قضية العدد

الدبلجة
ثقافة مقحمة وحياة مستعارة

  • Video and Audio Recording Studio
  • 117146775-voiceless-xxxl-g copy
  • 1397026878_124b0fa3a4 copy
  • Man Recording Voice On Film
  • Jane Krakowski Working with a Producer in a Recording Studio
  • Film-Reel-iStock_000004540 copy
  • foto_Charlie_Chaplin_27 copy
  • sindibad copy
  • TEXT copy
  • tv1

مع الانتشار غير المسبوق للمسلسلات والأفلام «المُدبلجة» على شاشاتِنا العربية، تطلُّ من بين أكمةِ الأصوات، التي تبدو – رغم «عربيّتها» الملونة – مقحَمةً على نحو سافرٍ أحياناً، أسئلةٌ كثيرةٌ حول منتج ثقافي، غير محايد، يرفدُ مخزونَنا الثقافي والفكري والاجتماعي بأطروحاته، وبيئاته وأجوائه وأفكاره، ضمن عملية «تغذية صناعية»، تحيلُ «غير الطبيعي» إلى «طبيعي عنوة»، خالقةً ثقافة هجيناً، وحياةً توحي بأنها امتدادٌ لما نعرفه ونخبره، لكنها ليست حياتنا.
ليست المسألة هنا قبولنا أو رفضنا رؤية الحياة «الروائية» – السينمائية أو التلفزيونية – الجديدة وسماعها، بل المسألة هي: لماذا يتعيّن علينا أن نشاهدها ونسمعها بأصوات ليس لها؟! وإذا كان لا بدّ من «إكسائها» صوتاً عربياً فأيّ صوت عربي ذاك الذي نحتاج إلى أن نلبسه لها؟ وهل يكفي صوتنا، لغتنا وحروفها، لتجعلها أقرب إلينا أو نجعلها كأنها منا؟!.
في هذا الاستطلاع المثير ترصد حزامة حبايب التأثيرات المرئية والمخفية للدبلجة على واقعنا الاجتماعي وإحالاتها الثقافية والنفسية.

من وقت لآخر، تُطرَح «الدبلجة» على طاولة البحث والتقييم مع اشتباك أصوات المؤيدين والرافضين في جدل – على «محموديّته» – لم يقد إلى خُلاصة قاطعة. وبما أن «القضايا الكبرى» في وطننا العربي قد سحبت بساط الاهتمام والمعاينة من تحت «قضايا أصغر شأناً» مثل الدبلجة، كإفراز ثقافيٍّ عارض أو يُفترض أنه غير ذي تأثير يُذكر، تسللت الدبلجة، تقطيراً عابراً ومتفرقاً أولاً ثم زخّاً، على نحو جعل من المألوف – تقريباً – أن تُضاء شاشاتُنا في البيت بثقافة بصرية هجين، تجمع بين وجهٍ غير عربيّ ولسان «عربيّ الهوى»، بلهجة قُطريّة أو إقليمية.

وكانت السنوات الأخيرة قد شهدت طوفاناً من «الدبلجة»، شمل مسلسلات «أجنبية» و«وافدة» عدّة، لعلّ أبرزها وأشهرها، وربما أنجحها، المسلسلات التركية التي حققت نسبة مشاهدة عالية لا في بلد المنشأ فحسب، وإنما في دبلجتها العربية التي حدَت بملايين العرب إلى الالتصاق بشاشاتهم، حدّ الهوس، والتماهي مع شخصيات ارتدت لهجة عربية وأسماء عربية مثل «لميس» و«مهند» و«نور»، حتى أن أسماء الشخصيات التركية الأصلية ذابت، فحضرت أسماؤها «المعرَّبة». بل تطوَّر الأمر إلى حدّ أن الممثل التركي الأشهر كيفانتش تاتليتوغ الذي اشتُهر بدور «مهنّد» في مسلسل «نور»، وبات «محبوب» النّسوة «العربيّات» لم ينل الرضا المتوقع حين ظهر تحت اسم «خليل» في مسلسل تركي مدبلج بعنوان «ميرنا وخليل»، فرجع – على يد «مدبلجيه» – إلى اسمه المعرَّب الأول «مهنّد» في مسلسل «العشق الممنوع» إرضاء لقلوب الآلاف التي تعلّقت بمهنّد في الأساس. ليست الدبلجة بالمسألة المستجدّة، لكنّها تنذر بأن تكون حالةً «معتمدة» بمنطق «التطبيع» الثقافي واللغوي، فهي وإن أزالت حواجز وعوائق في الفهم الآني إلا أنها تخلق تشابهات وتماثلات وتقاطعات فكرية مفبرَكة أو مضلِّلة. فالدبلجة وإن حشرت «الآخر» في قالبنا اللغوي، أو بالأحرى «اللهجوي» (من «لهجة») إلا أنها لا تستطيع أن تحشره في واقعنا الثقافي والاجتماعي. فلماذا الإصرار على أن يجعل الآخر يغادر لغته، وبيئة لغته، إلى لغتنا أو ما يشبهنا بأي ثمن؟!

