ملف العدد

باطن الأرض

  • 97ddd
  • 98a
  • 98b
  • 99bir
  • 100aa
  • 100b
  • 100c
  • 101
  • 101c
  • 102a
  • 102b
  • 102c
  • 102d

من هناك.. من تلك الأعماق المظلمة تخرج حمم البراكين والانفجارات التي تطيح بالجبال، ومن هناك أيضاً تأتينا الحجارة الكريمة الصغيرة ذات الجمال الأخّاذ.. من هناك تنطلق الزلازل المدمرة والمرعبة، ومن هناك يتدفق الماء لينثر الحياة أينما كان من حوله.. ومع ذلك، فإن تلك الأعماق التي تبدأ مباشرة تحت أقدامنا تبدو بعيدة جداً ومجهولة..

أوليس أمراً غريباً أن يسافر الإنسان إلى القمر، أو يرسل مسباراً إلى كوكب المريخ على بعد ملايين الأميال، وألاَّ يتمكن في الوقت نفسه من الغوص في أعماق الأرض لأكثر من مئات الأمتار، وأن لا تتجاوز أعمق حفرة وصلها حفّار ثلاثة عشر كيلومتراً؟

أوليس غريباً أن يضم باطن الأرض معظم مستلزمات حياة الإنسان وتطوره من ماء ومعادن ووقود.. وأن تقوم حضارات وتندثر قبل ظهور “علم الأرض” الذي تأخر آلاف السنين عن الطب والفلك والهندسة، ولم ير النور إلا قبل قرنين من الزمن فقط؟

الأرض.. أمنا الكريمة تبدو منغلقة على نفسها، ضنينة بأسرارها، ناجحة إلى حد كبير في صدّ تطفّل الإنسان وفضوله. فإلى باطنها في
هذه الرحلة مع فريق التحرير..

الأعماق المجهولة
الأعماق المجهولة.. قلنا في المقدمة. فما مدى صحّة هذا القول ودقته؟
لقد نسج الإنسان منذ أن خُلق على سطح الأرض علاقة حميمة مع باطنها الذي يقع مباشرة تحت قدميه. كان ذلك عندما انحنى لأول مرة على الماء المتدفق من ينبوع ليرتوي، وعندما لجأ إلى الكهف ليحميه من العواصف والأمطار.. ولاحقاً عندما حفر تربتها ليزرع فيها بذور غذائه. وما من بناء قام على سطح الأرض إلا وغرس جذوره في باطنها، سواء أكان خيمة بسيطة أم ناطحة سحاب حديثة.

وأينما قامت مدنية متطورة نرى أنها كانت تتوسع ولو بحدود ضيقة صوب الأسفل.. صوب باطن الأرض. وينساق ذلك على الأنفاق التي شقّت في روما القديمة والعصور الوسطى لغايات عسكرية، وصولاً إلى أنفاق النقل والمواصلات في المدن الحديثة وبُناها التحتية الضرورية لتوزيع الماء والطاقة وما شابه ذلك.

ولكن لماذا لم يذهب الإنسان أبعد من ذلك؟
يقول أول الأجوبة التي تتبادر إلى الذهن إن بطن الأرض لا يرحّب بالزوار. فالحرارة والضغط يرتفعان تدريجاً بسرعة كافية لإيقاف أي زائر يغوص لمئات معدودة من الأمتار. فعلى عمق 2500 متر فقط، واستناداً إلى المعلومات الموثقة، تصل الحرارة إلى 105 درجات مئوية والضغط إلى 290 ضغطاً جوياً. فكيف هو الحال في لبّ الأرض (منتصفها) الذي يقع على بعد 6371 كيلومتراً تحت أقدامنا، وحيث تصل الحرارة إلى حوالي 5000 درجة مئوية، والضغط إلى آلاف المرات من الضغط الجوي؟

لقد بذل الإنسان ما بوسعه للوصول إلى الأعماق واستثمارها. وشاعت تقنيات الحفر حتى كيلومترات قليلة لاستخراج الموارد الطبيعية ما بين 2 و 3 كلم لاستخراج النفط، وما يزيد قليلاً على 3 كم لاستخراج الماس والذهب (بواسطة شفط التربة)، و4 كلم لاستخراج الغاز الطبيعي.. وأعمق ما وصل إليه مثقب رحوي كان أقل من 13 كلم في بئر “كولا ويل” في شمال شرق روسيا.

ولماذا لا يمكن الحفر أكثر من ذلك؟
لأن المثقب الرحوي المصنوع من أشد المعادن صلابة والمقوّى بالألماس، يتآكل تماماً كلما حفر عشرات الأمتار، ولا بدّ أن يُستبدل بآخر. وعملية التبديل معقدة وبطيئة وتستدعي إخراج كل العمود الذي يحمل المثقب في رأسه وتستغرق أوقاتاً طويلة جداً، وكلما ازداد العمق ازدادت التعقيدات التقنية على سطح الأرض لاستبدال المثقب.. ولذا تقف جهود الإنسان حالياً في هذا المجال عند هذه المستويات “السطحية” جداً..

المجهول والمعلوم
باطن الأرض إذن مجهول تماماً.. الأمر صحيح إن كنّا نشترط المشاهدة العينية لجمع المعلومات. ولكن العلماء يتحدثون عن باطن الأرض الذي لم يصله إنسان ولا مسبار بكثير من التفصيل والثقة. والمكتبات تنوء بآلاف المجلدات التي تصف باطن الأرض، ولا تختلف في ما بينها إلا في بعض التفاصيل والتفسيرات. فإلى ماذا ترتكز هذه المعلومات، وما هي مصادرها؟

حتى القرن الثامن عشر كان الاعتقاد السائد عند علماء أوروبا أن عمر الأرض هو بضعة آلاف من السنين فقط. لا بل إن بعضهم كان قد نشر بحثاً علمياً في منتصف القرن السابع عشر يحدد تاريخ تشكّل الأرض بالعام 4004 ق.م. (على وجه الدقة؟!!).. الأمر الذي يؤكد أنه لم يكن للجيولوجيا بمفهومها الحديث أي وجود آنذاك.

يعتبر الاسكتلندي جيمس هاتون واضع كتاب “نظرية الأرض” في أواخر القرن الثامن عشر مؤسس علم الجيولوجيا الحديث الذي استفاد بسرعة من كافة العلوم الحديثة. وحقق قفزات مذهلة فتفرعت عنه تخصصات مستقلة مثل علم البراكين وعلم الزلازل وعلم المعادن… الخ.

