قول في مقال

العيـش في فقـاعات تكنولوجية

أدى ازدياد الوقت الذي يمضيه الإنسان مع الوسائط الإعلامية التكنولوجية إلى التنبيه من جملة آثار سلبية حقيقية أو وهمية. ومع تطور هذه الوسائط إلى أشكال تجعل المتلقي مشاركاً في صناعتها، سلك التنبيه منعطفاً جديداً في اتجاه التحذير من تفتت الحياة الاجتماعية وتحول الأفراد إلى جزر منعزلة، لا صلة ما بينهم إلا عبر الوسيط الإلكتروني.
محمد العمودي يبدد بعض القلق، مشيراً إلى أن تعدد الخيارات يستوجب السيطرة الجيدة على القرار.

بدلاً من انتظارنا لنشرة الأخبار وسماعها لنعرف من الأخبار الرياضية ماذا كانت نتيجة المباراة التي فاتتنا مشاهدتها.. نستطيع أن نحصل على النتيجة من خلال الاشتراك في نشرة الأخبار الرياضية عبر البريد الإلكتروني.. أو مشاهدة المباراة كاملة بواسطة تسجيلها على جهاز الأسطوانات الرقمي.. وبدلاً من اجتماع العائلة أو الأصدقاء في أمسية الخميس الأول من كل شهر للاستماع إلى أغنية مطربنا الجديد كما كان يفعل آباؤنا وأجدادنا مع أغاني أم كلثوم.. نستطيع أن نسمع ما نريد وقتما نريد أينما نريد بواسطة الراديو الرقمي أو الآي بود.. وبدلاً من تكلف عناء زيارة كل الأقارب لتهنئتهم بعيد الأضحى.. نستطيع أن نمرر رسالة تهنئة واحدة لكل الأقارب عبر الهاتف الجوال.. وبهذا.. أصبحنا نعيش في قوقعة تكنولوجية استمرأنا عزلتنا فيها بسبب السهولة التي سيرت بها حياتنا.. ولكننا نخاف من اللحظة التي تسرقنا فيها سكين الوحدة، فنتلفت حولنا آملين أن نجد حس إنسان.. أو لمسة بشر.

فهل إن خوفنا من التحول إلى جزر منفصلة لا يعرف أحدها الآخر.. وخوف المراقبين للساحة على العلاقات الاجتماعية مبرر أم لا؟

تعدد الخيارات
ووجوب السيطرة على القرار
الوسائط الإعلامية التكنولوجية التي تصل إلينا في هذه الأيام بين فترة وأخرى تختلف عن تلك التي اعتدنا عليها في كونها تمنحنا فرصة اختيار وتشكيل، بل وتصميم ما نود تلقيه من العالم الخارجي في وسط سماه وارن بيرجر الكاتب في مجلة ريدرز دايجست بإعلام الأنا iMedia.. مثل جهاز الآي بود iPod الذي يسمح لنا بالانفصال عن العالم الخارجي والعيش في فقاعة موسيقية أو صوتية من اختيارنا، وجهاز الأسطوانات الرقمي DVR الذي يسجل كل ما نود متابعته من قنوات التلفزيون المختلفة، والمساحات الشخصية التي تتيح حرية التعبير على الإنترنت Blogs والبريد الإلكتروني الذي يسمح لعلاقات صداقة حميمة دون أن يرى أحدهم صاحبه لسنوات، والصحف المخصصة على الإنترنت customized newspaper.

هذه الوسائط لم تنتشر بيننا نحن العرب بالسرعة نفسها التي انتشرت بها في الدول التي أنتجتها. ففي أمريكا وحدها نجد أن هناك 27 مليون نسمة يمتلكون واحداً أو أكثر من هذه الوسائط كما ذكر وارن بيرجر في مقاله. ولكنها تتجه إلى الانتشار بخطى واسعة ثابتة في أوساط الشباب العرب.. الذين يشكلون في دولة مثل السعودية نحو 50 في المئة من عدد السكان. ورغم المخاوف التي يثيرها وران بيرجر والتي بدأت تثار عبر الصحف اليومية العربية والدوريات الثقافية حول حذف هذه الوسائط لعنصر الدفء البشري والمشاركة الإنسانية من تفاصيل حياتنا اليومية.. غير أنني أرى أن هذه المخاوف ليست مبررة إذا نحن توقفنا عن اجترار عقد الاضطهاد والنقص التي تنقض علينا، أو تنشط فجأة في داخلنا إزاء كل جديد لم نعرف بعد أبعاده، فتشوش حكمنا عليه، ونظرنا إلى أبعد من التسلية المريحة الملائمة التي تمنحنا إياها هذه الوسائط. إنها تعطينا شيئاً لم نعتد أن نجده بين أيدينا، وهو الخيارات المتعددة اللا محدودة للمواد الإعلامية التي نود أن نتلقاها كجمهور.. بالإضافة إلى السيطرة والقدرة على صنع القرار فيما نريد أن نتسلى.. نتعلم.. نتأمل.. نفهم.. نعرف.. من خلاله.