نظرة تاريخية
في أحد أبسط تعريفاتها، «الدبلجة» هي تركيب صوت فوق آخر في الأفلام والمسلسلات، حيث يتمّ استبدال أصوات الممثلين الأصليين بأصوات مؤدين آخرين، بلغات مختلفة في العادة، بهدف نقل لغة الفيلم الأصلية إلى لغة أخرى فيما يشبه «الترجمة الصوتية. ومصطلح الدبلجة ليس عربياً، فاللغة إنما تبتكر مفرداتها من نسيج عطاء مجتمعها وأدائه، وبما أن الدبلجة ليس «مُنتجاً» عربياً، بالمعنى التاريخي، فقد تمّ استلاف المصطلح من كلمة «دوبلاج» الفرنسية: Doublage، التي تشير إلى عملية تسجيل أو استبدال الأصوات في فيلم أو مسلسل في مرحلة ما بعد الإنتاج، حيث يُشار إلى العملية باللغة الإنجليزية بـ Dubbing. وعلى الرغم من أن الدبلجة تقترن بإحلال لغة محل أخرى صوتياً، إلا أنها تعنى من جملة معاني وتطبيقات عدة إحلال صوت محل آخر من اللغة نفسها، للحصول على أداء أكثر إقناعاً أو ذي نكهة تعبيرية مميزة.

تاريخياً، ظهرت الدبلجة بالتزامن مع تدشين حقبة «الأفلام الناطقة»، ذلك أنه في زمن السينما الصامتة لم تكن ترجمة الحوارات واردة، كون اللغة السينمائية غير منطوقة في المنشأ، مع الاكتفاء بما يُعرف بـ«عناوين داخلية»، ضمن كادرات تقطع المشاهد السينمائية، من وقت لآخر، كتعليق أو إيضاح، بحيث من السهل ترجمة هذه العناوين ونقلها كتابةً من اللغة الإنجليزية في الغالب إلى اللغة المستهدَفة، إذ يحلّ الكادر المترجَم محلّ الكادر الأصلي بيُسر ودون عقبة تُذكر. مع بروز حقبة الأفلام الناطقة في أواخر عشرينيات القرن الماضي واقتحام الصوت الشاشة الفضية، برزت اللغة عائقاً، فكان لا بدّ من التعاطي مع معضلة «كلام» الممثلين. والسؤال البديهي آنئذ: «بأية لغة يجب أن يتكلّم الفيلم؟» وبما أن النتاج السينمائي في مبتدئه، وفي مجمله أيضاً، كان أمريكياً، فقد عنى ذلك اقتصار الأفلام «الناطقة» على اللغة الإنجليزية الموجَّهة لجمهور الإنجليزية، وهو ما يعني إقصاء جماهير اللغات الأخرى. تبعاً لذلك، سعت شركات صناعة السينما الأمريكية في البداية إلى إنتاج الفِلم نفسه بأكثر من نسخة لغوية، وذلك باستخدام موقع التصوير نفسه والسيناريو نفسه، لكن باستخدام مخرجين وممثلين مختلفين، كأن يكونوا فرنسيين مثلاً أو إيطاليين أو ألماناً. غير أنّ هذا الإجراء، علاوة على كونه مكلفاً، افتقر إلى الجودة الفنية، ولم يحظ بالجماهيرية المنتظرة، فتحوَّلت الاستوديوهات التي أقيمت في أوروبا خصيصاً لإعادة تصوير الأفلام بلغات أوروبية إلى استوديوهات مخصصة لدبلجة الأفلام. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الدبلجة استخدمت في بدء حقبة الأفلام الصامتة لتركيب أصوات مقبولة وجميلة فوق أصوات نجوم الأفلام الصامتة ممن تبيَّن أن أصواتهم تفتقر إلى القدرات التعبيرية المطلوبة أو المقنعة، قبل أن يتم الاستغناء عن هؤلاء النجوم «الصامتين» ليصبح الصوت، إلى جانب الشكل والموهبة، من الشروط الأساسية كي تفتح هوليود أبوابها للطامحين إلى النجومية.