وخلاصة ما توصّل إليه العلم حتى يومنا هذا يقول إن باطن الأرض مؤلف من أربع طبقات:
1 – 
القشرة: وهي الطبقة الباردة التي تقع تحت أقدامنا مباشرة. يبلغ معدل سماكتها تحت القارات من 30 إلى 40 كيلومتراً، وتحت المحيطات خمسة كيلومترات فقط، وتتألف بشكل أساسي من السيليكات.
2 – 
الدثار: وتبلغ سماكته 2,885 كيلومتراً، أي ما يشكل نحو 80 في المئة من حجم الأرض. وهو يتألف من السيليكات الصلبة، تتخلله بعض الجيوب السائلة بفعل الحرارة والضغط. وتصل الحرارة في المئة كيلومتر الأولى منه فقط إلى 1400 درجة مئوية.
3 – 
اللب الخارجي: طبقة منصهرة سماكتها 2,270 كيلومتراً، تتألف من الحديد والنيكل السائلين، وحرارتها ما بين 3700 و 4000 درجة مئوية.
4 – 
اللب الداخلي الصلب: في منتصف الكرة الأرضية ويبلغ شعاعه 1,216 كيلومتراً، ويتألف من الحديد والنيكل الصلب وتتراوح حرارته ما بين 4000 و 5000 درجة مئوية.

وعلى الرغم من أن حياة الإنسان على سطح الأرض ترتبط جملة وتفصيلاً بكل ما في طبقات الأرض، بدءاً من حرارة اللب وصولاً إلى حركة التيارات في بحر الحديد والنيكل المنصهر والتي تثبت أنها وراء نشوء الحزام المغناطيسي الذي يغلف فضاء الأرض ويحميها من المؤثرات الكونية، فإن القشرة، لتنوع مكوّناتها الداخلية، تبدو الطبقة الأكثر جاذبية للقيام برحلتنا إلى باطن الأرض.
رفاق الرحلة
في العام 1864م نشر الروائي الفرنسي جول فيرن روايته الكبرى الثانية “رحلة إلى باطن الأرض” التي لا تزال حتى يومنا هذا واحدة من أشهر روايات الخيال العلمي، وأبرز عمل أدبي من دون منازع في هذا المجال.

تبدأ أحداث هذه الرواية عندما يعثر عالم جيولوجي ألماني يعيش في هامبورغ ويُدعى البروفسور لايدنبروك على مخطوطة كتبت بلغة إيسلندية قديمة، فيساعده ابن شقيقه المولع بعلم المعادن ويدعى أكسيل على فك رموزها وقراءتها، ويكتشف أنها تشير إلى موقع يمكن من خلاله الوصول إلى باطن الأرض. والموقع هو فوهة بركان سنيفل في إيسلنده.

يعدّ الاثنان العدة كاملة ويتوجهان إلى بركان سنيفل المنطفئ. وهناك ينضم إليهما دليل محلي يدعى هانس، ويبدأ الثلاثة رحلتهم إلى الأعماق. وفي تلك الأعماق يصادف هؤلاء المغامرون الكثير من المخاطر، يواجهون الضياع والموت.. ولكنهم يواجهون أيضاً عينّات من كل ما نعرفه عن باطن الأرض ومحتوياته حسبما كان متوافراً للعلماء في ذلك العصر، وبعد أسابيع من الضياع والمشاهدات والتجوال في الكهوف والفوالق الصخرية يخرج الثلاثة من فوهة بركان سترومبولي في إيطاليا على شاطئ المتوسط!!

وهيا بنا مع البروفسور لايدنبروك وأكسيل وهانس في رحلتهم، ومع ما شاهدوه استناداً إلى هذا العمل الأدبي وما صرنا نعرفه اليوم استناداً إلى العلم الحديث..

والمنفذ بركان
يقول أكسيل: “تشبه فوهة سنيفل قُمعاً مقلوباً يبلغ قطره في الأعلى نصف فرسخ، أما عمقه فقدَّرته بنحو ألفي قدم، والقعر يزيد على الخمسمائة.
وصلنا إلى القعر قرابة الظهر.. تطلعت إلى الأعلى لأرى حافة الفوهة تؤطر قطعة مستديرة من السماء الزرقاء.. وهناك، في القعر، تنفتح ثلاث مداخن كانت تخرج منها الحمم والأبخرة خلال ثورات البركان. يبلغ قطر كل منها نحو مئة قدم، وكان علينا أن نختار واحدة منها للوصول إلى باطن الأرض.

واختيار الروائي لفوهة بركان منفذاً إلى باطن الأرض، يدلّ على بصيرة علمية نافذة على الرغم من عدم واقعيته عملياً. فعندما تهدأ البراكين وتخمد، تبرد الصهارة (اللابة) التي تكون في فوهته وتتجمد وتسد المداخن. ولا تفتح مجدداً إلا بازدياد الضغط الداخلي إلى درجة تكفي لتحطيمها أو تفجيرها. ولكن البراكين هي بالفعل أكبر النوافذ التي يمكن للعلماء أن يتطلعوا منها إلى باطن الأرض، على المستوى النظري طبعاً. فهي الأقنية الوحيدة التي تفتح بين الحين والآخر ما بين سطح الأرض وطبقة الدثار التي تقع تحت القشرة مباشرة على أعماق تبدأ ما بعد الأربعين كيلومتراً.

فلأسباب غير محددة بدقة يحتوي الدثار على جيوب سائلة ذات حرارة عالية. ويشكّل كل من هذه الجيوب ما يسمى “خزان الصهارة” الذي يقوم عليه كل بركان.

تنشأ غالبية البراكين حول الخطوط الفاصلة بين الصفائح القارية بسبب ضعف القشرة الأرضية فيها. وتحمل الصهارة المندفعة إلى السطح خليطاً من السيليكات والمعادن المختلفة التي تتنوع بتنوع طبيعة الصهارة ومحيطها في الأعماق، وتتراوح
محتوياتها ما بين الرماد المخصّب للأراضي الزراعية وبلورات الحجارة الكريمة.. إضافة إلى الموت والدمار من حولها.

وللدلالة على عظمة الضغط المؤدي إلى انفجار البراكين نشير إلى أن انفجار بركان “سانت هيلين” في أمريكا سنة 1980م أطاح خلال ثوان بنحو 410 أمتار من الجبل، وسوّى بسطح الأرض كل ما هو قائم من حوله ضمن مساحة 400 كيلومتر مربع، وسحق الأشجار تماماً على بعد 25 كيلومتراً.. وقذفت فوهته نحو كيلومترٍ مكعبٍ من الرماد والصخور التي بلغت حرارتها 800 درجة مئوية. ويمكن لبعض الانفجارات البركانية أن تكون أعظم من ذلك بكثير. فانفجار بركان تامبورا في إندونيسيا سنة 1815م، قذف في الجو نحو 30 كيلومتراً مكعباً من الحمم، الأمر الذي أدى إلى تغيّر المناخ في العالم بأسره خلال العام التالي الذي عرف باسم “العام الذي لا صيف فيه”. وعندما انفجر بركان كراكاتوا في جزيرة جاوا بإندونيسيا أيضاً سنة 1883م، كان الانفجار ضخماً إلى درجة أن صوته وصل إلى سواحل أستراليا على بعد ألفي كيلومتر منه.

