حياتنا اليوم

بوب ليبلينق حياة حافلة من «ديلي ستار» إلى الأعشاب العربية مروراً بالجن

  • PORTRAIT

الكتب هي أول ما تقع عليه عيناك عندما تقابل بوب ليبلينق. تجدها في كل مكان، بين يديه وعلى الأرفف خلفه وفي زاوية مكتبه.
الكتب جعلت الأمر سهلاً على الناس أن يتعرفوا إلى ليبلينق في شركة «أرامكو السعودية» التي عمل فيها 18 عاماً حتى تقاعده أخيراً. «ابحث عن شخص منكب على القراءة بينما هو يمشي» لتأخذ عبرة. ثم ستركز عليه، ستجده منحني الرأس، وعينيه شاخصتين إلى صفحة أمامه، بينما هو يسير بطريقة أو بأخرى، إلى وجهته، مقلباً صفحات، ومتخطياً العقبات دون زلة.
«صفحات الكتب هي بداية المغامرات»، يقول ليبلينق مع ابتسامة خجولة على وجهه، كـ «طالب مشاغب». ويضيف «إنني استمتع بتعلم أشياء جديدة. كل يوم هو يوم مدرسي بالنسبة إلي».
صديقه الباحث ديفيد تشانز، يسرد حياة بوب ليبلينق وآثار الثقافة العربية والإسلامية على حياته وكتبه.

من برينستون إلى هيوستن
مرورًا بجدة
كان ليبلينق يدرس في جامعة برينستون عندما تعرف للمرة الأولى إلى الثقافة العربية. ويقول: «كنت أعمل خلال إجازة الصيف في وكالة سفريات أخذتني إلى المغرب بعد حرب 1967م بين العرب وإسرائيل. تعلمت شيئاً بسيطاً عن اللغة والثقافة العربيتين والمجتمع العربي، فقررت أن أركّز على الشرق الأوسط في دراستي الجامعية. درست العربية لمدة عامين، وكانت رسالة الماجستير الرئيسة حول السياسة والإنسان ودورهما في تنمية المناطق الريفية المغربية». ثم أتبع ذلك بسنة دراسية في العلوم السياسية مركزاً في دراسته على الشرق الأوسط، في جامعة شيكاغو. وبعدما أمضى سنتين في الجيش عمل لفترة في صحيفة محلية في ميريلاند، لينتقل بعدها إلى العمل في جريدة «إيجبشين جازيت» المصرية. ويصف ليبلينق تلك الفترة بأنها «بداية علاقة عمل وثيقة دامت 40 سنة مع ثقافة ثرية وحيوية ومبهرة».

في عام 1973م انتقل ليبلينق إلى بيروت للعمل في جريدة «ديلي ستار» اللبنانية، وغطى خلال تلك الفترة، لحظات مفصلية في تاريخ المنطقة بما فيها حرب 1973م، التي شهدت بوادر الحرب الأهلية اللبنانية، وكذلك لقاء القمة بين الرئيس المصري أنور السادات والرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد.

أما إقامته الأولى في المملكة العربية السعودية فكانت غير متوقعة. ويقول: «بعد تسعة أشهر من الحرب الأهلية في بيروت، أغلقت الجريدة، وكذلك أصبحت شقتي وهي في بناية قرب فندق هوليدي إن في وسط بيروت، عرضة للنيران والقصف، لذا قررت أن أغادر لبنان. ثم التحقت مع بعض قدامى الزملاء الصحافيين الذين كانوا يعملون في «ديلي ستار»، بمجلة «إيفينتس» في لندن، وهي مطبوعة جديدة لناشر لبناني». ويضيف: «في غضون ذلك، تلقينا عرضاً للعمل في جريدة «عرب نيوز» في جدة. وكان هذا العرض بمثابة تحدٍ مثير. كان رئيس التحرير الأستاذ جهاد الخازن الذي كان مديري في «ديلي ستار» سابقاً، وقد أصبحنا من المحررين الرواد في عرب نيوز في تلك السنوات».

في عام 1978م عاد ليبلينق إلى واشنطن العاصمة حيث أسس مكتباً إخبارياً لـ «عرب نيوز – الشرق الأوسط». وفي عام 1981م، عمل رئيساً لمراسلي وكالة الأنباء الكويتية في واشنطن لتغطية أخبار البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية.

قبل زواجه في عام 1985م، تحوَّل ليبلينق إلى الاهتمام بأخبار صناعة النفط والغاز، من خلال «خدمة الأطلسي للمعلومات» و«منشورات باشا»، إضافة إلى تحريره دليل تسويق الغاز الطبيعي.

زوجته ليندا هي التي قادته إلى «أرامكو السعودية» وعالمها. ويتحدث عن ذلك قائلاً: «كنت أعمل في الصحافة المتخصصة في شؤون الغاز الطبيعي في واشنطن العاصمة، عندما رأيت إعلاناً عن وظيفة مساعد محرر في مجلة «أرامكو وورلد». أعجبت بهذه المجلة، وتقدمت للوظيفة وتم قبولي، ثم انتقلنا إلى هيوستن». ويضيف: كان عملاً جميلاً. طالما استمتعت بذاك التفاعل بين المساهمين في المجلة، والكتاب، والمصورين، والفنانين. من خلالهم تمكنت من الولوج بسعادة، إلى عالم من المتعة والاكتشاف. والصحافي لا يستطيع أن يطلب أكثر من ذلك». لكن ما دام يسعى إلى الاكتشاف، فهناك أكثر.