مع ارتفاع تكلفة الإنتاج السينمائي، غدا من الصعب بالنسبة للدول الصغيرة أن توفِّر مواد فلميّة للتصدير، كما تناقص إنتاجها السينمائي الموجّه للسوق الداخلية بحكم محدودية هذه السوق، وهو ما عنى لزاماً الاعتماد المتزايد على الواردات من الأفلام. بالنسبة للدول الأوروبية الكبرى، فهي وإن كانت أقدر على توفير إنتاج سينمائي محلي، إلا أنها واجهت منافسة أمريكية ضروساً لم تصمد أمامها. ففي الحقبة من الثلاثينيات وحتى أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، هيمنت الشركات والاستوديوهات الأمريكية على قطاع الإنتاج السينمائي في العالم. وشهدت صناعة السينما في هوليود طفرة كبيرة إبان الحرب العالمية الثانية، وهو ما عنى إغراق السوق الأوروبية بكم هائل من الأفلام الأمريكية، حيث احتاجت الاقتصاديات الأوروبية التي كانت تنفض عنها آثار الحرب بعض الوقت كي تتعافى وتستوعب، بالتالي، المدّ الثقافيّ الأمريكي الذي كان يتغلغل في جنبات المجتمع الأوروبي والعمل على الحدّ من نفوذه، فعمدت العديد من الدول إلى تطبيق تدابير خاصة بغية الحد من استشراء النفوذ السينمائي الأمريكي في أراضيها؛ من بين هذه التدابير فرض حصص استيراد لحماية النتاج المحلي وإقرار ضريبة على الأفلام المستوردة في بعض الدول مثل فرنسا وإيطاليا، إلى جانب تقديم الدعم الحكومي للإنتاج السينمائي المحلي في فرنسا وإسبانيا وألمانيا وإيطاليا.

بين الدبلجة والترجمة المكتوبة
منذ البداية، كان هناك خياران رئيسان لنقل الفِلم من لغته الأصلية إلى لغة الجمهور المستهدَف: الدبلجة، التي عرّفناها آنفاً، وترجمة الحوارات كتابةً أسفل الشاشة (وسنشير لها اختصاراً بـ«الترجمة المكتوبة»)، حيث يعتمد اختيار أي منهما على جملة عوامل من بينها: الكلفة والظروف التاريخية والسياسية والثقافية، والتكنيك الذي اعتاد عليه الجمهور. وإذا كانت الترجمة – أياً كانت – شكلاً من أشكال التدخل في النص الأصلي و«تحويره»، فإن الدبلجة، يقيناً، تنطوي على تدخّلٍ أكبر، وتحويرٍ أعظم، حدّ تحريف المضمون أحياناً في اللغة الأصلية أو «اللغة المصدر» عند نقلها إلى اللغة المترجَم إليها أو «اللغة المستهدَفة»، وهو ما يجعلها تفتقر – في الكثير من الأحيان – إلى المصداقية. تقنياً، يتم تطويع الدبلجة، لجهة الحوار والأداء الصوتي في اللغة المصدَر، بحيث تجعل الجمهور يشعرون بأنهم يستمعون إلى نجوم الفِلم أو المسلسل يتحدثون فعلياً اللغة المستهدَفة.

أما الترجمة المكتوبة فهي عبارة عن توفير ترجمة للحوارات المحكيَّة في اللغة المصدَر ونقلها إلى اللغة المستهدَفة على شكل شروحات وتعليقات مكتوبة، على نحو متزامن، حيث تكون هذه الشروحات في العادة أسفل الشاشة، وهو ما يجعل الجمهور يحافظ على مسافة بينهم وبين محتوى الفِلم أو المسلسل، واعين أو مدركين لطبيعة المضمون «الأجنبي»، ضمن مسعى يعزِّز الاطلاع على ثقافة الآخر مع الإبقاء على فواصل أو حواجز تحول دون التماهي الكامل أو المطلق.