أما بركان سنيفل في إيسلنده فهو خامد، يعود آخر نشاط فيه إلى العام 1229م. ومع ذلك:
“بقيت الحرارة عند مستويات يمكننا تحملها. وبشكل لا إرادي كنت أفكر في ما كانت عليه مقذوفات سنيفل عندما كانت تتزاحم في هذا الكهف الساكن اليوم. تخيلت سيول النار تتحطم على جدران هذا النفق، والأبخرة الحارة جداً تتكدس في هذا المكان الضيق”.

الصخور والمعادن
“قرابة الظهر، حصل تغيّر في مظهر جوانب النفق.. لاحظته من انعكاس ضوء المصباح الكهربائي على الجدران الصخرية. فقد حلّت الصخور ذات الألوان الفاتحة محل الصخور البركانية. وصارت الكتلة المحيطة بنا تتألف من طبقات رصفت فوق بعضها البعض، وأحياناً بشكل عمودي.. فصرخت: هذه الترسبات صنعتها المياه في العصر الثاني من عمر الأرض.. لقد أصبحت الكتلة الغرانيتية خلفنا”.

الصخور هي تلك الكتل الحجرية الكبيرة المرصوفة فوق بعضها البعض أينما كانت هناك يابسة، وحتى أعماق تتجاوز القشرة لتشمل طبقة الدثار أيضاً. وتخدعنا الصخور بمظهرها الساكن. فنعتقد أنها كانت هكذا منذ الأزل وستبقى هكذا إلى الأبد. غير أنها في الواقع متحوّلة باستمرار. فللصخور دورة عملية مستمرة تتحول بها من حالة إلى حالة. وهي تصنّف في ثلاث مجموعات رئيسية: الصخور البركانية والصخور الرسوبية والصخور المتحوّلة. تتكون الأولى عندما تبرد الصهارة البركانية وتتجمد. أما الصخور الرسوبية فتتشكل عندما تنضغط الرسابة المؤلفة من الرمال والأتربة وتلتحم جسيماتها ببعضها في عملية تعرف بالتصخّر. أما الصخور فتكون متحولة عندما تطرأ تغيّرات على واحد من هذين النوعين بسبب التعرض للعوامل الجوية أو للحرارة في باطن الأرض. غير أن ما نسميه اصطلاحاً “الصخور” هو في الواقع كتل من المعادن تختلف “خلطتها” بين صخرة وأخرى.

الذهب والماس
“كلما تابعنا نزولنا إلى الأسفل، كانت الطبقات المشكلة لهذه الأرض البدائية تزداد وضوحاً. في الطبقة الأولى ذات اللون الأخضر بدرجاته المختلفة، تتلوى سواقٍ معدنية من النحاس والمنغنيز، وبعض شذرات البلاتين والذهب. رحت أفكر بهذه الثروات المدفونة في أحشاء الأرض والتي لم تكفِ يوماً جشع الإنسان! هذه الكنوز التي دفنتها انقلابات الأيام الأولى على أعماق لا يمكن لمعول أو ملقط أن يستخرجها منها. وبعد ذلك، هناك طبقة ثانية متميزة بانتظام وريقاتها وموازاتها لبعضها البعض، وأخيراً طبقة ثالثة مؤلفة من شفرات يضخم مظهرها بريق البلورات البيضاء. كانت أضواء المصابيح المتساقطة على بلورات هذه الصخور تتلاقى وومضات الضوء المنعكسة من كل الزوايا، فتخيلت نفسي مسافراً داخل ماسة جوفاء، يتحطم فيها الضوء إلى ألف شعاع باهر”.

لعل أبرز الحقائق العلمية الواردة في هذه الفقرة هي في الحديث عن الإنسان الذي لا يمكن إشباع جشعه وسعيه إلى كنوز الأرض المعدنية. فكانت هذه الجاذب الأكبر والأول الذي شدّ هذا الإنسان صوب باطن الأرض.

تحتوي الأرض على نحو أربعة آلاف نوع من المعادن التي تقسّم عادة إلى مجموعتين رئيستين: العناصر الطبيعية والمركبات. تتكون العناصر الطبيعية من عنصر كيميائي واحد مثل الذهب أو الفضة أو النحاس أو الحديد أو الكربون (الذي يوجد في الطبيعة على شكلين: الماس والغرافيت). أما المركبات فتتكون من اتحاد عنصرين أو أكثر، مثال على ذلك السلفيدات المكونة من عنصر الكبريت ومن عنصر آخر كالرصاص في معدن الغالينا، أو الأنتيمون في معدن الاستبنيت.

توصل العرب قبل ألف عام إلى تصنيف أكثر من 900 معدن بناءً على خصائصها الطبيعية وبيئاتها الجيولوجية. فنجد في كتاب “الجماهر في معرفة الجواهر لأبي الريحان البيروني” وصفاً مفصلاً للمعادن والأحجار الكريمة. كما يتضمن هذا الكتاب الذي يعود إلى القرن الخامس الهجري ما كان الإغريق والرومان قد توصلوا إليه في هذا المجال. فقد اهتم الإنسان بالمعادن لألف غاية وغاية منذ فجر الحضارات الزراعية الأولى. وبعدما استنفد بسرعة ما كان يعثر عليه منها فوق سطح الأرض راح يبقر بطنها بحثاً عن المزيد.

تتشكل المعادن في باطن الأرض على أعماق مختلفة، ووفق معطيات بالغة التعقيد، ولا ينتقل إلا جزء يسير منها إلى سطح الأرض أو الطبقات العليا من القشرة، وبواحدة من طريقتين: إما عن طريق الصهارة البركانية التي تجرف في صعودها ما تصادفه في طريقها من معادن، وإما من خلال حركة الصفائح التكتونية التي ترتفع في بعض الجهات، ثم تأتي عوامل التجوية لتذيب الطبقات العليا منها، فتكشف عن المعادن، أو تجعل غطاءها الترابي والصخري أقل سماكة.

فالماس مثلاً يتشكل على أعماق تتراوح ما بين 50 و 200 كيلومتر. فهناك فقط يتوافر الضغط اللازم لتنقية الكربون ذي الأصل العضوي ورص ذراته بهذا الشكل المميز. وعلى عمق 400 كيلومتر يتوافر الضغط والحرارة اللازمين لتشكل معدن البيريدوتيت ذا اللون الأخضر الزيتوني (منه حجر كريم شائع)، أما عندما تغوص صخور البيريدوتيت حتى عمق 600 كيلومتر فإن الضغط يتعاظم إلى درجة تؤدي إلى انهيار جزيئياتها وتحولها إلى معدن آخر هو السبينيل (حجر كريم آخر)..