18 سنة في شبه الجزيرة
في عام 1994م أتيحت وظيفة في إدارة العلاقات العامة في الظهران. وخلال وقت قصير كان ليبلينق في طريقه إلى المملكة العربية السعودية لإحياء اهتمامه مجدداً بالثقافة العربية والتاريخ العربي والطبيعة. وهو يعترف بأن الأمر هذه المرة، كان مختلفاً تماماً عن كونه فكرة عقلية خالصة. ويقول: «لم أبدأ في التعرف على الثراء الحقيقي لثقافة المنطقة واتصالها بالشعوب في عدة مناطق مترامية الأطراف في العالم، إلا بعد أن عشت وعملت في العالم العربي».

خلال بضعة أشهر، التقى ليبلينق خبير الصحراء في «أرامكو السعودية» الأستاذ قريان الهاجري وما لبثا أن أصبحا صديقين. ويقول ليبلينق: «إن مقابلة قريان الذي كان لديه الكثير لإثراء فهمي عن الحياة الصحراوية والعادات البدوية المهمة، كانت أول معرفة حقيقية واسعة بالبدو الأصليين وبكرمهم».

قاد الفضول ليبلينق إلى دروب كثيرة خلال فترة عمله في الشركة، فكتب عدداً من المقالات في مجلة «أرامكو وورلد» ومطبوعات أخرى للشركة تتناول اهتماماته الكثيرة. ويقول: «كان هناك الكثير مما يمكن أن نتحدث عنه». وكان من بين ما كتب لجمهوره المتنامي من القراء، مقالات في الفن الشعبي والأدب والشرق الأوسط كحلقة وصل في العالم والمعلم الأول لأوروبا وأهمية الطبيعة من وجهة نظر العالم الإسلامي. ويقول ليبلينق: «من الأشياء التي استمتعت بها في كتاباتي في مجلة «سعودي أرامكو وورلد»، إلقاء الضوء على الارتباط بين الثقافة العربية ومعتقدات الشعوب الأخرى وتقاليدها. وعبر إبراز هذه الصلة، أتمنى أن يساعد ذلك في تغيير الصور النمطية الشائعة لدى الغرب عن العرب وعالمهم».

واستناداً إلى معرفته بالثقافة البدوية وعلاقته بشبه الجزيرة وبحثه عن العلاقات المتداخلة، ألف ليبلينق كتابه الأول «Natural Remedies of Arabia» (العلاجات الطبيعية في شبه الجزيرة العربية) الذي فرغ منه في عام 2006م بمشاركة أخصائي الأعشاب دونا بيبردين.

وأثنى النقاد والباحثون على الكتاب بشدة، معتبرين أنه دراسة دقيقة لأنواع العلاج المنتشرة في أنحاء الجزيرة العربية؛ فقد كان مشروعاً طموحاً تم إنجازه مع اهتمام كبير بالتفاصيل. وبحسب أحدهم فإن «النتيجة هي بحث مثير للإعجاب، يحتوي على نص شامل في غلاف مصور وجميل. إنه أسلوب فريد لتناول موضوع يثير اهتماماً كبيراً. هذا المؤلف الذي جاء في حينه يقدِّم معرفة محلية قديمة لطرق العلاج المتاحة في الطبيعة – المغلفة بتقليد شفهي تتناقله الألسن عبر مئات السنين من المعرفة التجريبية – وسمح لها بأن تندثر من الوعي المعاصر لتحل محلها طرق أخرى للعلاج تروج لها شركات الأدوية على نطاق واسع».

ويعترف ليبلينق بقوله: «أنحاز بالطبع للكتاب لأنني أحد المشاركين في تأليفه، ولكنني أعتقد أن هذا الكتاب يساعد على الحفاظ على تراث مهم من طب الأعشاب والعلاج الطبيعي. إنه يشتمل على حقائق عن استخدام الأعشاب العلاجية والمواد الأخرى على مرّ التاريخ، واستخدامه في هذا العصر بواسطة عشائر في شبه الجزيرة العربية، والوصفات التي تدخل فيها هذه الأعشاب والتوابل، والبحث العلمي حول هذه المواد».

في كتابه التالي «أساطير الأرواح النارية: الجن والعفاريت من الجزيرة العربية إلى زنجبار» المنشور في عام 2010م، تعمق ليبلينق أكثر في الموروثات الشعبية في العالم العربي، حيث تطرق إلى ظاهرة الجن التي لم تختف بعد من شمال إفريقيا إلى وسط آسيا، ومن البحر المتوسط إلى جنوب الصحراء الكبرى في إفريقيا.

وعلق عليه أحد النقاد واصفاً إياه بأنه «تصوير رائع لا يمكن إغفاله للتراث الشعبي الثري للعالم الإسلامي». كما سمّاه ناقد آخر بـ «تركيبة ساحرة من التاريخ والتراث الشعبي ومجموعة متنوعة من المأثورات حول الجن تفوق أي عمل سابق تم جمعه في مؤلف واحد».

تقاعد ليبلينق من العمل في «أرامكو السعودية» في فبراير 2012م، وعاد إلى مسقط رأسه ولاية ميريلاند، حيث يواصل بعقله الفضولي، لكز الزوايا ليجد العجب والإثارة. ويقول: «حالياً أنا مهتم بالجيولوجيا، وعلم الحفريات، وعلم الكونيات، والعلاقة المتداخلة بين الثقافات، والأندلس، ومسائل الخيال العلمي في القرن التاسع عشر، وكتابات خورخي لويس بورخيس، وعلم الأنساب».

وشرع ليبلينق – الكاتب المواكب لعصره بكل معنى الكلمة – في إنشاء مدونة ليشارك اهتماماته الكثيرة جمهوراً أكبر. وكتب أول مداخلاته بعنوان «وحوش ابن وحشية» واكتشاف قريان الهاجري لبيضة نعامة أحفورية في الجزيرة العربية. ولا يزال هناك المزيد لنتابعه عن ليبلينق.

أضف تعليق

التعليقات