والثابت أن كلاً من الدبلجة والترجمة المكتوبة تقدِّمان مقاربتين مختلفتين للمادة السينمائية أو التلفزيونية؛ إذ يُفترض بالدبلجة أن تحاكي الأداء الصوتي والنفسي للشخصيات، وهو ما يتطلّب قدرات تمثيلية من الأصوات البديلة، مع الحرص على الالتزام بطول الجمل الحوارية نفسها، وجعل اللغة الثانية، حتى من حيث الشكل، قريبةً من لغة المصدر، كأن يتم استخدام كلمات قريبة في نطق بعض أحرفها من الكلمات الأصلية، وهو ما يتبدى في حركات الفم. على الخلاف من ذلك، تركز ترجمة الحوارات كتابةً على المعنى لا على طبيعة الأداء. وبما أن ترجمة الحوارات وُجدت كي تُقرأ، فيتعيّن تطويعها بحيث تناسب السرعة التي يقرأ بها الجمهور الترجمة المكتوبة، بحيث تكون مكثّفة، ومختصرة، ودالة بأقل عدد ممكن من الكلمات، وكثيراً ما يقتضي الأمر من المترجم الاستغناء عن بعض المحتوى في الحوار الأصلي، من منطلق أن هذا الحذف لا يؤثر على المعنى العام، الأمر الذي يجعل هذا النوع من الترجمات قاصراً نوعاً ما. بينما قد تشكّل الدبلجة فرصة لجعل المادة الترفيهية أقرب إلى قطاع عريض من الناس لا يرتاحون لقراءة الترجمة المكتوبة، أو يعتقدون أن نطق الشخصيات بلغتهم تجعل الحكاية قابلة للتماهي معها أكثر أو في المتناول لجهة الفهم أو التعاطف، إلا أنها تنطوي على خلل تقني بيّن! فالدبلجة لا يمكن أن تماثل الأصل تماماً، سواء لجهة الأصوات والموسيقى الخلفية أو أصوات الممثلين أنفسهم، وهو ما يخلق شعوراً لدى المتابع أن ثمة انفصالاً جلياً بين المادة الأصلية والمادة المدبلَجة. ثم إن الاعتماد على الدبلجة عبر نقل أي فيلم أو مسلسل إلى اللغة «القومية» إنما يسهم في تعميق الهوة الثقافية بين المجتمعات، فلا تعتاد الأذن على سماع لغة غير لغتها. من ناحيتها، لا تبدو الترجمة المكتوبة مثالية تماماً، فهي وإن كانت أقل كلفة بكثير مقارنة بالدبلجة، إلا أنها تربك التجربة البصرية، وتجعل المشاهد يفقد بعضاً من متعة المتابعة ذلك أن عينيه تتجه -لا إرادياً- إلى أسفل الشاشة لقراءة الترجمة، وهو ما يعني فقْد جزء من تعابير الوجوه أو التشكيل الأدائي البصري، الذي كثيراً ما تكون قيمته أرفع من قيمة الأداء الصوتي.

خريطة الترجمة العالمية
إذا تأملنا خريطة الترجمة الفِلمية والتلفزيونية في العالم، نستطيع أن نقسّمها إلى ثلاثة أجزاء رئيسة هي: دول لغة المصدَر، ودول الدبلجة، ودول الترجمة المكتوبة. عند الحديث عن دول لغة المصدر فإننا نعني بذلك الدول الناطقة بالإنجليزية، كالولايات المتحدة أو بريطانيا، التي نادراً ما تستورد أي فِلم أجنبي، بل إن بلداً مثل الولايات المتحدة، تُعد مركز صناعة السينما في العالم، ونتاجها السينمائي يغرق الكون ويفيض عليه. وهكذا لا توجد في هذه الدولة مشكلة دبلجة وإذا كان لا بد من عرض فِلم أجنبي فإن الترجمة المكتوبة هي الخيار المتاح. بالنسبة لبريطانيا تحديداً، فتعتمد الترجمة المكتوبة عند عرض أفلام أجنبية، باستثناء الأفلام والبرامج الموجهة للأطفال، حيث تتم دبلجتها. اللافت أنه حتى برامج الأطفال الأمريكية وأفلام «الأنيميشن» الموجهة للصغار تتم دبلجتها، حيث يتم استبدال الأصوات التي تتحدث الإنجليزية بلهجة أمريكية بأصوات بريطانية صرف.