والقليل، القليل فقط من هذه المعادن يطفو في باطن الأرض حتى مستويات يمكن أن يطالها الإنسان الذي يمد يده صوبها حتى أقصى حد ممكن. فأعمق مناجم الذهب في العالم تقع في مقاطعة الترانسفال في جنوب إفريقيا، حيث وصلت إلى 3,840 متراً تحت سطح الأرض في العام 1975م.

أما أكبر الحفر التي حفرها الإنسان بحثاً عن المعادن فهي في بينغهام كانيون في ولاية أوتاه الأمريكية. وقد بدئ العمل سنة 1906م على هذه الحفرة التي كانت في الأساس منجماً للفضة والذهب ثم اكتشف فيها النحاس. ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم استخرج منها 5 بلايين طن من الصخور والأتربة التي أعطت نحو 12 مليون طن من النحاس وكميات مهمة من الذهب والفضة، ووصل قطر هذه الحفرة إلى 4 كيلومترات، وعمقها إلى 900 متر.

والحديث عن هذه الحفرة يعيدنا إلى صحة ما يقوله أكسيل في الرواية حول تواجد بعض المعادن بجوار بعضها مثل النحاس والفضة والذهب. ففي المملكة العربية السعودية يستخرج من منجم “مهد الذهب” نحو 100 ألف أونصة من الذهب ونحو 300 ألف أونصة من الفضة سنوياً. وفي هذا المنجم كما في معظم المناجم الأخرى يكون الذهب فعلاً على شكل سواقٍ وعروق منغرسة في الصخور، تصاحبه معادن أخرى مثل النحاس والزنك.

غير أن باطن الأرض يحوي بعض كتل المعادن النقية المنفصلة عن الصخور التي يمكن أن يصل وزن بعضها إلى عشرات الكيلوغرامات (أكبرها على سبيل المثال قطعة تزن 93 كلغ من الذهب عثر عليها في أستراليا، وقطعة فضة تزن 1,350 كلغ وجدت في أريزونا بأمريكا).

المـــاء
“في تلك اللحظة سمعت صوتاً غريباً يسري في باطن الجدران الغرانيتية، صوت خرير عميق كما لو كان رعداً بعيداً. عرف عمي مصدر هذا الصوت فقال: لقد صدق هانس. ما تسمعه هو خرير مجرى ماء. وبدأ هانس العمل على حفر الجدار الغرانيتي بضربات دقيقة ومنتظمة من معوله، وبعد أكثر من ساعة، كان قد حفر نحو القدمين عمقاً. أما عمي الذي ضاق ذرعاً بالعطش والانتظار فقد حاول استخدام وسائل أخرى، غير أنني كنت أحاول ردعه عندما سمعت صفيراً مفاجئاً. فقد انطلقت نافورة ماء من الجدار ووصلت إلى الجدار المقابل لتتحطم عليه. أما هانس الذي كاد يسقط أرضاً تحت ضغطها فقد صرخ من الألم. عرفت السبب عندما مددت يدي صوب الماء. فأطلقت صرخة بدوري: ماء حرارته مئة درجة! فأجاب عمي: سيبرد”.

إنه أعظم كنوز الأرض، وأغلى ما تخبئه في أعماقها. فعندما تهطل الأمطار تبدأ كميات مختلفة من مياهها بالانحدار نحو باطن الأرض لتتجمع فيه على شكل مجاري وبحيرات جوفية. تختلف هذه النسبة بين مكان وآخر. ففي الأراضي القابلة للارتشاح مثل الرمال والحصى تتراوح هذه النسبة ما بين 40 و 50 في المئة، وفي الأراضي الصخرية ما بين 5 و 20 في المئة.

والمياه الجوفية تتابع تدحرجها عبر الصخور المسامية والتشققات الطبيعية لتصل إلى طبقة كتيمة فتبدأ بالتجمع فوقها، ويبدأ مستواها بالارتفاع، حتى تجد منفذاً أفقياً فوق سطح الأرض أو في باطنها.

وهناك اعتقاد شائع يقول بأن طبقات الأرض تنقّي الماء الملوّث. والأمر صحيح في ما يتعلّق بالبكتيريا وبعض المواد الكيميائية التي تتأكسد وتتحلل خلال احتكاكها بالمعادن الموجودة في الصخور، إذا كان هذا الاحتكاك بطيئاً. أما إذا كانت مسارب الماء كبيرة ووصل بسرعة إلى جوف الأرض فإنه يصل ملوثاً. كما أن طبقات الأرض تعجز عن تنقية الماء من بعض الملوثات كالبنزين على سبيل المثال.تشكل المياه العذبة المدفونة في الأرض نحو14 في المئة تقريباً من مجموع المياه العذبة في العالم. (في حين أن الجليد يمثل نحو 85 في المئة)، ومع ذلك يعتمد ثلث البشرية، أي نحو ملياري نسمة، على المياه الجوفية في حياتهم اليومية.

والمياه الجوفية في المناطق الرسوبية تكون عادة باردة جداً لبعدها عن أشعة الشمس من جهة، وعن حرارة الأرض الداخلية من جهة أخرى. ولكن يصدف أن تمر هذه المياه بجوار مناطق بركانية حارة، فترتفع حرارتها وتتبخر. ويصبح البخار عامل ضغط يزيد من نشاط حركتها، وفي بعض الأماكن يدفع بها إلى الأعلى على شكل نوافير من الماء الساخن.

على مقربة من بركان سنيفل في إيسلنده هناك نافورة تفور كل خمس دقائق وتقذف في الجو مياهاً تبلغ حرارتها 260 درجة مئوية، يشير إليها السكان بكلمة “جايزير” التي تعني في لغتهم “الفوّار”، ولكن لشهرتها أصبحت هذه الكلمة اسم كل نبع ماء ساخن يتفجر على دفعات من باطن الأرض. لا شك من أن جول فيرن شاهد هذه النافورة خلال إعداد روايته. وهو ينسب إلى أبطال روايته مشاهدتهم لواحدة منها على جزيرة صغيرة
في بحر ضائع عبروه في رحلتهم تحت الأرض!!
والمياه الجوفية في حركة دائمة تقل كمياتها خلال مواسم الشح والجفاف، وتزداد خلال مواسم الأمطار. ويقدر العلماء أن المياه الجوفية تتجدد تماماً مرة كل ما معدله 280 سنة.. وخلال هذه الحركة والتجدد تنحت المياه في باطن الأرض أجمل معالمها الطبيعية على الإطلاق: الكهوف

قصور الطبيعة
“كان هذا الممر المظلم منحدراً قليلاً، وسعته تختلف كثيراً بين مكان وآخر. أحياناً كانت النوازل من السقف تتوالى أمامنا وكأنها عروق الأعمدة في المباني القوطية القديمة. كان يمكن لفناني القرون الوسطى أن يدرسوا هنا كل أشكال هذه الهندسة الجميلة. وعلى بعد ميل، أحنينا رؤوسنا للمرور من تحت أقواس تشبه نمط العمارة الرومانية، حيث الأعمدة المنغرسة في الجدران تنوء تحت ثقل القباب والأقواس. وفي بعض الأماكن، كانت هناك عوائق أرضية سقطت من السقف، فيضيق النفق ونضطر إلى العبور زحفاً عبر ثغراته الضيقة”.

