ملف العدد

تُسلّي، تُضحك، تُثري.. وقد تُؤذي
القصص المصورة

  • 87 - Copy
  • 88a - Copy
  • 88b-(snoopy) - Copy
  • 88c - Copy
  • 89 - Copy
  • 90a - Copy
  • 90b1 - Copy
  • 90b2+ - Copy
  • 91a - Copy
  • 91b - Copy
  • 91c - Copy
  • 91d - Copy
  • 91e - Copy
  • 92a - Copy
  • 92b - Copy
  • 92c - Copy
  • 93a - Copy
  • 93b - Copy
  • 93c - Copy
  • 93d - Copy
  • 94a - Copy
  • 94b - Copy
  • 94c - Copy
  • 94d - Copy
  • 95a - Copy
  • 95b - Copy
  • 95c - Copy
  • 96-97+ - Copy
  • 96a - Copy
  • 96b - Copy
  • 96c - Copy
  • 96d - Copy
  • 97a - Copy
  • 97b - Copy
  • 98 - Copy
  • 99a - Copy
  • 99b - Copy
  • 99c - Copy
  • 99d - Copy
  • 99e - Copy
  • 100a - Copy
  • 100b - Copy
  • 101-(hulk1) - Copy
  • 102a-(zako) - Copy
  • 102b - Copy
  • 102c - Copy

تُضحك الناس، تُثير دهشتهم وحماستهم، تُمكنّهم من السخرية مما يجرح كبرياءهم.. وتنتقم لهم بواسطة أبطالها الذين لا يُقهرون أبداً.
إنها القصص المصوّرة.. “الكارتون” كما تجري الكلمة على ألسنة الناس، هذه الظاهرة الثقافية التي اكتسحت العالم في القرن العشرين، وكانت في معظم الأحيان مرآة صادقة تعكس خفايا النفس الإنسانية وأمانيها وتطلعاتها من خلال تلك “الفقاقيع” التي تعلو رؤوس أبطالها، وتتضمن أقوالهم وأفكارهم.
الباحثة جوسلين حداد الدبس تأخذنا في هذا الملف في جولة على هذه القصص بدءاً بنشأتها وتاريخها الطويل في أمريكا وأوروبا والبلاد العربية، وصولاً إلى آثارها المثيرة
للجدل على الصغار.. والكبار أيضاً.

تعود جذور القصص المصورة إلى فترة غائرة في عمق التاريخ، قد تكون بدايتها مع الإنسان القديم الذي رسم الحيوانات والأشخاص على جدران الكهوف، وتمتد إلى الحضارات القديمة والعريقة، لا سيما الفرعونية والعربية.. وصولاً إلى عصر الطباعة الذي بدأ مع غوتنبرغ.

حفظ لنا التاريخ سنة وفاة رسام القصص المصورة السويسري جودوكوس أمّان 1591م، من دون أن يذكر أعماله التي لم يصلنا منها شيء. أما أول قصة مصورّة في الغرب، فقد رأت النور عام 1754م في صحيفة “بنسلفانيا غازيت” في أمريكا، تحت عنوان “إتحد أو مت”، وكانت عبارة عن تعليق على تفكك المستعمرات البريطانية، فأظهرت ثعباناً مُقطعاً إلى ثماني قطع، تحمل كل منها اختصاراً لاسم مستعمرة بريطانية.

ومن يومها بدأت القصص المصوّرة ترى النور بخجل، متكلة على مواهب حفنة من الفنانين للتعليق بشكل طريف على وضع سياسي أو اجتماعي معين. وراحت الفكرة تنضج مع بدايات القرن التاسع عشر الميلادي، حتى طُبع أول كتاب يتضمن قصصاً مصورة عام 1820م في هادسون – نيويورك، وكان بطل هذا الكتاب “دبّور”، ابتكره روبرت روستيكوت.

من السياسة إلى.. كل شيء
سجلت القصص المصورة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر نقلة نوعية، إذ خاضت الميدان السياسي من بابه العريض، خاصة بعد اعتماد الحزب الجمهوري رمزاً له صورة الفيل التي ابتكرها توماس ناست عام 1874م. وبعد ذلك بسنة واحدة رأت النور أول قصة مصورة بمفهومها المعاصر، واحتلت 17 مربعاً متتالياً على صفحة كاملة من صحيفة نيويورك دايلي غرافيكس.

وكرّت سبحة الأبطال المُبتَكرين مع إطلالة القرن العشرين الذي صار غنياً بالرسامين المبدعين الذين استفادوا إلى أقصى حد ممكن من تطور التقنيات الطباعية، ومن ثم البث التلفزيوني والسينمائي، فالرقمي في الفيديو وغيره.

وما أن حلّ منتصف القرن، حتى صارت كل سنة تشهد ولادة بطل جديد لقصة مصورة تنال حصتها من الشهرة. فكانت صحف عديدة في مقاطعات أمريكية مختلفة تنشر القصة نفسها في الوقت ذاته. فمغامرات البطل “Dennis the Menace” مثلاً كانت تنشر عام 1951م في 18 صحيفة يومية أمريكية في وقت واحد.

كان من الطبيعي في هذه الحال أن تطمح القصص المصورّة إلى الاستقلال عن الصحف اليومية، وإلى أن تكون لها مجلداتها الخاصة. وهكذا ولدت مجلة “Peanuts” التي ابتكرها شارلز شولتز في أوائل عام 1952م، وأصبحت بسرعة أشهر المجلات الترفيهية في التاريخ الإعلامي الأمريكي، حتى أن أبطال هذه المجلة احتلوا أغلفة أشهر المجلات وأكثرها جدية مثل غلاف مجلة “تايم” (1965م)، و”لايف” (1967م)، و”نيويورك” (1971م).

أصبحت القصص المصورّة جزءاً أساسياً من نسيج الثقافة الأمريكية خلال القرن العشرين. ولعل قيام الفنان روي ليختنشاين، بطل تيار “البوب آرت” في الفن التشكيلي الأمريكي، باستيحاء أسلوب رسم القصص المصورة في إنتاج لوحاته الزيتية، ما هو إلا إقرار بأهمية هذا الفن الجديد وبدوره الكبير في الحياة الثقافية ككل.

فاق جمهور قرّاء القصص المصورّة القرّاء الآخرين حتى أن متابعي كل منها تعدوا الستين مليوناً. وإضافة إلى أن معظم بلدان العالم راحت تبتكر أبطالها الخاصين بها وتصدر مجلاتها المحلية، حظيت بعض القصص المصورّة برواج هائل دفع إلى ترجمتها ونشرها بلغات أخرى بدءاً من ستينيات القرن الماضي، ومنها على سبيل المثال، مما نعرف، مجلات “سوبرمان”، “الوطواط”، “لولو”، “الرجل العنكبوت”… التي كانت تترجم إلى العربية وتطبع في بيروت.

واليوم، لا يزال جمهور القصص المصورة ينمو ويكبر حتى بعدما احتل التلفزيون والكومبيوتر حيّزاً مهماً من اهتمام الصغار، لأن منتجيها عمدوا بذكاء إلى إدراجها ضمن برامج الأول، والألعاب الإلكترونية في الثاني.

الولد الأصفر..
يطلق القصص الأمريكية
كان الهدف من القصص المصورّة في أمريكا في أواخر القرن التاسع عشر هو جذب القرّاء إلى طبعات يوم الأحد من الصحف المحلية.

وقد ولد هذا النوع من القصص على أيدي خمسة روّاد أساسيين هم: ريتشارد أوتكولت، وليم راندولف هيرست، جوزف بوليتزر، جيمس سونيرتون ورود ولف ديركس.

تولى ريتشارد أوكولت مهمة الرسم في فريق جوزف بوليتزر عام 1895م، وابتكر صورة صبي متواضع يرتدي عباءة. ثم بدأ واضعو الكليشيه الطباعي اختبار الحجر الملون، وأضافوا الأصفر إلى العباءة بعد أن كانت السلسلة قد بدأت بالأبيض والأسود. فسمّي الصبي بـ “الولد الأصفر”.