أما بالنسبة للدول التي تعتمد الدبلجة في الأساس فتشمل تلك الناطقة بالفرنسية والألمانية والإيطالية والإسبانية والروسية والأوكرانية والهنغارية والتركية والتشيكية والسلوفاكية؛ فمعظم الأفلام والبرامج التلفزيونية «الأجنبية» التي تبثّ هناك مدبلجة، وإن كانت بعض السينمات في المدن الكبرى قد بدأت في السنوات الأخيرة تعرض الأفلام بنسختين: مدبلجة وبترجمة مكتوبة.

في هذا السياق، تُعد سوق الدبلجة إلى اللغة الألمانية الأكبر في أوروبا، حيث تملك ألمانيا أكبر عدد استديوهات لدبلجة الأفلام الأجنبية لكل فرد. في ألمانيا والنمسا والجزء الناطق بالألمانية في سويسرا، كل الأفلام تقريباً والمسلسلات والبرامج التلفزيونية تُبثّ في نسخة مدبلجة، معدَّة خصّيصاً للسوق الألمانية. بل حتى ألعاب الفيديو والكمبيوتر الناطقة بلغات أخرى تتمّ دبلجتها إلى الألمانية. اللافت أن الألمان وعموم الناطقين بالألمانية لا يزالون حتى اليوم يفضلون الدبلجة، وهو أمر يُعزى إلى ارتفاع سوية الأفلام والبرامج المدبلجة، فنياً وتقنياً، مع الاعتماد على أصوات موهوبة، تحاكي الأصل الصوتي وتنقله بأمانة، وهي أصوات باتت شهرتها توازي شهرة النجوم الأصليين وتقترن بهم. عموماً، حيثما وجدت دول كبرى، بتعداد سكاني كبير أو إنتاج سينمائي وفير، فإن الدبلجة تظل التقنية الأكثر اعتماداً، وهو ما يحسب بالضرورة على دول مثل الصين وشبه القارة الهندية ودول أمريكا اللاتينية، باستثناء المكسيك التي يحظر القانون فيها عرض الأفلام في دور السينما بأي لغة سوى لغتها الأصلية.

أما الدول التي تعتمد الترجمة المكتوبة فتشمل هولندا والدول الإسكندنافية والبرتغال واليونان ورومانيا وسلوفينيا ودول البلقان عموماً وبعض الدول غير الأوروبية ومعظم الدول العربية؛ فكل الأفلام والبرامج التلفزيونية تبثّ بلغاتها الأصلية مع تذييل الشاشة بترجمة مكتوبة، ولا تتم دبلجة سوى تلك الموجهة للأطفال. ويأتي اختيار الترجمة المكتوبة في هذه الدول وغيرها لعوامل مختلفة من بينها: ارتفاع حجم استيراد الأفلام والمسلسلات والبرامج «الأجنبية» للتعويض عن ضعف الإنتاج المحلي، وصغر تعداد سكان عدد من تلك الدول، وانخفاض كلفة الترجمة المكتوبة مقارنةً مع الدبلجة، واستخدام أكثر من لغة في بعض الدول مثل بلجيكا وفنلندا، حيث توجد لغتان رسميتان في كل منهما وهو ما يستدعي توفير ترجمتين مكتوبتين أسفل الشاشة، وتعدد اللهجات في العالم العربي (وهي معضلة سنتطرق لها لاحقاً).