تحتوي مياه الأمطار بشكل طبيعي على حمض الكربونيك الذي تلتقطه من الهواء. وخلال تسرب هذا الماء إلى باطن الأرض عبر الصدوع والفوالق الصخرية، يذيب الحمض ببطء المعادن الموجودة في هذه الصخور. وبمرور آلاف وملايين السنين تتوسع هذه المسارب لتتحول إلى شبكة من المغاور والممرات التي تستحيل كهوفاً واسعة إذا انهارت سقوفها. ولأكثر من سبب مناخي وجيولوجي يمكن أن يجف السيل الذي حفر الكهف سابقاً. ولكن في مرحلة ما يبقى محيط الكهف رطباً جداً. وتستمر نقاط الماء بالتساقط من سقفه وعلى جوانبه. ولأن هذه النقاط تكون غنية بالأملاح والمعادن وتتساقط ببطء، يحصل في كثير من الأحيان أن تتبخر جزئياً أو كلياً قبل أن تسقط على الأرض، فتترسب منها بصمة صلبة من البلورات الدقيقة. وبتراكم هذه البلورات تصبح أشبه بأعمدة تتدلى من سقف الكهف نسميها “النوازل” أما الصواعد فهي التي تتشكل من النقاط المتساقطة على الأرض، والتي تنمو باتجاه الأعلى.
وأحياناً يلتقي النازل بالصاعد ليتشكل “العمود” الذي يزداد قطره باستمرار طالما بقي يتلقى الماء ونقاطه التي تنساب على جوانبه.
وتنتشر الكهوف أينما كان في العالم وتتركز بشكل خاص في المناطق المؤلفة من الحجر الجيري. وفي المملكة العربية السعودية مجموعة كبيرة من الكهوف الصحراوية. بعضها كان معروفاً منذ القدم، وبعضها استكشف حديثاً. ويتجمع عدد منها بشكل لافت حول قرية المعاقلة على تخوم صحراء الدهناء، وأكبرها هو الكهف المعروف باسم دحل السلطان. وهناك أيضاً كهف “درب النجم” الذي يستمد اسمه من اعتقاد السكان القدامى أنه ناجم عن سقوط نجم على الأرض.
وفي دحل المربع المتميّز عن غيره من كهوف هضبة الصمّان بجفافه وبرودته (تستقر الحرارة داخله على 16 درجة مئوية)، عثر العلماء بدلاً عن الصواعد والنوازل والترسبات اللؤلؤية الشكل الشائعة في غيره، على عظام بشرية وحيوانية حملتها الضباع المفترسة إلى داخله قبل أكثر من ألف عام.
ومن أشهر الكهوف في البلاد العربية مغارة جعيتا في لبنان التي تحظى بشهرة سياحية عالمية، وكهوف سريجيس في الجبال الساحلية في سوريا. غير أن أكبر كهوف العالم هو “كهف الماموث” في ولاية كنتاكي بأمريكا، والذي يبلغ طول مجموع ممراته نحو 540 كيلومتراً، ويحتوي على أكبر “قاعة” معروفة تحت الأرض، تقارب مساحتها نحو 14 ملعب كرة قدم، ويرتفع سقفها بما يكفي لوضع مبنى الكابيتول بكامله في داخلها..!!

الفحم والنفط والغاز
“بعد مسيرة عشر ساعات، اختفى بريق الضوء المنعكس على الجدران، واختفى الرخام الأبيض والحجر الجيري لتحل محلهما كسوة جدارية داكنة اللون. وعندما اضطررت إلى الإتكاء على الحافة اليسرى وتطلعت إلى يدي، رأيتها سوداء تماماً. فقد كنّا داخل منجم فحم.. منجم من دون عمّال، حفرته الطبيعة..وكنّا نمشي ونمشي.. وكنت الوحيد من بين رفاقي الذي شرد ذهنه بعيداً عن طول المسافة للتفكير بالاعتبارات الجيولوجية. بقيت الحرارة على ما كانت عليه خلال مرورنا بالطبقات البركانية ومن ثم الرسوبية. غير أن أنفي التقط رائحة حادة جداً منبعثة من بروتوكاربور الهيدروجين، أيقنت عندها أن هذا الممر يحتوي على كميات مهمة من هذا السائل الخطر الذي سمّاه عمال المناجم الزيت، والذي تسببت انفجاراته بكوارث مرعبة. ولحسن حظنا، كنا نعتمد في الإضاءة على “مصابيح رومكورف” هذا الابتكار العبقري. لأننا لو كنّا نتجول على ضوء المشاعل لحصل انفجار أنهى الرحلة وأطاح بالرحَّالة”.”

عندما كتب جول فيرن روايته كان الفحم الوقود الأكثر شيوعاً في العالم ومصدر الطاقة الأول. ولذا أفرد له الروائي صفحات تزيد كثيراً على المقتطفات التي اخترناها. في حين أن الزيت الذي كان شبه مجهول آنذاك، لم يحظ من الكاتب بأكثر من هذه الأسطر المعدودة. أما اليوم، فالعكس أصبح صحيحاً. وبات الزيت المصدر الأول للطاقة في العالم، وها هو الغاز الطبيعي ينضم إليه كمصدر رئيسي آخر للطاقة. وما من مكان على سطح الأرض أو في باطنها يمكنه أن ينير الظلمات المحيطة بكمائن الزيت ويبسط المعلومات المتعلقة بها أفضل من المعرض الدائم الذي أنشأته أرامكو السعودية خصيصاً لهذه الغاية. نفهم من تجوالنا في هذا المعرض أن الزيت وقود أحفوري (مثل الفحم والغاز) تشكل أساساً من مواد عضوية كانت في غابر الأزمان حيوانات ونباتات حية.
ففي الماضي البعيد، قبل ملايين السنين كانت السيول غالباً ما تجرف النباتات والحيوانات الحية والميتة لتستقر بها في قاع المحيطات وتضمها هناك إلى ما كان يحيا تحت الماء. وبمرور الزمن، كانت هذه المواد تتكدس، وتتكدس فوقها الأتربة التي بفعل ترسبها كانت تتحول إلى صخور مسامية صلبة. وبفعل تكدس المزيد، والحركات التكتونية للقارات كان موقع بقايا هذه الكائنات العضوية يتعرض إلى ضغط متزايد وحرارة أعلى. الأمر الذي يؤدي إلى “اختمار” بطيء ينتج عنه فصل المواد المعدنية عن هذه البقايا وتشكل الزيت الذي غالباً ما يصحبه الغاز الطبيعي. ولأن المياه تتسرب باستمرار إلى هذه الصخور الرسوبية المشبعة بالزيت، ولأن هذا الأخير أخف وزناً من الماء، فإنه يتحرك عبر الصخور صوب الأعلى حتى يصطدم بطبقة كتيمة من الصخور لا يستطيع أن ينفذ منها إلى أي مكان آخر، فيستقر هناك في ما نسميه اصطلاحاً “المكمن”، تعلوه طبقة من الغاز تعرف باسم “الغاز المرافق”. أما الغاز غير المرافق فيتشكل ويؤسر عادة على أعماق أكبر من أعماق مكامن الزيت.

