حياتنا اليوم

الحب على الطريقة الجزائرية

أعترف أن الرجل الجزائري بخيل في التعبير عن مشاعره للمرأة، وهذا البخل غير مقصود، هو لا يعي بوجود هذه الصفة لديه، والمرأة بطبيعتها تعبيرية، تحب سماع الكلام الرومانسي الجميل، لكنها اعتادت صمته وأخمدت احتياجها إلى كلمات الحب في بهو اليأس، وإذا حدث منه ضجيج جميل قد تندهش ولا تصدق، بل وتشعر بارتياب إزاء اعترافاته.

ربما هذا ما آلت إليه تركيبة الرجل الجزائري في مجتمع أهمل أو تجاهل أهمية التعبير عن الأحاسيس الجميلة للمرأة، ومكانة التواصل والبوح اللذين يفتحان فضاءً أنيقاً من الارتياح النفسي اللذيذ وحديقة ياسمين من التوافق العشقي. أو ربما لأن المجتمع الجزائري على مر الزمن لم يكن لديه الوقت لترصيف الكلمات وخلق قاموس مفردات رقيقة تليق بالمرأة الجزائرية يهديه لها عندما يكون في حالة إعجاب أو حب، ذلك لأنه أمضى وقته في الدفاع عن الوطن من كل أنواع الغزوات التي تصب في جغرافيته.

وهنا أتذكر مقالاً للكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي حيث قالت، على سبيل النكتة، إن الرجل الجزائري مكث إبان الثورة الجزائرية مدافعاً عن وطنه ضد الاستعمار الفرنسي وساندته في ذلك المناضلة الجزائرية، ولتعتيم حالة الانجذاب الطبيعي كانت لغة الحوار بينهما تبدأ بأخي وأختي فأصبح المجتمع الجزائري بعد الاستقلال يتكون من إخوة وأخوات فهذا هو القاموس الذي خلَّفه الاستعمار.

إن تعبير الرجل للمرأة عن المشاعر، مهما كانت صغيرة، مفعولها بمنزلة «الجداول التي تصنع الأنهر العظيمة»، ولا ألوم هذا الجزائري الذي يعاني الخيبة التعبيرية، فهو لم يرث من أجداده سوى لغة النضال والدفاع عن أرضه، وكيف يتمرد على المتحكم به، مهملاً لغة التخاطب عن الحب بين الرجل والمرأة ولم يفكر في تطويرها. على عكس الرجل المشرقي الذي لم يرث كفاحاً تاريخياً جيداً فحسب، بل ورث، أيضاً، قاموساً عاطفياً في فن مغازلة المحبوبة والزوجة.
وإذا أراد الجزائري أن يشاكس عن حب أو يعاقب زوجته أو أخته أو كل أنثى تدور في فلكه، يكفيه أن يغلق جهاز التلفاز على أحد المسلسلات المصرية أو التركية المدبلجة بلهجة شامية مغرية، لتحدث الكارثة في بيته، لأن المرأة الجزائرية تتعطش لسماع كلمات حب، فتظل تبحث وتقلِّب عنها في القنوات المليئة بهذه المسلسلات التي قد تروي ظمأها.

وإذا أراد الجزائري أن يغازل حبيبته تجده يلجأ إلى لغة أخرى ولتكن الفرنسية، بوصفها غنيمة حرب، وما تحويه من مفردات أنيقة، وكم هو رائع هذا الجزائري في حبه بلغة «فولتير»، وكم هو مبدع في اقتناء أرق الكلمات وأعذبها مذاقاً إلى قلب المرأة بعدما عجزت اللهجة الجزائرية عن مواكبة تطور مفردات العشق وفي التعبير عن الحب! أما إذا لم يجد الجزائري غير لهجته للتحدث عن مشاعره، فلا تفوِّتي أيتها الجزائرية فرصة التأمل في وجهه، إنها مناسبتك للنيل من عينيه اللتين أرهقتاك إرهاقاً جميلاً، فالحب يستحق العناء، ستجدين وجهه يتصبب عرقاً، وهذا ليس خجلاً ولكن بسبب الكبرياء، فالاعتراف بالحب عند الجزائري مسألة كرامة، إنها لحظة انعدام توازن أمام إعلانه عن حبك، والفاصلة بين البوح والشعور تشعره بخلل في رجولته، كأنه فقد شيئاً منها لأنه أظهر ضعفه، وربما لو خيَّروه بين الاعتراف بالحب والحرب لاختار جبهة الحرب!

نعم، سيفضِّل مقاومة الاحتلال على الاعتراف باحتلالك لقلبه، ورغم ذلك فالجزائري كائن عاطفي جداً، وحينما يكون في حالة حب فهو عملي يقدم الفعل قبل القول ليبرهن عن حبه. فانتظري أيتها الجزائرية أدوية الصداع العشقي بدل الكلمات الشافية للصداع!

تمنيت بعد هذا التلاحم الكوني، وعصر الفضائيات، وتعدد اللهجات، أن ينتبه الجزائري ويتعلم ويملأ قاموسه بمفردات الحب. وفي كل مرة أزور الجزائر أجد قائمة من مصطلحات جديدة في اللهجة الجزائرية أحرص على تدوينها وفهمها وحفظها ثم أصعق لما أكتشف معانيها، فمفردات الحب لم تتطور كثيراً وحتى البدائل عبارة عن شفرات سرية لا يفهمها إلا الجيل الجديد. وهكذا تظل لهجتنا تعاني إفلاساً عاطفياً ولغزاً محيراً حتى إذا أُحدث صوت وأناب عن الصمت المعهود يصعب حله.

ندى مهري
شاعرة وقاصة جزائرية

أضف تعليق

التعليقات

youssef l mkodi

هذا هو الجزائري المبدع و الشهم .