إجراء وقائي
يتفق الباحثون على أن السبب الرئيس لتفضيل الدبلجة في الأساس إنما يعود لأسباب سياسية، كإجراء وقائي للحد من الهيمنة السينمائية الأمريكية. فمعظم الدول الأوروبية الكبرى، في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، انحازت للدبلجة، كخيار قومي وسياسي بالدرجة الأولى. فرنسا، من جانبها، تبنت الدبلجة لاعتبارات لها علاقة بما تصفها بالحفاظ على «النقاء الثقافي» لفرنسا الأمة، وفرنسا اللغة، فالفرنسيون حريصون على حماية ثقافتهم من أي تدخل أو تأثير أجنبي، فما بالك إذا كان هذا التأثير مصدره ثقافة ذات طابع شعبوي مثل الثقافة الأمريكية «الخفيفة»! أضف إلى ذلك أن عدداً من الفرنسيين يتعاطون مع لغتهم بوصفها عامل تفوّق يُحسب لهم، فاللغة الفرنسية هي الوجه الآخر للقومية الفرنسية ذات المسحة الشوفينيّة. من هنا، تكفل الدبلجة من الإنجليزية أو لغة أخرى إلى الفرنسية الإبقاء على الطابع القومي للثقافة واللغة الفرنسيّتين. (على الرغم من أن الأجيال الشابة في فرنسا تعانق الإنجليزية بتسامح، وتتعاطى مع الثقافة الأمريكية بإقبال أكبر، إلا أن الكبرياء الفرنسية لا تزال تصر على جعل «الحالة الفرنسية» حالة ثقافة مميزة لا تقبل أن تكون في الدرجة الثانية).

بيد أن المسألة تخطت العامل الثقافي القومي في دول مثل ألمانيا وإسبانيا وإيطاليا، وهي دول رزحت في حقبة تاريخية مريرة إلى أنظمة حكم فاشستية، وابتُليت بعقدة تفوّق مرضية، فاجترحت الأنظمة الحاكمة في هذه الدول في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى قوانين ولوائح لا تسمح سوى بعرض الأفلام المدبلَجة، لا للحفاظ على تفوق اللغة ونقاء الثقافة، بالمعنى القومي والعرقي والسياسي، فحسب، وإنما لفرض رقابة صارمة على محتوى المادة الفِلمية والحيلولة دون تسرب آراء أجنبية معادية أو «هدّامة» إلى جماهير تلك الأنظمة؛ ذلك أن الدبلجة أفسحت المجال أمام تدخل رقابي محكم، إذ كان بالإمكان استبدال جمل حوارية من اللغة الأصلية بأخرى مختلفة تماماً في اللغة المنقولة إليها. على الرغم من انتفاء الأسباب السياسية التي أقصت قطاعاً عريضاً من شعوب أوروبا عن ملامسة لغات وثقافات أخرى، فإن التنعّم في ظلال الديمقراطيات والحريات الغربية لم يعدم سيادة النزعات القومية التي تنظر إلى اللغة بوصفها وعاء قومياً حافظاً، فغابت ألمانيا هتلر وإسبانيا فرانكو وإيطاليا موسوليني وحلت محلها ألمانيا وإسبانيا وإيطاليا المعتدَّة بقومياتها وثقافاتها ولغاتها. فحتى اليوم، لا تزال النزعة الاستعلائية تحكم تفكير شعوب تلك الدول، خاصة الأجيال «العتيقة» أو تلك وريثة عصبيات الآباء والأجداد.

عربياً.. أصوات بلا نكهة
في الوقت الذي تتراجع فيه الدبلجة في العالم، أو على الأقل يتمّ توفير خيار الترجمة المكتوبة بصورة متزايدة بجوار الدبلجة، وذلك تلبيةً لأهواء أجيال جديدة قدُرها اشتبك مع قدر العولمة، التي قرّبت بين اللغات، وجرفت الأفكار بين القارات وتسبّبت في «انزياحات» ثقافية وإنسانية، يشهد الوطن العربي إقبالاً «غير حميد» و«غير مظفَّر» على الدبلجة.

لا يوجد تاريخ موثق تماماً للدبلجة وبداياتها في الوطن العربي، شأنها في ذلك للأسف شأن معظم الظواهر التي تفتقر إلى التأريخ والتوثيق في عالمنا. بيد أن معظم المصادر تجمع على أن أول عمل تلفزيوني مدبلج، بالمعنى التقني والفني للدبلجة، هو مسلسل «سندباد» الكرتوني، الموجه للأطفال، وذلك في العام 1974م، وهو المسلسل الذي نفذه المخرج والمنتج اللبناني نقولا أبو سمح. ولقد أتبع النجاح الكبير لـ«سندباد» دبلجة عديد من المسلسلات الكرتونية الأخرى، قبل أن يدشن أبو سمح حقبة المسلسلات اللاتينية (أو «المكسيكية» كما تم توصيف كل المسلسلات الواردة من أمريكا الجنوبية) من خلال دبلجة أول مسلسل مكسيكي بعنوان «أنت أو لا أحد» عام 1991م.