بقيت القصص المصورة فكاهية خلال العقود الثلاثة الأولى من عمرها. إلا أن رودي كران ابتكر قصة “واشنطن تيوليس – 2” في عام 1924م، وتدور أحداثها حول شخصية مراهق يحمل الاسم نفسه. فكانت أولى قصص المغامرات.

عرف النوع الجديد من قصص المغامرات تطوراً سريعاً على يدي ادغار رايس بوروس الذي كتب قصة عالم خيالي نشرت في مجلات القصص المصورة بعنوان “على ضوء قمر آذار”، كما أطلق بوروس أيضاً قصة طرزان، الشخصية الأسطورية التي سنعود إليها بالتفصيل لاحقاً.

في عام 1929م، ظهرت قصة بعنوان “باك روجرز”، وبطلها طيار حربي أمريكي يحذر من أن الجيش المغولي سيجتاح أمريكا، فينطلق في حرب “أخلاقية” ضده. بعد ذلك بسنتين، ظهر “ديك تريسي” رجل الشرطة الذي لا يرقى الشك إلى سلوكه ويتمكن دائماً من القبض على المتهمين، وتحول بسرعة إلى الشخصية الأكثر شعبية في تاريخ القصص المصورة.

“فلاش غوردن” ينقذ الأرض
في عام 1932م أطلق روي كران الشريط المصور “كابتن إيزي” الذي كان يُنشر في صحف السبت. وبعد سنتين فقط، ظهرت شخصية جديدة في عالم القصص المصورة تمثلت بـ “فلاش غوردن”، وهو مجرد لاعب كرة قدم يحاول إنقاذ الأرض من نيزك ضخم يندفع نحوها. وفي عام 1933م كان الناشرون في مطبعة “إيسترن كولور” قرروا الاستفادة بشكل أفضل من معدات المطبعة التي تبقى من دون عمل بين كتاب وآخر. من هنا ولدت فكرة طبع ثماني صفحات قصصاً مصورة، فكانت النتيجة ظهور أول كتاب عصري في هذا المجال.

وزِّع هذا الكتاب الاختباري مجاناً، بعدما تضمن إعادة نشر القصص المصورة المنشورة في الصحف والذي أطلق عليه اسم “عرض القصص المصورة”، وأثبت أنه في الإمكان تسويق قصص مصورة منشورة سابقاً. وفي السنة التالية نشرت “إيسترن كولور” القصص المصورة الشهيرة يشجعها النجاح الذي حققه الكتاب، وبدأت تعيد شهرياً طبع قصص مصورة قديمة، الأمر الذي أثار حماسة باقي الناشرين المتلهفين لجني أرباح. وانضم إلى هذه المجموعة ناشر “ناشونال بيرياديكالس”، الذي لم يكتف بإعادة نشر قصص منشورة سابقاً، بل قدم شخصيات جديدة، وكان المثال الأول لكتب القصص المصورة الحديثة.

ولادة صعبة لسوبرمان
وفي كليفلاند تجرأ المراهقان جيري سيغل وجوزف شوستر اللذان تأثرا بقصص “المصارع”، الإنسان القوي، على كتابة قصص مصورة بعنوان “رجل متروبوليس الخارق” ونشراها في مجلة “العلم الخرافي”. واقتنع الناشر دوننفيلد، الذي كان دائم البحث عن أفكار جديدة، بموهبتهما ورأى فيهما منجم ذهب، ومن هذا التلاقي ولدت قصة “سوبرمان” البطل الخارق الذي سرعان ما حقق نجاحاً باهراً. وفتح باب الأبطال على مصراعيه، وانتشر عدد كبير من الأبطال الخارقين، ومعهم ازدهرت كتب القصص المصورة ووصل الحجم الشهري لمبيعات بعضها إلى نحو 500 ألف نسخة، الأمر الذي أدى إلى ابتكار المزيد من الأبطال الخارقين من أمثال “الوطواط” وصديقه “روبن” اللذين نُشرت قصصهما في الصحف اليومية منذ عام 1944م، وصار القرّاء ينتظرون تطوراتها كل يوم.

أبطال لمحاربة النازية
في نهاية الثلاثينيات، كانت القصص المصورة مفعمة بالمغامرات والأساطير الشعبية والخيال، ومليئة بكل أنواع النزوات والبراعة. كان هناك “فلاش غوردن”، وكان هناك الساحر ماندراك الذي يملك القدرة على إطلاق رقية سحرية، وكان أيضاً “طرزان”، الإنسان الخارق الذي استمد قوة من القردة، مكنته من القفز بين الأشجار ومحاربة أقوى الحيوانات في الأدغال. غير أن هذه الشخصيات تمثل قدرات خارقة ليست موجودة في الواقع.

ومع بداية الحرب العالمية الثانية ساهمت هذه القصص في دعم المجهود الحربي، فحاربت كل شخصياتها الخارقة النازية. وأبرزت “كوميك جابيت” على غلافها “كابتن أمريكا” يضرب هتلر على حنكه.

عصر ذهبي للحيوانات الأبطال
إضافة إلى هؤلاء الأبطال ذوي الشكل البشري، شهدت الأربعينيات بزوغ أبطال من نوع آخر: الحيوانات. ففي فبراير 1940م، بثت شركة MGM لأول مرة قصة القط والفأر “توم وجيري” التي صارت في ما بعد تختصر مفهوم القصة المصورة المتلفزة. وفي شهر يوليو من العام نفسه أتبعتها بقصة “باغز باني”.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بدأ العصر الذهبي للأبطال الخارقين بالانحسار، واستمر تقدم قصص الحيوانات مثل المجموعة الكبيرة من الحيوانات التي احتلت قصص وولت ديزني وحققت حجم مبيعات كبير. كذلك ازدهرت قصص الخيال العلمي مع “Planet Comic” التي كانت قد بدأت بالظهور عام 1940م.

إلا أن مؤسسات القصص المصورة كانت بحاجة إلى شيء جديد ومختلف لتتمكن من إنعاش أرباحها، فوجدت ضالتها في قصص الرعب التي لاقت رواجاً بدءاً من عام 1946م.

في تلك السنة والسنة التالية، خرجت فجأة مجموعة كاملة من القصص المبنية على مختلف أشكال العنف والجريمة الواقعية المستوحاة من الغرب الأمريكي، وقصص عن نساء طريدات للعدالة، وجنى ناشروها أرباحاً خيالية. وفي عام 1948م بدأت تظهر أنواع جديدة من القصص مرتكزة إلى العنف.

غير أن كل القصص المصورة كانت ترتكز إلى العمل الفني بدلاً من أن تلعب دوراً تثقيفياً. وما لفت فيها طريقة تصوير الفتيات ولباسهن الفاضح وإظهارهن في ميزات لم تكن مألوفة سابقاً عند النساء من حيث القدرة والتصميم.

الرعب يجني مالاً.. والسخرية أيضاً
وفي الخمسينيات طرأ تغيير جديد على هذه القصص. فقد عانى الناشر وليم غينس من تراجع مبيعات كتب القصص المصورة، وكان يحتاج إلى صيغة جديدة لتحسين الوضع. وبمساعدة الناشر الفنان آل فيلدستين تمكن من إطلاق سلسلة قصص مرتكزة على الرعب، كان أول إصداراتها بعنوان “من سرداب الرعب”. وفي منتصف الخمسينيات كان له في الأسواق عنوانان إضافيان هما: “شبح الخوف” و”وثبة الرعب”، واحتلت هذه القصص الثلاث الصدارة في مجالها.