وأية أعماق؟
في المملكة العربية السعودية يقع التكوين الصخري غير المسامي الذي يأسر الزيت تحته، والذي يعرف باسم تكوين “هيت” على عمق ألفي متر تقريباً في المنطقة الوسطى من المملكة. ولذا فإن الزيت في الحوطة يوجد على هذا العمق تحديداً. ولكن، لأن الطبقات الجيولوجية تنحدر صوب الأسفل كلما اتجهنا شرقاً، فإن مكامن الزيت تصبح على أعماق أكبر. وتصل في حقل الغوار العملاق حتى تكوين حنيفة على عمق 2,750 متراً تحت سطح الأرض. واستطراداً نشير إلى أن حقل الغوار الأكبر في العالم يحتوي على عشرات بلايين البراميل من الزيت العربي الخفيف والخفيف جداً، تملأ “حفرة” يبلغ طولها نحو 260 كيلومتراً وعرضها نحو 40 كيلومتراً.

أما الفحم فهو أيضاً من أصول نباتية، ولكن مسيرة تشكله مختلفة. فالزيت يتشكل من المواد العضوية التي دفنت أولاً في قاع المحيطات. أما الفحم فتشكل أساساً من جذوع الأشجار وغيرها من المواد العضوية التي دفنت في المستنقعات والوحول فوق مستوى سطح البحر، فتحجرت واستقرت في مواضعها بسرعة نسبية.

الأحافير
“كانت كتل الرخام من حولنا تحمل بصمات حيوانية واضحة.. لاحظت من بينها بقايا فصائل متطورة وأسماك كانت تعج بها البحار القديمة وتقذفها صوب صخور الشواطئ ورمالها… ارتميت على هذه البقايا المصنوعة من مواد معدنية لا يمكن تحطيمها. ورحت أطلق أسماءً على هذه العظام العملاقة التي تشبه جذوع الأشجار اليابسة.. هذا هو الفك السفلي لحيوان الماستوندونت، وهذه الفقرات الظهرية للدينوتوريوم.. لا يمكن لهذه البقايا أن تكون قد وصلت إلى هنا نتيجة عامل طبيعي. لا بد وأن هذه الحيوانات عاشت قديماً هنا على شاطئ هذا البحر الدفين في ظلال هذه الأشجار المتحجرة.. خذوا هذا.. إنه هيكل عظمي كامل”.

الأحافير هي الحيوانات والحشرات والنباتات المتحجرة والتي يعثر عليها في باطن الأرض داخل الصخور الرسوبية. الأسماك أكثرها شيوعاً، والديناصورات أشهرها. وإلى ذلك يمكننا أن نجد القشريات والزواحف والأصداف المختلفة، والعقارب ونجوم البحر وحتى أغصان النباتات وأوراقها.

إن معظم الكائنات الحية تتعفن وتتحلل بسرعة بعد موتها، أو قد تأكلها الحيوانات والحشرات. ولذا، فلكي تتم عملية الاستحجار (أي تكوّن الأحافير)، يجب أن يحصل دفن الكائن العضوي بسرعة بواسطة المواد الرسوبية كالرمال، أو الوحول التي يجب بدورها أن تجف بسرعة تحت تأثير العوامل المناخية. وهنا يمكن أن يتحول الكائن إلى أحفورة بواحدة من طريقتين.

الأولى، وفيها تتعفن المواد الطرية في جسم الكائن الميت بسرعة، غير أن بعض أجزائه الصلبة كالعظام والأسنان والأصداف يمكن أن تحفظ خلال تحوّل الطبقة الرسوبية الطرية إلى حجر قاس. وهنا تقوم المياه بنقل ذرات المعادن من الطبقة الرسوبية لتملأ بها الفراغات الدقيقة جداً الموجودة في هذه العظام فتزيدها صلابة، بمرور السنين.. ملايين السنين.

أما الطريقة الثانية فتحصل عندما يتحلل الكائن العضوي وكل ما فيه داخل مدفنه الرسوبي، ولا يبقى منه شيئاً غير الفراغ الذي تركه شكله، أي القالب. وهذا القالب الفارغ يبدأ بمرور الوقت بتخزين المعادن التي تنقلها إليه المياه. وعندما يمتلئ تماماً تكون عملية صبّ شكل الكائن الميت قد انتهت، ولكن من مواد لا تمت إلى حقيقته بصلة، ومقاومة لعوامل الزمن حتى بمقاييسه الجيولوجية.

———————————————

جول فيرن

ولد هذا الروائي الفرنسي في شهر فبراير من العام 1828م، وتوفي في مارس من العام 1905م. أي أنه عايش النهضة العلمية التي تفجّرت في كل الميادين خلال القرن التاسع عشر، وأيضاً أكبر حشد من الروائيين العظام وعمالقة الأدب الذين حفل بهم القرن التاسع عشر في فرنسا وأوروبا بأسرها.

ومن تزاوج الاهتمامين الطاغيين آنذاك بالعلم من جهة والأدب من جهة أخرى، كتب جول فيرن نحو ثمانين رواية أو قصة طويلة. وكانت “رحلة إلى باطن الأرض” (1865م) ثاني هذه الروايات من حيث التسلسل الزمني بعد رواية “خمسة أسابيع في المنطاد”.

حظيت أعمال جول فيرن في حياته بشهرة هائلة على مستوى العامة، وجنى من أعماله ثروة كبيرة أمّنت له حياة رغيدة حتى آخر لحظة. أما النقاد فقد انتقدوا في البدء أسلوبه الأدبي ولغته، وخلو رواياته من القيم الإنسانية العميقة، وابتعادها عن الاهتمامات المعاشة يومياً في أوروبا آنذاك. (مقارنة مع ستاندال وبلارك وهوغو في فرنسا، وتشارلز ديكنز في بريطانيا، وتولستوي ودستويف في روسيا).