حقق المسلسل «المعرَّب» نجاحاً غير متوقع، وهو ما أطلق «تسونامي» من المسلسلات المشابهة، وبات أبطال الشاشة اللاتينية، بأصوات عربية، يدخلون بيوتنا بترحاب.. إلى حين. فمع تكرار تيمات الحكايات الدرامية، حيث الحب والخيانة وصدف الأقدار والانقلابات الحياتية الميلودرامية «العجيبة»، ملّ المشاهد العربي هذه النوعية من المسلسلات، وتزامن ذلك مع تداول النكات والتعليقات التهكمية على التوليفة الغربية للشخصيات اللاتينية التي تتحدث لغة عربية فصحى!

في السنوات الخمس الأخيرة، غزت الشاشة العربية موجة «المسلسلات التركية» التي حققت نجاحاً فاق ذاك الذي حققته المسلسلات اللاتينية، مع تسابق العديد من الفضائيات على عرض الأحدث والأكثر إثارة. وكان أول مسلسل تركي مدبلج رحب به الجمهور العربي «إكليل الورد» الذي عرض عام 2007م، تلاه «سنوات الضياع» الذي حقق نجاحاً أكبر، ثم مسلسل «نور» الذي أسهم في تدفق العرب بالآلاف إلى تركيا، على أمل اللقاء بنور ومهند بطلي «نور»، وقبلهما لميس ويحيى بطلي «سنوات الضياع»!

لعل نجاح دبلجة المسلسلات التركية يُعزى في المقام الأول إلى تشابه البيئة التركية «المحافظة» نوعاً ما مع البيئة العربية، ناهيك عن أن حكايات العشق التركية على طريقة «الحب المستحيل» إنما دغدغت قلوب ملايين العرب «المتصحَّرة»! وهناك بالطبع «كيمياء» اللهجة الشامية التي بدت قريبة على إذن الجمهور العربي، كما بدت وكأنها امتداد للبيئة التركية، خاصة القروية. مع كسر الاعتماد على اللغة العربية الفصحى، أخذت المدبجلين العرب العزّة بالإثم، فتلونت شاشاتنا بلهجات لبنانية ومصرية وخليجية أُقحمت عنوة في أفواه نجوم الأفلام والمسلسلات والبرامج الغربية!

يبدو أمراً مهيناً – دون أن يتقصّد المدبلجون الإهانة ربما – أن يتم إسقاط لهجات عربية على أفلام ومسلسلات بعينها، فاختيرت اللهجة اللبنانية لدبلجة الأفلام والمسلسلات الأمريكية التي تنطوي على قدر من «الانفتاح» الاجتماعي (في إسقاط نمطي على الشخصية اللبنانية التي يُنظر إليها عربياً بوصفها «الأكثر تحرراً» و«الأقل محافظة» بالمعنى السلبي للتوصيف)، ثم نافستها اللهجة المصرية في انتحال القصص الغربية في المسلسلات ذات الطابع الكوميدي. لكن عجب العجاب هو اختيار اللهجة الخليجية في دبلجة الأفلام الهندية، كما لو أن اللهجة الخليجية –دون سواها– إنما الأقرب للمزاج الثقافي الهندي! ومؤخراً، شدّت بعض الفضائيات المصرية الرحال إلى الهند فأعارت لهجة بلاد النيل للروايات السينمائية الهندية، بحيث يفتح نجم بوليوود فمه لتقطر منه عبارة من نوع: «يا خبر مش زي بعضه!» اللهم إلا حين يتوقف الحوار ويبدأ الرقص والغناء، إذ يعود الهنود إلى شخصياتهم الحقيقية وقد نفضوا عن ألسنتهم – مؤقتاً – اللهجة المصرية أو الخليجية! «إنّ اللغة رداء الفكر»، قالها العلّامة الإنجليزي صامويل جونسون، فإذا ارتدينا لغة ليست لنا، روينا حكاية لا تخصنا، وأسمعنا العالم أصواتاً ليست لنا.. أصواتاً بلا كبير معنى.. بلا نكهة.