وبموازاة الرعب، ظهر مذهب جديد في القصص المصورة كانت مجلة “ماد” (مجنون) أبرز معبّر عنه. فقد تميزت هذه المجلة عن غيرها بالتركيز على السخرية من الثقافة الشعبية في أمريكا، عبر سلسلة مختلفة من القصص المصورّة في العدد الواحد، وعرفت ذروة نجاحها خلال الحرب الباردة بسبب الطريقة اللاذعة التي تناولت بها مخاوف الأمريكيين وهواجسهم آنذاك.

أطلق هذه المجلة الفنان هارفي كورتزمان والناشر وليم غاينز عام 1952م، ولأنها كانت خالية من الإعلانات لمدة خمسين سنة، فقد تمتعت بهامش عريض من الحرية في نقد أي شأن أو جهة.

محاولة اجتثاث عنف القصص
بعد الرعب جاء دور العلم الخيالي. ففي منتصف الخمسينيات اندلعت الحرب ضد قصص الرعب، وبذلت محاولات حثيثة لاجتثاثها من الأسواق بسبب تأثيرها السلبي على الأطفال، إذ لوحظ جنوح نحو الانحراف في صفوفهم متأثرين بأبطال قصصهم المفضلة.

وفي تلك الفترة نشرت مجلة “ريدرز دايجست” مقالاً لمحلل نفسي يحمّل القصص المصورة وغيرها من وسائل الإعلام مسؤولية انحراف الشباب. ويرى أن المراهقين باتوا يميلون إلى المخدرات والسرقة والقتل. وكان ذلك بمثابة حكم بالموت على هذا القطاع، إذ كانت نتيجته إحراق كتب مصورة، ورفض أصحاب مكتبات عرضها مكتفين ببيع أشرطة “باغز باني” و”آرسي” و”وولت ديزني”، وحتى “سوبرمان” امتنع البعض عن بيعه.

في عام 1955م كانت مداخيل كل ناشري هذه القصص قد تقلصت بحدة، ومن تمكن منهم من الاستمرار امتنع عن نشرها. وبدا الأمر نهاية العام وكأنه نهاية عصر القصص المصورة، خصوصاً بعدما وضعت سلطة تنظيم هذا القطاع سلسلة محظورات. قلة من الناشرين لم تتأثر بها، فأقفل الصغار منهم، فيما تحول عدد قليل إلى نشر قصص الفكاهة أو إصدار نشرات موجهة إلى العائلة.

عودة “فلاش” الجديدة
بعد هذه الانتكاسة، كان لا بد من ابتكار شيء جديد يسد الفراغ الذي خلفه غياب قصص الرعب. وما لبث يوليوس شوارتز أن أطلق نموذجاً جديداً للبطل الخارق فلاش غوردون، محافظاً على شكله القديم وألوانه الحمراء والصفراء والوجه المقنّع. ثم أطلق بعد ذلك بفترة وجيزة نماذج جديدة لهذا النوع من الأبطال في سلسلة “متحدّو المجهول”. إنهم أربعة أبطال نجوا بأعجوبة من تحطم طائرة. أحدهم عالم، والثاني طيّار والثالث مصارع والرابع مدرب سيرك، تدور مغامراتهم في عالم العلم الخرافي. ومع الظهور الثاني لشخصية “فلاش” وهؤلاء بدأ العصر الثاني للأبطال “الخارقين” وأعيد إطلاق شخصيات قديمة ترتكز على البطولة والعلم الخرافي.

فالثقافة الأمريكية اتبعت هنا أيضاً، وإن لفترة قصيرة، “موضة” تلبية أذواق مئات الملايين من الأشخاص. فعندما نشرت القصص المصورة للمرة الأولى كانت كلها تحتوي على مضمون كوميدي لأسباب عدة، أبرزها اثنان: الأول يكمن في رغبتها في أن تكون وسيلة إعلامية اختبارية بطبعها. والثاني هو أن المغامرين يلزمهم بعض الوقت لإحداث تغيير يسمح لغيرهم القيام بتغييرات أكبر.

من بلجيكا إلى العالم
أما في أوروبا، فقد ارتبط انطلاق الرسوم المتحركة عموماً وبلجيكا خصوصاً بعبقرية الرسامين البلجيكيين الذين ابتكروا أطرف شخصيات هذه القصص وأفضلها على الإطلاق، والتي ظهر أغلبها من خلال مجلة مميزة حملت اسم “جورنال دو سبيرو”. ففي عام 1938م، قرر ناشر شاب يدعى جان دوبوي إطلاق مجلة خاصة بالقصص المصورة تتوجه أساساً إلى الشباب. وابتكر الرسّام روبفيل شخصية “سبيرو” لهذه الغاية. إلا أن المجلة تعثرت في مهدها عندما احتل الألمان بلجيكا في مايو من عام 1940م، فهاجر روبفيل من البلاد، وبقيت المجلة من دون رسّام حتى أتى جوزف جيلان الذي أرسى توجهاً جديداً لها، وابتكر “فانتازيو” الشخصية الثانية التي أضيفت إلى سبيرو. وباتت مغامرات البطلين راسخة في أذهان كل الشبّان من دون استثناء، خصوصاً أنه أرسى أسس مدرسة جديدة في رسم القصص المصورة هي “مدرسة مارسينيل”. ونظراً إلى انتشار المجلة بشكل واسع، طلب جيلان من أندريه فرانكين الانضمام إلى فريق العمل.. فبقي هناك 22 عاماً، يبتكر الشخصية تلو الأخرى والقصة بعد القصة.

وفي عام 1957م، انضم “غاستون لاغاف” إلى العائلة المصورة، وهو أطرفها بمحاولاته العلمية البائسة التي تنقلب دائماً إلى كوارث مضحكة. فبقيت شهرته موجودة حتى عندما غاب عن الأضواء قسراً طوال 14 عاماً، فعاد بألبوم طبعت منه 600 ألف نسخة باللغة الفرنسية فقط.
واحتفلت المجلة بعددها الـثلاثة آلاف في أكتوبر من عام 1995م. ولم يبق مبدعها فرانكين على قيد الحياة ليراها تكمل المسيرة في ما بعد.

تان تان يغزو العالم
وانطلق من بلجيكا أيضاً البطل الصغير “تان تان” الذي رأى النور عام 1929م بريشة مبتكره “هرجيه” المبدع على صفحات جريدة بلجيكية. وبقي هناك حتى سبتمبر من عام 1946م حيث باتت له مجلته الأسبوعية الخاصة “جورنال دو تان تان” التي أرست شهرته العالمية وجعلت كلاً من رفاقه بطلاً على حدة: من الكلب الصغير “ميلو” إلى الكابتن “هادوك” وتعابيره الفظة، فالأخوين دوبون ودوبون الساذجين والبروفسور تورنسول.. كلهم قاسموه شهرته من دون أن ينزعج أو يحتجّ على الوضع، فكفاه فخراً التمثال الكبير الذي شيّدته العاصمة البلجيكية بروكسيل على شرفه.

ومع انتشار مجلة “جورنال دو سبيرو” في أوروبا ومن ثم في أمريكا، أدخل أحد رساميها وهو “موريس دو بيفير” شخصية “لاكي لوك” Lucky Luke إلى عالم القصص المصورة في عام 1948م, بعدما كان أمضى 6 أعوام في الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية، وتأثر بقصص “الكاوبوي” هناك.

أراد موريس نقل تراث الغرب الأمريكي بأسلوب ساخر ومضحك، ونجح في إيجاد شخصية ذلك “الكاوبوي” الوحيد الذي لا يرافق أحداً – باستثناء جواده- ويطلق النار أسرع من خياله. كما رغب هذا الفنان بأن تحظى رسومه بأفضل حوار ممكن، فاستعان بغوسيني الذي بقي يتعاون معه حتى وفاته عام 1977م، وأثمر عملهما المشترك مئات آلاف النسخ من كل كتاب من قصص البطل الأميركي. ولما احتفل “لاكي لوك” بعيده الخمسين عام 1996م، كانت مغامراته قد ترجمت إلى معظم لغات العالم، وصولاً إلى اليابانية. وتفرّع عن مغامرات “لاكي لوك” “الإخوة دالتون”، الأشقياء الأغبياء، الذين استقلوا أيضاً في ما بعد في سلسلة خاصة بهم.