وبمرور الوقت، برز جانب “الحقائق العلمية” التي تزخر بها هذه الروايات ليعوض عليها ما خسرته على الصعيد الأدبي. وحظي هذا الجانب باهتمام وصل إلى المبالغة والزعم أن الكاتب يمتلك قدرات غير عادية على استباق الاكتشافات وتوقعها.. والصحيح هو القول أن هذا الروائي كان يتمتع بحساسية فائقة تجاه أخبار العلم والاكتشافات التي كان يسجلها آنذاك، وأيضاً النظريات التي كانت غزيرة جداً آنذاك في شتّى المجالات العلمية. ومن هذا المحيط الغني بالمعلومات غير الشائعة، وبحساسية الأديب عرف جول فيرن كيف يلتقط مادته ويصيغها في ما شكّل فعلاً طليعة أدب الخيال العلمي في العصر الحديث.

——————————————————————

من العصر إلى الدهر..
الزمن جيولوجياً

اعتاد الناس قياس الزمن في حياتهم اليومية بالساعات والأيام. أما كتب التاريخ فتتحدث عن الزمن بالسنوات والقرون. وحتى في هذا المجال، يصعب على الإنسان أن يقدّر في ذهنه بوضوح طول قرن كامل أو قرنين.. فبالنسبة إلى البعض، يعتبر الشيء الذي يعود صنعه إلى ما قبل 90 سنة “قديماً”، والأشياء التي تعود إلى بضع مئات من السنين “أثرية” أو قديمة جداً.

في علوم الأرض، يُقاس الزمن بملايين وبلايين السنين. ومن الممكن في لغة هذا العلم أن توصف صخرة تشكّلت قبل عشرة ملايين سنة بأنها “حديثة”.. ولهذا، غالباً ما ننسى مقاييس الزمن عند الحديث عن الأرض وتاريخها.

ولكن ماذا لو ضغطنا 4.6 بليون سنة – وهو عمر الأرض – في سنة افتراضية واحدة تبدأ في 1 يناير وتنتهي في 31 ديسمبر. فما الذي حصل ومتى؟

على هذا السلم المصغّر، تعود أقدم صخرة نعرفها إلى منتصف شهر مارس. وظهر أول الكائنات الحية في البحر أولاً قرابة منتصف شهر مايو. أما النباتات المتنوعة والحيوانات فلم تظهر قبل أواخر شهر نوفمبر.
في الأيام الأربعة الأولى من شهر ديسمبر بدأت مسيرة تكدس المواد العضوية في قاع المحيطات لتشكّل بعض أنواع الوقود الأحفوري مثل الزيت والغاز.
وفي منتصف هذا الشهر أصبحت الديناصورات سائدة أينما كان، ولكنها انقرضت تماماً في السادس والعشرين منه.
أما الإنسان فقد ولد في وقت ما قرابة عصر يوم 31 ديسمبر. ويعود آخر عصر جليدي اكتسح الأرض إلى دقيقة و 15 ثانية قبل منتصف ليل 31 ديسمبر. وقامت الإمبراطورية الرومانية وسيطرت على العالم الغربي وحوض المتوسط لمدة خمس ثوان بدءاً من الساعة 11 والدقيقة 59 والثانية 45. واكتشف كولومبوس أمريكا قبيل منتصف الليل بنحو ثلاث ثوان، ووضع جيمس هاتون أسس علم الجيولوجيا قبل نحو ثانية واحدة من منتصف الليل، وتم توحيد المملكة العربية السعودية في الثلث الأخير من الثانية الأخيرة من هذه السنة الافتراضية.
إلى ذلك، فإن للحديث عن تاريخ الأرض مفردات خاصة لا يجوز الخلط بينها. وعلى سبيل المثال، كلنا سمعنا بالعصر الجوراسي أو العصر الطباشيري وما شابه.. والعصر هو في الواقع مرحلة محدودة وصغيرة، حتى ولو امتد إلى عشرات ملايين السنين. وكل مجموعة عصور تؤلف حقبة، فالعصر الترياسي مثلاً يؤلف مع الجوراسي والطباشيري حقبة واحدة امتدت منذ 248 مليون سنة ق.م. حتى 65 مليون سنة ق.م. ومجموع بعض الحقب يؤلف دهراً.
والتاريخ الذي طاله الإنسان بحثاً وتخميناً ينقسم إلى دهرين: دهر الحياة الظاهرة وهو الذي يمتد من يومنا الحاضر رجوعاً حتى 550 مليون سنة خلت، والدهر الفجري أو دهر ما قبل الكمبري أو الدهر العتيق، وهو الذي يشمل كل الزمن السابق ولا يزال مجهول الملامح عموماً ولم يقسّم إلى عصور وحقب.

———————————————————

المسح الزلزالي

تعود معرفتنا بباطن الأرض إلى مصادر ووسائل عدة. منها الحفريات التي تطال مئات الأمتار الأولى، وما تحمله إلينا البراكين من غازات ومواد صلبة تنير بعد دراستها ظلمات الأعماق حتى 200 كيلومتر تقريباً. وأيضاً هناك النيازك التي تهبط من الفضاء وتشير بتركيبتها الكيميائية إلى مادة الأرض كما كانت في الدهر العتيق. غير أننا ندين بمعظم ما نعرفه عن باطن الأرض إلى المسح الزلزالي.

التعبير يبدو علمياً يصعب فهمه، ولكن مبدأه بسيط يعرف الجميع ما يشبهه. فعندما يقوم البعض بشراء ثمرة بطيخ، نراه يقرع قشرتها بعقدة إصبعه ليسمع الصدى الداخلي الذي يشير إلى ما إذا كان لبّ الثمرة صلباً، أم طرياً فيه ماء كثير نتيجة النضوج.

المسح الزلزالي يشبه ذلك تماماً. فهو يقوم على دراسة باطن الأرض من خلال الموجات الصوتية وارتداداتها. فالصوت ينتقل بسرعات مختلفة ما بين الهواء والأجسام الصلبة والسوائل. ومن خلال إطلاق موجة اهتزازات صوتية ورصد مسيرتها وارتداداتها بواسطة أجهزة لاقطة وحساسة، يمكن وضع تصور لنوعية المواد التي عبرتها هذه الموجات في الأعماق. ويمكن لأجهزة الكومبيوتر المعالجة أن تقدم صورة لهذه الأعماق تشبه تصوير ما في داخل جسم الإنسان بواسطة أشعة إكس. وهذه الموجات الصوتية يمكن إطلاقها بواسطة جهاز خاص هو عبارة عن شاحنة تحمل ثقلاً كبيراً تضرب به الأرض. ومع ذلك يقتصر مجال عمل هذه الأجهزة على نطاقات محلية وأعماق لا تتجاوز بضعة كيلومترات. أما لدراسة باطن الأرض وصولاً إلى اللب، فالاعتماد يقوم على رصد الموجات الصوتية للزلازل الطبيعية والتفجيرات النووية. والنتائج العلمية المحصودة من هذه “الكوارث” مدهشة في دقتها.

