تحدث دون إنذار. فمعظم المنتحرين يعطون إنذارات واضحة عن نياتهم. وبناء عليه، ينبغي إيلاء الاهتمام الواجب لجميع التهديدات المتعلِّقة بإيذاء الذات. وإضافة إلى ذلك، فإن غالبية الأشخاص الذين يحاولون الانتحار هم أشخاص يكتنفهم التناقض وعدم اليقين من الرغبة في الموت».

ويتابع الدوسري: «كذلك نجد أن هناك حالات انتحار كثيرة تحدث في فترة التحسّن، أي عندما يكتسب الشخص ما يلزم من طاقة وإرادة لتحويل الأفكار اليائسة إلى عمل بنَّاء. غير أن الشخص الذي حاول الانتحار في يوم ما من حياته لا يُعد بالضرورة شخصاً معرَّضاً للخطر بشكل دائم، فقد تعاود الأفكار الانتحارية بعض الأشخاص ولكنها لا تدوم لديهم، وقد لا تعاود أبداً أشخاصاً آخرين. لذلك نجد أن القرآن الكريم لم يهمل هذه الظاهرة، فأعطى الأمر وعلاجه أهمية كبرى وتحدَّث بكل بساطة ووضوح عندما أمرنا بشكل جليّ لا لبس فيه أن نحافظ على أنفسنا ولا نقتلها، فقال تعالى: ‭}‬وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ‭{‬ (النساء: 29). وهذا أمر إلهي قاطع يجب ألا نخالفه».

دور المساندة
ويتفق مع د. الدوسري في هذا الاتجاه، د. الغامدي الذي وظَّف كثيراً من الدلائل والسلوكيات الانتحارية التي يقف عليها أثناء عمله وتغطياته لحالات انتحار، في تكوين فكرة السّنَد، ويقول: «نجد أن أساس الفكرة يأتي من خلال البعد عن السند، والسند هنا إما أن يكون أشخاصاً مؤثرين ليعطوا الكفاية بتغيير الأفكار لهذا الشخص بشكل إيجابي. وذلك إما عن قصد من خلال احترافية البعض في عملية تغيير الأفكار بآلية معينة، وإما بدون قصد من خلال وجود هذا الفرد بين أشخاص يمتلكون التأثير الإيجابي في التغيير كسجية لهم من خلال تصرفاتهم وأفعالهم ورود أفعالهم مع الأشخاص والأحداث من حولهم، وبالتالي يكون حامل فكرة الانتحار موجوداً بين هؤلاء أو أؤلئك، وهنا يمكن القول إن الفكرة تبدأ وتنتهي دون تطبيق. أما الأمر الآخر فهو في يقيني، أن الأهم في هذه العملية برمتها هو السند الروحي الذي لن يعطي الإشباع فيه سوى من خلال الالتصاق بالخالق، من خلال تمثّل المعاني القرآنية وتطبيقها سلوكياً. إن الفهم العقلي والشعوري للقرآن كتدبر الآية (خلق الإنسان في كبد) يكفي بأن يعي الإنسان أن الدنيا دار تجربة للنفس، وليست دار راحة واستسلام لما هي عليه الأحداث ولما هم عليه الأشخاص من حولنا، وأن التقوى ليست في تطبيق أركان الإسلام دون فهم لمعنى التطبيق والرمزية من وراء كل تصرف في هذه التطبيقات التي لن تنفع الله بشيء كما قال عز وجل، دونما استحضار للمعنى وفهم تلك الرمزية التي طلبنا الخالق لكي نعيها بذواتنا وعقولنا قبل أن تطبقها وتعمل بها أجسادنا، وبأن المردود الأساسي لكل هذه التطبيقات هو تدريب النفس على فهم معنى السند وهو (الخالق) عز وجل، والإيمان بقناعة أنه هو المدبر والمعطي والنافع والضار والرحمن والرحيم».

ويختم الغامدي حديثه قائلاً: «أتمكن بفضل من الله عزّ وجل أن أساعد كثيرين من مرضاي على العدول عن فكرة الانتحار وذلك بمعالجة الدوافع والأسباب. فالانتحار ليس مرضاً بحد ذاته».

الكلب الأسود» لا يستطيع الطيران
ويستخلص من كل ما سبق، أن معالجة حالات الانتحار تشبه في تعقيداتها الدوافع نحوه، إذ كل منهما مجموعة متشابكة لا تنفصل بعضها عن بعض. لذا فإن محاولة الحد من تزايد حالات الانتحار، تتطلب تضافر الجهود بين جهات عدة تبدأ من البيت ولا تنتهي بمقر العمل، كما لا تعبر المدرسة والأصدقاء عبور المسالمين. وكذلك فإن كل الوجوه التي تعبر بنا هي محطات، كما هي مواقف الحياة العصيبة وتجاربها التي نظن للحظات قصيرة أنها تكالبت ضدنا، ولن ينقشع ظلامها أبداً. الخدمات الصحية، كما أوصى معظم الأطباء، بحاجة لمواكبة الزيادة المستمرة في أعداد السكان، واضطرابات المعيشة المختلفة والتغيرات العصرية التي لا يتقبلها كل الناس بالمستوى نفسه من التفاعل، وبطبيعة الحال ازدياد أعداد المرضى النفسيين تبعاً لذلك. ممارسة الأنشطة المحفزة على التأمل في الطبيعة وفي «تمويه» اليأس إن وجد، الاقتراب من النفس ومحاولة مصادقة الهموم سيشكل اتحاداً قوياً بوجه أي عدوان خارجي إذا تكالبت الظروف أو انغلقت الأبواب.

ومن مقاطع الفيديو المؤثرة التي شهدت انتشاراً واسعاً على «يوتيوب» مقطع بعنوان «الكلب الأسود». والمقصود به، ذلك الاكتئاب الذي يجثم على صدور البشر أحياناً، ثم يعتلي هامة أكتافهم أحياناً أخرى.. وكلما انحنى ظهر الإنسان، كلما تمكّن «الكلب الأسود» من توسيع دائرة نفوذه، وفُسّرت السلوكيات التالية على أنها استسلام.

وجاء على لسان الضحية في المقطع، أنه توصل إلى أن الحل الوحيد للتخلص من هذا «الكلب الأسود» يكمن في مدّ يد السلام إلى الأحزان والتصالح معها حتى تهابهما قدرة الإنسان على المواجهة، ومن ثَمّ تتقهقر نكوصاً عندما يهبّ أي منا إلى التحليق.. فـ «الكلب الأسود» لا يستطيع الطيران.

أضف تعليق

التعليقات

.مدري

ماذا لو كان المنتحر نادم في اخر لحظه له ومات