وإلى جانب تان تان، ظهرت صدفة في عام 1958م شخصية “الشترومف”، قبيلة برمتها من الأقزام الزرق مع كل عناصرها، ابتكرها الرسام بيار كوليفور لقصة “جوهان وبرلويت”، فنالت استحسان القراء، مما حدا بمبتكرها إلى إطلاقها أوائل الستينيات في سلسلة مستقلة حملت اسمها. ودخلت الرسوم المتحركة المتلفزة في السبعينيات بعدما عمّت كل أوروبا وسلبت قلوب قرائها الصغار والكبار بفعل شخصية كل فرد منها المميزة وتصرفاته الفريدة.. كما لغة القبيلة بكاملها التي تستعمل فعل “شترومف” بدلاً من الفعل الملائم في الجملة.

أبطال فرنسا
رأت القصص المصورة الفرنسية النور عام 1934م مع الفأر الصغير المحتال “ميكي” في المجلة الأسبوعية “مجلة ميكي”. وما أن أسرت مغامرات الفأر المحبب قلوب القرّاء الصغار، حتى تشجع العديد من الناشرين الفرنسيين على طبع عدد آخر من القصص المصورة الأمريكية… التي عادت عندهم إلى الأبيض والأسود بسبب نقص الألوان في فترات الحرب العالمية الثانية.

حاول الناشرون الفرنسيون متابعة مغامرات الأبطال الأمريكيين عن كثب عبر استقدام القصص المصورة فور نشرها هناك، إلا أن سوء الاتصالات في تلك الفترة كان يحول دون وصولها بشكل منتظم.

وصادف في تلك الفترة ظهور رسامين خارجين على القاعدة في مدينة ليون هما: بيار موشو ومارسيل نافارو اللذان عشقا القصص المصورة وبدآ بإصدار مجلة خاصة بها باللونين الأبيض والأسود، لكن بشكل غير متقن أبداً… مما ربطها فوراً بالطبقات الاجتماعية الفقيرة وأبعدها عن القراء الارستقراطيين.

ومع نمو هذه المجلة وظهور القصص المصورة في صفحات مجلات أكثر، بدأت القرصنة تطل برأسها في كل أنحاء فرنسا… كما عانى بعضها من الانفلات الأخلاقي في رسم هذه القصص وحواراتها بفعل انعدام الرقابة الحكومية، مما حتّم وضع قانون للرقابة، وآخر لحماية حقوق الرسامين، صدرا عام 1949م، ولا يزال القانون الثاني ساري المفعول حتى اليوم.

ولم تكد الخمسينيات تطل برأسها حتى انتشرت في فرنسا الدعاية المعادية للثقافة الأمريكية التي أدت إلى إقفال مجلة “مغامرات ميكي” عام 1952م، فانتقل “ثقل” القصص المصورة إلى بلجيكا القريبة، حيث كانت تقنية الألوان والرسوم في حال أفضل بكثير من باريس. وتوجه قسم منها إلى البنات وآخر إلى الصبيان… والقسمان للصغار الذين لم يتعدوا سن المراهقة.

لم يتحسن الوضع في فرنسا إلا مع بدء الستينيات حين بدأ مارسيل نافارو نشر قصص مصورة عن “سوبر أبطال” أثاروا الذعر في صفوف علماء الاجتماع والقيمين على التربية، بسبب تضمن مغامراتهم مقداراً كبيراً من العنف الذي كان أحياناً كثيرة غير مبرر. لذا، نشطت الرقابة بشكل ملفت في تلك الفترة حاذفة مقاطع كاملة منها.

وفي تلك الفترة أيضاً، لمع نجم رينيه غوسيني، “منفذ” هذه القصص الآتي من الولايات المتحدة الأمريكية: فرنسي يعشقها ويحترم حقاً ما تعنيه. عاش في الأرجنتين ومن ثم في نيويورك حيث عمل في التجارة قبل أن ينتقل إلى استوديو للرسم. كان غوسيني قد عمل مع الفريق الذي أسس مجلة “ماد” أو “المجنون” بالإنجليزية. التقى موريس وساعده في سيناريو “لاكي لوك” قبل أن يعود إلى أوروبا ليعمل في وكالة “World Press” حيث التقى لأول مرة إلبير أودرزو، فتعاون معه وابتكرا أطرف الشخصيات في القصص المصورة.

لم يكتف غوسيني بتعاونه مع أودرزو بل كتب سيناريوهات قصص كثيرة لرسامين معروفين آخرين. وفي عام 1959م، ابتسم الحظ له بعدما أسس مع أودرزو وجان ميشال شارليه مجلة “Pilote” الفكاهية للقصص المصورة التي نالت شهرة كبيرة. وعلى الرغم من أنها أساساً لمن هم دون الخامسة والعشرين كان الآباء يسرقونها من أولادهم لقراءتها.

أستيريكس في مصر
ومع شهرة المجلة، توالت شخصيات القصص المصورة فيها وصولاً إلى “أستيريكس” (Astérix) عام 1961م. وأبطال السلسلة الجديدة هم سكان قرية غالية يقاومون الاحتلال الروماني لبلادهم.

بدأت القصة تلو الأخرى تنال الاهتمام الشعبي الذي تستحق… حتى كان الانفجار الكبير بعد أربعة أعوام مع صدور ألبوم “أستيريكس وكليوباترا” الذي جرت مغامراته في مصر، وشكّل قفزة نوعية مهمة بالنسبة إليهما. فارتفعت المبيعات من ستة آلاف إلى أكثر من مليون. وباتت قصص أستيريكس الأشهر في فرنسا. بيع من هذه الألبومات أكثر من 22 مليون نسخة بين العامين 1961 و1974م. وترجمت إلى عشرات اللغات وصولاً إلى النروجية واليابانية والألمانية، حيث طبعت هناك مرات عديدة.

وشهدت السبعينيات ثورة لهذه القصص التي باتت بكل الأشكال والقياسات والألوان والعناوين والإصدارات: أسبوعية أو شهرية، بشكل مجلة أو كتاب، بلونين أو ملونة، بأبطال فرنسيين أو إيطاليين أو إنجليز أو إسبان، مضحكة أو سياسية، دينية أو ثقافية أو فنية أو رياضية… كلها تجد ملايين القراء أينما كان وبسرعة فائقة. فالمطلوب كان السير عكس التيار السائد وتخطي الممنوعات للحصول على الشهرة من دون أي إعلان أو حملة دعائية… فقد كانت السبعينيات فعلاً الفترة الذهبية بالنسبة إلى هذه القصص.

أفول نجمها
مع بدء الثمانينيات، انقلبت الموازين بسرعة تامة: رينيه غوسيني مرض ومات فجأة، تاركاً مكانه شاغراً من أي مبدع يرثه. وكان رئيس الجمهورية الفرنسية الراحل، فرانسوا ميتران كرّمه بالإعلان أن قصصه المصورة هي فن بحد ذاته.

أما المجلات والكتب فباتت تتسابق وتتبارى في نوعية ورقها وأغلفتها وإصداراتها المحدودة بالعدد، وليس أبداً نوعية قصصها المنشورة ورسومها، إلى أن فقدت كل قرائها الذين توجهوا فوراً الى القصص المصورة المتلفزة. وبدأت مجلات القصص المصورة تموت الواحدة تلو الأخرى بعدما انتفت قواعد اللعبة التنافسية الحقيقية التي تُكسبها القرّاء. ولم تسلم منها سوى تلك المدعومة من الدوائر الحكومية التي أبدعت حقاً لأنها لم تتبع قوانين اللعبة التجارية.