ترجمة غافريلوف
إلى جانب الدبلجة والترجمة المكتوبة، هناك «التعليق الصوتي»، كتقنية – غير معتمدة على نطاق واسع – لنقل المعنى بين لغة المصدَر واللغة المستهدَفة. ففي دول مثل بولندا وجورجيا، وباستثناء الأفلام التي تعرض في دور العرض بترجمة مكتوبة، فإن جميع الأفلام والبرامج والمسلسلات «الأجنبية» التي تبثّ على التلفزيون تعتمد تقنية «التعليق الصوتي» في ترجمتها، وهي الدبلجة باستخدام صوت واحد، ذكوري، حيث يتم الاحتفاظ بالأصوات الأصلية مع قيام شخص، يُشار له بـ«القارئ» ويتمتّع بموهبة صوتية مميزة، بقراءة الترجمة، دون غياب أصوات الممثلين التي تظل مسموعة في الخلفية. وهو خيار له علاقة بالكلفة، كونه أرخص من الدبلجة الفنية المتكاملة، كما أنه أكثر عملية من الترجمة المكتوبة التي قد تقصي الشريحة «الأميّة» من الجمهور.

في السنوات الأخيرة، تم تهذيب هذه التقنية وتطويرها، بحيث باتت أكثر اعتماداً في البرامج والأفلام الوثائقية، مع اعتماد أكثر من صوت، من الجنسين، للتعليق. في روسيا، لا تزال تقنية «التعليق الصوتي» هي المعتمدة في ترجمة المواد الفيلمية والتلفزيونية «الأجنبية». ولهذه التقنية تاريخ، يقترن بالثقافي والسياسي؛ حيث يشار إليها باسم «ترجمة غافريلوف»، نسبة إلى أندريه غافريلوف، أحد أبرز وأشهر الأصوات المختصة في هذا المجال، علماً بأن الاسم بات يُستخدم لوصف الدبلجة عموماً باستخدام صوت واحد، وليس بالضرورة صوت غافريلوف نفسه. هذا النوع من الدبلجة رائج ومعتمد بصورة شبه مطلقة في الدول الناطقة بالروسية لأفلام الفيديو، خاصة تلك المقرصنة، والأفلام التي تبث على قنوات «الكابل» التلفزيونية. وكانت الأفلام الأجنبية في الاتحاد السوفياتي السابق تخضع لرقابة لجنة سينمائية خاصة، حيث كانت اللجنة تقيم عروضاً خاصة للأفلام «الغربية» مقتصرة على السياسيين والعاملين في صناعة السينما والنخبة الاجتماعية والفكرية، مع قيام أشخاص مختصين بتوفير ترجمة فورية. في تلك الفترة، ظهر عدد من «المترجمين الغافريلوفيين»، الذين اكتسبوا شهرة في مجالهم من بينهم أندريه غافريلوف نفسه، المترجم الفوري الأكثر حضوراً في تلك العروض، بالإضافة إلى ألكسي ميخاليوف وليونيد فولودارسكي، حيث كانت تتم الاستعانة بخدماتهم في مهرجانات السينما، حين كانت عروض الأفلام «الأجنبية» متاحة أمام قطاع عريض من الجمهور. ومع دخول أجهزة الفيديو في سبعينيات القرن الماضي الاتحاد السوفياتي وازدهار تجارة الأفلام المنسوخة والمقرصنة، بوصفها الطريقة الوحيدة لدخول الأفلام الغربية، أعار أولئك المترجمون الفوريون أصواتهم لهذه الشرائط، فكان الثلاثي غافريلوف وميخاليوف وفولودارسكي من أشهر الأسماء في صناعة دبلجة الأفلام في الاتحاد السوفياتي في العقود الأخيرة من القرن العشرين، حيث يضم رصيد كل منهم آلاف الأفلام. بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ورفع القيود المفروضة على الأفلام الغربية، تحسنت الدبلجة المستخدمة في الأفلام التي تعرض في دور السينما وفي محطات التلفزة الحكومية من خلال الاعتماد على عدة أصوات لممثلين محترفين. ومع ذلك، لا تزال قنوات «الكابل» وصناعة أفلام الفيديو المقرصنة تعتمد حتى اليوم على الترجمة الغافريلوفية!

أضف تعليق

التعليقات

Nafissa LAIB

من فضلكم، في أي سنة صدر هذا المقال ؟

    محرر القافلة

    المقال نشر في سنة عدد 57 (يوليو – أغسطس) 2012م .