العزلة بين الأهل
والانفتاح على الآخرين
وفقاً لطبيعتنا البشرية.. كلما حصلنا على مساحات حرية.. طالبنا بمساحات أكبر.. فلم نعد نقنع بكوننا مجرد مشاهدين معدومي الحيلة يتغذون على تيار إعلامي محدود.. فبدأنا نتلمس مثلاً في المواقع الشخصية على الإنترنت متابعة الشباب العادي للأخبار، ليس كمتلقٍ فقط بل كمصدر لها.. وبدأنا نرى مجلات إلكترونية مجانية يعدها شباب اكتفى بدوره كقارئ لسنوات قبل أن تأتي هذه الوسائط الإعلامية لتحرره.. وبدأنا نشاهد رؤى سينمائية ونسمع أغنيات يكتبها ويلحنها أو يمثلها ويوزع موسيقاها شباب هاوي لا يفكر في احتراف الفن.. ومع أننا نسمع بين الفينة والأخرى عن انعزال الشباب العربي عن أهاليهم، فهذا ليس ناتجاً عن أنهم يريدون العزلة في فقاعاتهم الخاصة ليستمتعوا ببركات هذه الوسائط.. بل إن فقاعاتهم الخاصة اتسعت لتشمل مجتمعاً كاملاً من شباب يشاركونهم اهتماماتهم عبر الإنترنت.. ولكن هذه العزلة عن الأهل ناتجة عن عدم قدرة الأهل على التأقلم مع وضع جديد وعهد جديد.. إن كنا غير مستعدين أو غير ناضجين لتلقي حرية كهذه، فالخطأ لا يكمن في اقتناء وتشجيع هذه الوسائط.. ولكن يكمن في استخدامنا وتعاملنا مع من يقتنيها.

الخطر على التعددية
وتقودنا هذه العزلة الإجبارية التي يعاني منها الأهل والشباب على حد سواء في مجتمعنا العربي إلى عزلة اختيارية يحذر منها بعض الكتاب الغربيين مثل كاس سنستين و واتس واكر حيث يقولان إن قدرة هذه الوسائط على عزل كل ما لا يريده مستخدمها وتقديم كل ما يريده تشكل خطراً على التعددية الفكرية، بل وتقود إلى التطرف في الأفكار والمبادئ. فإذا كنت قادراً على تشكيل المواد الإعلامية التي تريد تلقيها كمشاهد أو مستمع أو قارئ.. فمن الوارد جداً أنك ستلغي كل المواد التي تتنافى مع أفكارك، وبهذا تعزل نفسك داخل قوقعة رأي وليست قوقعة تكنولوجيا.. فلا تعود للتواصل إلا مع من يشاركك الآراء والاهتمامات.. ويجوز أن وجهة نظرهم صحيحة بشكل عام.. ولكني أشك في أنها قد تتحقق بشكل كامل في المجتمع العربي. لأننا لا نستطيع أن نغفل طبيعة هذا المجتمع الذي يتألق أفراده ويزهون بقدرتهم على النقاش أو الجدال بشكل أحرى. وقد لا نستطيع النظر من الزاوية نفسها التي ينظر منها أصحاب الرأي المعاكس لرأينا، ولكننا بالتأكيد نعشق أن نرى أن هناك طرفاً آخر يجرب مجرد تجربة معارضتنا.

الحضور الغائب للأشخاص
تذكر لنا الدراسات أن الشخص الغربي العادي يقضي ما يساوي 10 ساعات يومياً متواصلاً مع وسائط تكنولوجية وهو وقت أطول بالتأكيد من الوقت الذي يقضيه في علاقاته الشخصية مع الآخرين. ويعلق مايكل بول البروفيسور في إحدى الجامعات الأمريكية أن الاستخدام المفرط للوسائط الإعلامية الجديدة خلق حالة اجتماعية جديدة هي حالة الحضور الغائب للأشخاص. فبينما يحتلون الحيز المكاني بأجسامهم، نجدهم غير حاضرين بأرواحهم وأذهانهم. إذ إنهم إما منشغلين بالتحديق في شاشة الكمبيوتر لقراءة ما يهمهم، أو كتابة ما يهمهم، أو محدقين في الفراغ مع سماعات الآي بود في آذانهم. ونتيجة لهذه الحالة، نجد في الكتابات الغربية من يوصي عامة الناس في هذه الفترة الانتقالية من العصر، ببذل الجهد الواعي للخروج من سيطرة العزلة التكنولوجية والاندماج في المجتمع بين فترة وأخرى. ماذا ستكون نصيحتي للعرب إن أصبح معدل تواصل الشخص العادي منا مع هذه الوسائط الإعلامية 10 ساعات يومياً؟ تمسكوا بوجدانكم الجمعي كعرب.. حيث التواصل مع الآخر ضرورة من ضرورات الحياة.. ومع الهوية العربية بكل ما يمثلها من تقاليد وطبيعة ذاتية مختلفة عن طبائع الشعوب الأخرى.. لن نضطر لبذل الجهد الواعي لكسر حاجز العزلة بل سيكون التواصل.. كما كان سابقاً وكما سيكون مستقبلاً.. جزءاً لا يتجزأ من روتين الحياة.

أضف تعليق

التعليقات