وقد شهدت تسعينيات القرن الماضي إغلاق دور نشر وشراء دور أخرى بحجة “أن القصص المصورة لا تجني مالاً”. وبدأت بعدها القصص المصورة الأوروبية تغزو الأسواق الفرنسية: “تيتوف” من سويسرا الذي انطلق من المجلة ليتحول بطلاً في الألعاب وأفلام الفيديو والإعلانات والقصص المتلفزة، و”كيد بادل” من بلجيكا على الطريق الناجحة نفسها… اقتصادياً طبعاً.

وعند العرب أيضاً
أولت الحضارة العربية اهتماماً فائقاً لفنون الخط وصناعة المخطوطات وتزيينها بالرسوم، خاصة بعد إتقان صناعة الورق التي أخذها العرب عن الصين ونشروها لاحقاً في أوروبا والعالم بأسره.

لذا، لم يكن مستغرباً أن يقاوم العرب الطباعة الآلية التي حرمتهم من متعة التفاعل فنياً مع الكتاب في القرن الخامس عشر الميلادي. فتمت طباعة الكتب العربية الأولى في إيطاليا قبل أن تدخل آلات الطباعة الثلاث الأولى العالم العربي عبر لبنان وسوريا في الأعوام 1610 و1706 و1711م. أما مصر فلم تعرف الطباعة الآلية إلا بشكل عابر عام 1798م خلال الحملة الفرنسية على البلاد، إذ إن فرنسا أعادت معها الآلة الطابعة مع انسحاب جيوشها. وانتظرت القاهرة حتى عام 1822م ليفتتح والي مصر محمد علي مطبعة بولاق التي نشرت خلال السنوات العشرين الأولى من عمرها المهني 243 كتاباً. ولم تطبع أي كتاب للأولاد إلا عام 1870م، حين نشرت “روضة المدارس” بإشراف رفاعة الطهطاوي وهي مجلة قصصية خالية من الرسوم. ولكن بعد سبع سنوات فقط صدرت مجلة “السمير الصغير” عن جمعية التأليف العلمية التي عرّفت عنها بعبارة “مجلة علمية تهذيبية تصويرية”، وتضمنت رسوماً عربية بتوقيع عربي وأخرى مأخوذة عن مجلات أجنبية.

ثم أصدرت دار المعارف عام 1912م الكتب العربية الأولى المصورة للأطفال المطبوعة بلونين، وحملت عناوين: “القطيطات العزاز” و”زوزو وفوفو” و”عند الفلاحين” و”البنت الحمراء”. إلا أن وتيرة صدور هذه الكتب خفّت تدريجاً لصالح المجلات المصورة والكتب الحكومية.

في عام 1923م، صدرت مجلة مصورة للأطفال باسم “الأولاد” نالت شهرة واسعة بفضل قصصها الصغيرة الواردة بشكل شرائط، وكان بعضها مقتبساً ومعرّباً من أعمال أوروبية وأميركية. كما صدر في الفترة نفسها الكتاب المدرسي “القراءة الرشيدة” الذي وزع في المدارس الرسمية.

بقيت النهضة الأدبية في مصر محرّكاً لصدور الكثير من الكتب، حتى برز بعد الحرب العالمية الثانية الرسّام المصري حسين بيكار (1913 – 2002م) الذي شكّل مفترقاً مهماً في تاريخ القصص المصورة العربية.

تخرّج بيكار في كلية الفنون الجميلة في القاهرة، قبل أن يسافر إلى المغرب حيث عاد حاملاً مؤونة غنية من الرسوم الهندسية والمعمارية التي أغنت الرسوم التي ألحقها بقصص ألف ليلة وليلة. في عام 1946م أصدرت “دار المعارف” أول كتب بيكار المصورة للأطفال وتحمل عناوين: “علي بابا”، “أبو صير وأبو قير”، “خسرو شاه” وهي عربية بالكامل على عكس المجلات السابقة التي كانت تنقل مضمون الرسوم الغربية وروحها البعيدة عن التراث العربي.

“الفتى العربي” في كل مكان
ولم تكد تمضي 6 أعوام حتى أصدرت الدار نفسها مجلة “سندباد” الأسبوعية المصورة بالألوان. ترأس تحريرها محمد سعيد العريان وأشرف عليها بيكار وشكلت نقلة نوعية في تاريخ المجلات المصورة العربية تاركة أثراً بليغاً في المنحى التصويري لأجيال كاملة من الرسامين في ما بعد.

انفتح رسامو هذه القصص في أوائل الستينيات على مدارس أجنبية جديدة في ميدان رسم كتب الأطفال، ولا سيما منها الكتب الفرنسية والإيطالية والألمانية والأمريكية، ناهيك عن الكتب الواردة من وسط أوروبا وشرقها. وقد برز هذا المنحى في منتصف السبعينيات مع تأسيس “دار الفتى العربي” في بيروت، وهي دار النشر العربية الأولى المتخصصة بكتب الأطفال. فشكلت ملتقى لعدد كبير من الرسامين العرب الذين أتوا من بلدان مختلفة. واختصرت بالتالي النقلة النوعية الثالثة في تاريخ القصة المصورة في العالم العربي.

وفي أقل من عشرة أعوام، انتشر تأثير كتب “دار الفتى العربي” في كل أرجاء المنطقة، مما أدى إلى تأسيس دور نشر عربية أخرى خاصة بالأولاد، كما توسعت أقسام كتب الأولاد في دور أدبية أخرى، خصوصاً بعدما تهافت هؤلاء على شراء هذه المجلات والكتب بغض النظر عن هويتهم وانتمائهم الوطني. وبات هذا النوع من الكتب يحظى بنظرة إيجابية “تجارية”، وضعته في مكانة خاصة بين الكتب الأدبية الأخرى، مما أدخله الدورة الاقتصادية الكاملة: مزيد من الكتب، عدد أكبر من الرسامين، تنوع أكبر في القصص والمجلات، اهتمام تسويقي أكبر وأشمل، فطلب أكبر على الكتب ومزيد منها، وهكذا دواليك… فظهرت دور نشر كثيرة في أرجاء العالم العربي بعدما كانت مقتصرة في السابق على القاهرة وبيروت فقط.

ففي الإمارات العربية المتحدة تصدر اليوم مجلة “ماجد” الأكثر انتشاراً في العالم العربي، إذ تطبع ما بين 150 ألف نسخة و175 ألفاً أسبوعياً. كما أن تونس تلعب دوراً مماثلاً في ميدان المجلات المصورة للأولاد، إذ تأتي في المرتبة الثانية بعد القاهرة، خصوصاً أنها توجه مجلاتها إلى القسم الشمالي من أفريقيا بأسره.

أما في المملكة العربية السعودية، فتلاقي مجلة “باسم” التي تتوجه إلى الأولاد بين سن الثامنة والخامسة عشرة رواجاً كبيراً، وهي تعرض شرائط فكاهية قصيرة وقصصاً صغيرة وألعاباً تربوية مسلية، فتطبع ما يقارب 35219 نسخة أسبوعياً تبيعها في المملكة وفي دول الخليج وشرق أفريقيا وشمالها وأوروبا.

وبشكل عام، تحولت الشرائط المصورة العربية إلى مادة جذّابة للأولاد، ويقدّر مجموعها بمليونين و600 ألف نسخة سنوياً، توزع في 17 بلداً عربياً ويقرأها نحو 270 ألف عربي.

قصص الأولاد لأهداف سياسية
أما في أفريقيا، فتحولت القصص الفكاهية الخاصة بالأولاد إلى مادة ملائمة لنشر التوعية الطبية والديمقراطية والبيئية. وقد استوحى عدد من الرسامين والكتّاب الأفارقة القصص المصورة التي واكبت الحربين العالميتين الأولى والثانية ليؤسسوا الدار الأولى لنشر القصص المصورة الفكاهية في جنوب أفريقيا. وتعاون هؤلاء أخيراً مع وزارات الصحة والبيئة والتربية والدفاع المدني والمجلس النيابي من أجل نشر التوعية ضد مرض “الإيدز” وغيره من الأمراض والشؤون الاجتماعية، وعلى رأسها وجوب تلقيح الماشية وعدم استهلاك النافق منها. وفي الموزامبيق، دعمت الولايات المتحدة الأميركية برنامج توعية ضد وجود الألغام ووجوب تفاديها عبر كتب القصص المصورة.