وعلى سبيل المثال، بعدما كانت النظريات تقدر شعاع اللب الصلب في باطن الأرض بما يزيد قليلاً على ألفي كيلومتر، استفاد العلماء من التحديد الدقيق للحظة تفجير نووي في صحراء نيفادا بأمريكا سنة 1960م، ورصدوا حركة الموجات الصوتية في باطن الأرض، وبعد تحليل معطياتها توصلوا إلى تحديد شعاع اللب الصلب بدقة مذهلة: 1,216 كيلومتراً فقط.

أرسطو وباطن الأرض

تعود أولى الكتابات التي وصلت إلينا حول باطن الأرض إلى الحضارة اليونانية، وتحديداً إلى ما قبل 2300 سنة.

ومن أشهر الروّاد في هذا المجال نذكر أرسطو الذي يعتبر واحداً من ألمع فلاسفة اليونان. غير أن كتابات هذا الفيلسوف التي تناولت باطن الأرض بقيت وليدة خيال مجنّح وتكهنات، ولم تكن نتيجة المراقبة والاختبار أو الدراسة العلمية.

يقول أرسطو إن الصخور تشكلت بفعل “تأثير” من النجوم! وإن الزلازل تحدث عندما ترتفع حرارة الهواء المضغوط في باطن الأرض بفعل الحرارة المركزية، فينفجر!! وعندما حمل إليه أحدهم سمكة متحجرة، فسّر غموض المسألة بقوله: “إن هناك أسماكاً كثيرة تعيش (كذا) في باطن الأرض من دون حركة، ويتم العثور عليها خلال الحفريات”!!

ومع أن هذه التفسيرات كانت “مهمة” في ذلك العصر لأنها تمثل بدايات سعي الإنسان إلى التفكير علمياً بباطن الأرض وظواهره، فإن مشكلتها تكمن في اعتمادها كحقائق علمية طوال قرون عديدة. وفي هذا المجال يقول فرانك أدامس في كتابه “نشوء الجيولوجيا وتطورها” إن أرسطو ظلّ طوال القرون الوسطى أهم فيلسوف من دون منازع، والشخص الذي يُعتبر رأيه حول أي شأن حقيقة نهائية لا تقبل النقاش!

————————————————————————

جول فيرن الثاني
في المقاييس الجيولوجية تتحدى الأرقام ليس قدرات الإنسان فقط بل خياله أيضاً. ولأن الرحلة إلى باطن الأرض لا يمكن أن تنتهي في مكان محدد، نكتفي بهذا القدر، ونخرج مع رفاقنا إلى سطحها عبر فوهة بركان سترومبولي في إيطاليا.

وعلى ضوء سطح الأرض نقرأ في مجلة علمية صدرت في أغسطس من العام الماضي، مقالاً حول حقيقة ما يحتويه لبّ الأرض. وأغرب ما جاء في المقال المذكور أن عالماً يدعى دايفيد ستيفنسون من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا وضع تصوراً لإرسال مسبار إلى منتصف لب الأرض.

يقوم التصور المدعوم “بالحسابات الدقيقة” على حفر صدع أرضي كبير، توضع فيه نقطة عملاقة من الحديد المنصهر لا يجب أن يقل وزنها عن مئة ألف طن، وبعد ذلك يُرمى في داخلها المسبار الذي لا يزيد حجمه على البرتقالة. وبفعل الجاذبية ستغور “نقطة” الحديد مفتتة الصخور في طريقها إلى باطن الأرض حاملة المسبار بعد أسبوع..

بعبارة أخرى.. ها هو جول فيرن آخر يضرب ضربته.. وبخيال أوسع من خيال الأول.

——————————————————

اقرأ عن باطن الأرض
إذا استثنينا الكتب الجامعية الموجهة إلى الاختصاصيين في الجيولوجيا، لم تقع أيدينا على كتب تتناول مجمل ما في باطن الأرض وتقتصر عليه فقط في الوقت نفسه.

ولكن المكتبات العربية والأجنبية غنية بطائفتين مختلفتين من كتب التثقيف العام في هذا المجال. الأولى، وتضم العناوين المتعلقة بكوكب الأرض ككل، بما في باطنه وما على سطحه وصولاً إلى الطبقات الجوية العليا. وغالباً ما تتخذ هذه الكتب شكلاً موسوعياً فتفرد لكل موضوع فصلاً صغيراً. ومن أفضلها كتاب “الأرض – مدخل إلى الجيولوجيا الفيزيائية” وهو باللغة الإنجليزية من تأليف ادوارد تاربوك وفردريك لوتجينز، صدرت طبعته الخامسة في العام 1996م عن دار “برنتيس هول” في أمريكا. الأمر نفسه ينطبق على “موسوعة الأرض”، وهو بالإنجليزية أيضاً أصدرته دار دورلينغ كيندرسلي في لندن سنة 1998م.

وفي المكتبة العربية يمكننا أن نجد عناوين عديدة مماثلة، من أشهرها كتاب “الأرض” الذي أصدرته مكتبة لبنان في بيروت في إطار سلسلتها العلمية “موسوعة المشاهدة العيانية”، وهو يتناول كل ما في باطن الأرض وما عليها من خلال الصور الفوتوغرافية والرسوم البيانية الموضحة.

أما الطائفة الثانية من هذه الكتب فهي التي تتناول موضوعاً واحداً أو مادة واحدة من مواضيع باطن الأرض وموادها، وهي كثيرة إلى درجة يستحيل إحصاؤها: البراكين، الزلازل، الكهوف، الأحافير، المعادن، الحجارة الكريمة… فلكل من هذه المواضيع عدة كتب متوافرة في المكتبات العربية. ونشير على سبيل المثال وليس الحصر إلى واحد من أجملها، ألا وهو “الكهوف الصحراوية في المملكة العربية السعودية” الذي أعده المستكشف والمصور جون بِنْت، ونشرته هيئة المساحة الجيولوجية السعودية. ويتضمن هذا الكتاب الذي يقع في نحو 120 صفحة من القطع الكبير رحلات مصورّة إلى نحو عشرة كهوف في المملكة، ذات جمال أخاذ ترغّب القارئ في استكشاف المزيد، ومتابعة رحلته إلى الأعماق.

أضف تعليق

التعليقات