كما أن هذه الرسوم تستعمل في الصومال من أجل توعية الأهل للاهتمام بتلقيح أولادهم. وفي أعقاب انتشار وباء الكوليرا، طُبعَ في عام 1994م أكثر من 500 ألف نسخة من المنشورات المصورة لإرشاد الأهل إلى كيفية تفادي هذا المرض. كما نشرت اليونيسيف 20 الف نسخة من مجلة “وقائع الحياة” تبيّن يوميات أب وأم صوماليين يواجهان مشاكل صحية مع أولادهما وكيفية معالجتها.

وفي الإطار التثقيفي للقصص المصورة، تضمن كتاب “التاريخ المصوّر للعالم” للكاتب لاري غورنيك التاريخ العالمي في سلسلة من الشرائط المصورة الفكاهية التي تروي حضارات العالم انطلاقاً من الشرق الأوسط ثم غرب أفريقيا والصحراء ووسط آسيا والإمبراطورية البيزنطية والعصور الأوروبية المختلفة…

أبطال الصغار دمويّون
أبطال القصص المصورة في العالم دموّيون… حقيقة اكتشفها علماء الاجتماع والنفس في السنوات العشرين الأخيرة وحاولوا جاهدين الحؤول دون انتشارها، نظراً إلى ثبوت انعكاساتها السلبية على الأطفال والمراهقين الذين يواجهون كمّاً هائلاً من العنف لا يمكن أبداً التهاون بشأنه، خصوصاً أنه يشير كما يرى البعض إلى تطور سوسيولوجي إجتماعي يكاد يكون سادياً في أساسه.

فمبدأ القوي يلتهم الضعيف ساد المجتمعات منذ عصر الكهوف، منذ أن اضطر الإنسان الأول إلى اصطياد الحيوانات ليعيش. وانتشار العنف في مفهوم اجتماعي ثابت يجعل من الضعيف أضحوكة ومن القوي بطلاً يُحتذى بأفعاله، شرط ألا يعبر الخط الرفيع الموجود بين “أخلاقية” عنفه وعدمها.

وقد جاءت مصطلحات الحضارة وقوانينها لتشرّع العنف انطلاقاً من القانون والشرف، ووصولاً الى البطولة التي لا تجد وسيلة لها في قصص اليوم إلا عبر مجازر دموية مقززة يتلذذ بها حتماً المشاهدون مهما كانوا صغاراً، لأنهم اعتادوا على التعايش مع العنف يومياً عبر مئات المشاهد العنيفة التي تنهال عليهم من الشاشة الصغيرة ومهما كانت البرامج التي ينتقونها. فالمجتمعات تبحث دوماً عن أبطال يختصرون القيم التي تعيشها، والتي تجد أفضل ترجمة لها عبر شخصيات الرسوم المتحركة التي انكبّ علماء الاجتماع على دراسة تطور تصرفاتها كدلالة واضحة الى التطور الإجتماعي الذي تمثله.

وباستثناء الحيوانات الصغيرة مثل “توم وجيري” و”سنوبي” و”الفهد الزهري”، التي تضحك وتقدم العبر البسيطة في مغامراتها، تبرز الشخصيات الإنسانية لترمز فعلاً إلى هذا المنحى. فالبطل الأول، طرزان، كان شرطي الأدغال الذي وضع عضلاته وصرخته الشهيرة في خدمة الحفاظ على البيئة وتوازنها الدقيق، فكان يواجه السلاح الناري بالذكاء والدهاء. ثم جاء “الرجل الوطواط” ورفيقه “روبن” ليستعملا التقنيات الحديثة والبهلوانيات الرياضية لمكافحة الشر، فيما رمز “تان تان” إلى الذكاء الحاد الذي لا يرتبط بالضرورة بعمر الرشد والحكمة.

واللافت في هؤلاء الأبطال الذين سادوا الجزء الأول من القرن العشرين أن ما من أحد منهم بادر الى قتل مجرم أو سجنه، لا بل كانوا يسلمونه دوماً إلى العدالة لأنهم مجرد أدوات بشرية تعمل على مكافحة الشر تحت سقف القانون… ولأن المجتمع يثق كلياً بأجهزته العدلية.

إلا أن هذا المفهوم البطولي تبدل مع دخول العالم الجزء الثاني من القرن العشرين. فظهر أبطال من أمثال جيمس بوند، يقتلون من دون أن تفارق البسمة ثغرهم، يطلقون النار أو السكاكين بتهذيب تام يجعل العنف مقبولاً متى أتى من “جنتلمان” يتقن أصول اللياقة الاجتماعية وحسن التصرّف.

ولم يكد القرن المنصرم يشارف على نهايته حتى برز أبطال يتفننون بأصول العنف وكأنهم خرّيجو أقبية الاستخبارات في الأنظمة الدموية الدكتاتورية: يمارسون هواية البحث عن الأشرار، يخططون لتعذيبهم قبل قتلهم، لأن البطولة لا تمر إلا بنشوة القتل والاستمتاع بتعذيب الخصم وقتل كل روح تعاطف وشفقة في النفس.

مآثر القصص المصورة المتلفزة
تكمن مآثر الإعلام العصري في أنها أثرت سلباً وبشكل عميق لا عودة عنه على الأطفال والأولاد والمراهقين، من خلال تنمية العدوانية في شخصيتهم في شكل غير مباشر، يتحول في ما بعد مباشراً ومؤذياً للغير. فالدراسات الاجتماعية انكبت في السنوات العشرين الأخيرة على التعمق في دراسة آثار التلفزيون وبرامجه التي تمتد على 24 ساعة متواصلة بحيث تطاول الأولاد في أية لحظة من النهار أو الليل، في ظل غياب الأهل، خصوصاً متى ما كانت هذه البرامج مخصصة أساساً لمن هم دون العاشرة.

وقد برزت في السنوات الأخيرة برامج للأطفال ورسوم متحركة وقصص مصورة تجعل من العنف فعلاً يومياً وعادياً مبسطاً. وأفادت دراسات اجتماعية أن المرحلة الأساسية لفهم تأثير التلفزيون وإثارته العدوانية في الشخصية تكمن في العمر الذي يتراوح بين السادسة والحادية عشرة، حيث يركز الأولاد على تتابع مراحل القصة التلفزيونية، وعلى اكتشاف دوافع تصرفات شخصياتها ونتائجها. فالولد في الثامنة من عمره لا يتأثر بالعنف الذي يراه إذا كان هذا العنف مرتبطاً بمفهوم الشر ويؤدي إلى الألم البشري وينجم عنه عقاب وقصاص. إلا أن النتيجة تصبح معكوسة عندما يعتقد أن العنف هو انعكاس للحياة الحقيقية أو عندما يتماثل مع البطل العنيف الذي يتابع مغامراته من دون أن يميز بين الواقع والخيال. فيبدأ “بالاعتياد” على العنف وبالتسامح به في الحياة اليومية.

فالعنف يبدأ كلاماً قاسياً في الخامسة من عمر الولد. وما يلبث أن يتحول ركلاً وضرباً… حتى عمر الثانية عشرة الذي يشهد تحولاً جذرياً في الشخصية التي تصبح أكثر عدوانية وتميل إلى استعمال السلاح.

‪————————————————‬

أبطال في القصص

أبطال القصص المصورة السابقون يثيرون الحنين إلى شخصيتهم، كانوا مثالاً معنوياً للصغار يقتدون به. يتابعون قصصهم في المجلات المتخصصة، يرونهم على الشاشتين الصغيرة والكبيرة يكافحون الشر حماية للضعيف، ينصرون البريء ويقتلون المجرم… فيتمنون التصرف مثلهم ضرباً واعتداءً وقتلاً من دون أن يميزوا أحياناً كثيرة بين الخير والشر وبين الحق والباطل.

تطور مفهومهم للبطولة عبر الأجيال، فتخلّوا أحياناً عن شكلهم البشري (نينجا تورتل، بوكيمون، ديجيمون…) واستعانوا بأكثر التقنيات تطوراً ودموية.

فمن هم أبرز هؤلاء الأبطال الذين خرجوا من القصص المصورة؟

– 
طرزان Tarzan: خرج من قلم الكاتب الأمريكي ادغار رايس بوروغز عام 1912م، وأصبح بطل 27 قصة مكتوبة قبل أن يدخل القصص المصورة فالأفلام الصامتة (1918م) ومن ثم الناطقة (1932م). يعلّم الحفاظ على البيئة ومصادقة الحيوانات ومعاقبة الأشرار حضارياً… وما من ولد يقرأ قصصه اليوم.

– 
الرجل الوطواط Batman: بدأ حياته في الرسوم المصورة بعدما ابتكره البريطاني بوب كاين. ثم دخل عالم السينما وتأقلم سريعاً مع العصر في أعقاب دمجه بأكثر التقنيات تطوراً إلى مختبره الخاص، مما جعله يستمر محبباً في قلوب الصغار.

– 
سوبرمان Superman: ابتكره جو شوستر وجيري سيغل عام 1938م بطلاً خارقاً يحارب في القصص المصورة دفاعاً عن أمريكا. جاء من كوكب كريبتون ودخل الصور المتحركة عام 1941م ومن ثم المسلسلات التلفزيونية فالأفلام السينمائية منذ عام 1951م، وهو اليوم يحارب “الرجل النووي” ويدافع عن الأمم المتحدة… من دون أن يقنع الأولاد بقدراته الخارقة.

– 
بوبّاي Poppeye: بطل قصير القامة، مفتول العضلات، لا يفارق الغليون فمه. يستمد قوة جبارة من السبانخ التي يستهلك منها كميات هائلة. أدخله صدفة الكاتب الهزلي إلزي سيغار على عائلة “أويل” في الرسوم المصوّرة الهزلية عام 1929م. فسرق من أعضائها الأضواء وبات هو البطل من دون منازع… وكم من ولد أكثر من أكل السبانخ ليتمثّل به.

– 
لولو Lulu: بطلة صغيرة عمرها 68 عاماً. رأت النور في 23 فبراير 1935م، على الصفحة الأخيرة من صحيفة أسبوعية بعدما ابتكرت مارجوري هندرسون بويل شخصيتها. عمرها لا يتعدى السنوات العشر، تحمل راية الدفاع عن حقوق المضطهدين من أصدقائها في الحي. فضولية، تتحدّى دائماً الصبيان، وكأنها شبه صبي يرتدي فستاناً. صديقها الحميم هو “تابي” أو طبوش بالعربية، الولد الذي نشأت معه والذي يهوى الأكل فقط… ويظهر ذلك جلياً على شكله البدين. يقومان معاً بمغامرات مسلية ومضحكة أحبها الأولاد لسنوات قبل أن يكتشفوا أبطالاً آخرين يقتلون عشرات القتلى في الدقيقة.

– 
تان تان Tintin: بطل كل الأعمار، من السابعة إلى السابعة والسبعين… وحتى أكثر. سحرت مغامراته كل القرّاء منذ أن ابتكره “هرجيه” عام 1929م في بلجيكا. فبقي متصدراً القصص المصورة المكتوبة حتى بعد غياب كاتبه عام 1983م، وبات مثال التطفل والفضول المفيدين بشكله اليافع أبداً وبنطاله “الغولف” وكلبه “ميلو” ورفاقه الذين يلازمونه دوماً في ملاحقته للأشرار في كل بقاع العالم… وحتى في الخليج العربي بالقرب من آبار النفط في مغامرة عنوانها: “الذهب الأسود”.

‪————————————————‬

ثمن الكرتون: الملايين
لأن مهنة رسم القصص المصورة قد تدرّ الأموال الطائلة على من يعرف “من أين تؤكل الكتف”، ربح الرسّامان من مدينة ميشيغان الأمريكية، جوزيف شيلدز وتوماس رينكس، دعوى ضد شركة “تاكو بل” أكسبتهما مبلغ 30.1 مليون دولار أمريكي بعدما أثبتا أنهما ابتكرا شخصيات القصة المصورة التي بنت عليها الشركة شريطها الدعائي. فأوحت إليهما بأنها تراجعت عن حملتها الدعائية… ثم استعملت الشخصيات من دون علمهما. كما حقق فيلم “الرجل العنكبوت” المبني على القصة المصورة المشهورة، مداخيل خيالية في اليومين الأولين من عرضه في 4512 صالة سينما في الولايات المتحدة الأميركة وكندا في 1 و 2 يوليو 2004م، بحيث بلغت ملايين الدولارات الأميركية.

‪——————————————————‬

رسوم مصورة بشخصية إنسانية
الرسوم المتحركة أو المصورة مجموعة واسعة من الشخصيات التي دخلت قلوب الصغار والكبار معاً، مهما تنوعت انتماءاتهم الإجتماعية وهويتهم الوطنية، خصوصاً أن غالبيتها تكلمت لغتهم الأم بعدما تُرجمت قصصها إلى أكثر من عشرين لغة.

اقتحمت أطر حياتهم اليومية لتتحكم بكثير من تفاصيلها، خصوصاً في ما يتعلق بمن هم دون العاشرة من العمر. فكم من ولد بات يأكل السبانخ بعدما رأى عضلات البطل بوباي تنتفخ بشكل عملاق على إثر ابتلاعه كميات من السبانخ… المعلبة، إذ إن مبتكر هذه القصص أخذ في الاعتبار أيضاً انشغال الأمهات الأمريكيات بالعمل طوال اليوم ولجوءهن إلى استعمال المقادير الغذائية المعلبة في الطهو، ناهيك عن شبه انتفاء وجود الخضار الطازجة قليلة الاستهلاك (مثل السبانخ) بوفرة في المدن الكبرى الصناعية حيث سيلاقي بوباي حتماً شعبية واسعة.

وقد استغل علماء الاجتماع هذا التأثير الإيجابي الذي ظهر سريعاً في شريحة كبيرة من الأولاد ليعالجوا بواسطته بعض المشاكل الاجتماعية مثل استغلال الأطفال وتعرضهم للأذى من أي نوع كان حتى ولو كان من أقرب المقربين إليهم، ألا وهما الوالدان. فبات الحصان أو الهر في الرسوم المتحركة مثلاً، يقف أمام الكاميرا قبيل انتهاء الحلقة اليومية لمغامراته لينظر في عيني الولد وراء الشاشة الصغيرة ويقول له: “أنا هنا، أستمع إليك في كل ما تريد إخباري إياه ولا تجرؤ أن تقوله لأحد غيري. يمكنك أن تقول لي كل ما يؤذيك أو يزعجك. لا تخف، لن أخبر أحداً. اتصل بي على الرقم (كذا)… أنا في انتظارك”.

من هنا كان السعي إلى “أنسنة” هذه الرسوم، إذا جاز التعبير، كي تصبح أقرب إلى قلوب المشاهدين. فهي باتت ترتعد خوفاً كالإنسان، تضحك، تبكي، تحزن، تحتال… وتسرق وتضرب أيضاً، ناقلة إلى الشاشة كل الشخصيات الاجتماعية التي يمكن مصادفتها كل ساعة وكل دقيقة أينما كان.

وهي أيضاً باتت متنفساً مهماً لنقمة اجتماعية قُوِّضت قبل أن تكبر لتتحول خطرة في مرحلة ما من نموها. مما جعلها تنفّس الكثير من المشاكل بمجرد الحديث عنها والضحك عليها، خصوصاً إذا اكتسبت صبغة سياسية معينة.

لذا، بات المشاهد الكبير قبل الصغير يضحك لمغامرات الفأر جيري والقط توم. يكاد يصفق متى ينجح المحتال الصغير جيري في تنفيذ مقلب يذهب ضحيته القط الكبير… وكأن الفأر ينتصر حقاً للضعيف ويثأر لكل مسكين ذهب ضحية قوي ما في مكان ما من العالم، إنه الصراع الأبدي بين الضعيف والقوي الذي يقلب على الشاشة الصغيرة كل المقاييس المتعارف عليها: فلا يجعل قانون الغاب يسود، ولا يدع القوي يستقوي على الضعيف… لا بل يسمح لكل مشاهد بأن يقتنع بأن الغاية تبرر الوسيلة مهما كانت ملتوية، وبأن الاحتيال مسموح متى يؤدي إلى النجاح في القضاء على القوي أو المستقوي بشكل غير عادل.

والطريف أن هذه المغامرات المصورة تسرد قصص الصديقين اللدودين ومعاركهما الضارية ومحاولات اغتيال بعضهما بكل الأسلحة المتاحة المعقولة وغير المعقولة… والتي تنتهي دوماً بتوبة القوي بعد تحطيمه وبانتصار الصداقة والمودة بينهما. وكأن الرسالة الأخيرة التي يريد إيصالها مبتكر هذه القصص هي أن الخير سينتصر دوماً على الشر، وأن الحب يساوي مليون حقد وضغينة… متى أدى إلى المساواة بين الطرفين، قاضياً على مبدأ الغالب والمغلوب الذي يسود عادة كل المجتمعات.

فالرسوم، سواء أكانت متحركة على الشاشتين الصغيرة والكبيرة، أم جامدة في الصحافة، نجحت في تقديم مهمتها في التسلية وعكس حقيقة الحياة اليومية التي تتزامن معها، بحيث أنها بقيت “حيّة” لفترات طويلة بعدما استطاعت التأقلم مع كل الظروف والأجيال والمجتمعات: طرزان بات رومنسياً، سوبرمان وقع في الحب، جيري غرق في الغرام، بوباي حضّر المقالب المضحكة… لأنها أولاً وأخيراً رسوم تعكس شخصية من يقرأها، أينما كان في العالم.

‪————————————————————————‬

كشكول الرسّام والناقد
إضافة إلى مجموعة القصص المثورة الموجهة للأولاد، انفرد الفنان والناقد المصري محيي الدين اللباد عن غيره باهتمامه الفائق في نقد القصص المصورّة، وتدريب القارئ الكبير قبل الصغير على حسن قراءتها وتنمية حساسيته تجاه الصورة والرسم بشكل عام.

ومن أعمال اللباد في هذا المجال كتاب “كشكول الرسوم: الموجه للصغار ويتضمن شروحاً مبسطّة لأهمية هذه الصورة أو ذاك الرسم، والخطاب الذي تتضمنه مباشرة أو تحمله في طياتها.

أما سلسلة كتبه الثلاثة “نظر”، فكل منها عبارة عن مجموعة مقالات نقدية تتناول فن الكاريكاتير والرسّامين والمطبوعات وشخصيات فنية، والتصميم الطباعي وفنون الإخراج والتصوير الفوتوغرافي، إضافة إلى عدد كبير من المقالات الناقدة في ثقافة الأطفال وكتبهم المصورّة. وعلى سبيل المثال، فقد حظي الموضوع الأخير في الكتاب الثالث من هذه السلسلة بعشر مقالات على أكثر من خمسين صفحة، بعضها كان عاماً وعرض لسيرة “الكتاب العربي المصوّر للأطفال”، وبعضها غاص في التفاصيل فجاءت صفحاته الأربع للبحث في تفصيل رسم صغير على ورقة نقدية واحدة بعنوان “أفكار العيال على أوراق المال”.

‪——————————————————‬

قصة فلسطين المصورة

في عام 1996م حازت سلسلة من تسعة كتب مصورّة للفنان والصحافي جو زاكّو “جائزة الكتاب الأمريكي” وتكمن أهمية الخبر في أن مواضيع الكتب التسعة كانت حول فلسطين وواقع الحياة اليومية في الأراضي المحتلة، وأخيراً جمعت هذه الكتب التسعة في مجلد واحد حمل عنوان “فلسطين”.

وينتمى هذا الفنان إلى مدرسة جديدة ظهرت في أمريكا خلال حرب فيتنام، وانصرف فنانوها عن الرسوم المصورة المسلية أو المضحكة، إلى معالجة مسائل سياسية وجديّة وعلى مستويات رفيعة من الجدية والخطورة. حتى أن معظمهم أسقط الهوس بالنواحي الجمالية من أعماله ليركز مهمته على نقل دعوة معينة وتصوير واقع بأقصى حد ممكن من الأمانة.

القصص التسع في هذا المجلد مستوحاة بالكامل من الانتفاضة الفلسطينية الكبرى ما بين عامين 1987 و 1992م، ومن مشاهدات الفنان الذي أمضى شهرين من شتاء عامي 1991 – 1992م في الأراضي المحتلة. وتظهر أمانته للواقع في أن الكثير من المشاهد الخارجية التي رسمها تمثل شوارع غطتها الوحول وبرك مياه الأمطار، كما أنه يرسم نفسه (كما هو حال معظم الشخصيات التي يرسمها) مرتدياً ملابس شتائية وقفازين من الصوف.

الكاتب والناقد المعروف ادوارد سعيد خصّ الكتاب بمقدمة من أربع صفحات، ومما جاء فيها: “باستثناء الشعراء وروائي واحد أو اثنين، لم يتمكن أحد من التعبير عن واقع الأحوال الرهيبة المتمثلة في الشكوك المثيرة للقلق، والكآبة الجماعية والحرمان كما فعل جو زاكو، وذلك من دون أية محاولة من قبله لتلطيفها أو التخفيف منها”.

ويضيف سعيد: “إن معظم القصص المصورّة تنتهي عادة بانتصار أحد أبطالها، بانتصار الخير على الشر، أو العادل على الظالم.. في “فلسطين” زاكو هذه، تختلف الأمور تماماً. فالناس الذين يعيش بينهم (ويمثلون الخير) هم الخاسرون تاريخياً.. ولا يبدو عليهم أنهم يعلقون آمالاً كبيرة، بل يكتفون بسرد واقعهم، وبمقاومة مشاريع محوهم جميعاً”.

فبشكل عام يجمع هذا الكتاب، أو كل قصة منه المشاهدات الحيّة من جهة والبحث الأرشيفي من جهة أخرى. وعندما نضيف إلى ذلك حضور الصحافي الفنان نفسه في معظم هذه الرسوم وكأنه أحد أبطال القصص المصورّة (يبدو كولد غليظ الشفتين، يضع نظارتين على عينيه ويحمل حقيبة المهنة على كتفه)، يصبح بإمكاننا القول إن الكتاب هو في مرتبة تقع بين القصة المصورة والاستطلاع الصحافي المرسوم، وربما كان الأصح القول: فوقهما.

أضف تعليق

التعليقات

khalid

جميل جدا شكرا على هدا الكم الهائل من المعلومات ملاحظة بسيطة انت لم تتحدث عن المانغا او القصص المصورة اليابانية التي غزت العالم ,

    محرر القافلة

    شكرا لتفاعلك.
    يمكنك التعليق على هذا الموضوع بالكتابة لنا حول الملاحظة التي ذكرتها، ومراسلتنا على بريد المجلة: [email protected]
    فالموضوع الذي قرأته منشور في عام 2004، وهذا يعني أن هناك معلومات جديدة وحديثة قد تفيدنا بها.

    المحرر