حياتنا اليوم

فايز محمود أبّا..
ذاكرة لجيل علّق على رقبته جرس

  • sitting man color

نشأ على قيم التواضع والنُبل والشهامة، وروح الإيثار في حي «المسفلة» الشعبي بمكة، الذي كان يعج بالثقافة على بعد أمتار من الحرم الشريف. يصغي إلى محدثيه بصدر رحب، ووجه لا تفارقه الابتسامة. رجل ابتعد عن المظاهر والتكلف هروباً منهما، وربما احتقاراً لهما، همه هو الوصول إلى الجوهر، وتحفيز المبدعين، وتهذيب قواعد إنتاج الفكرة بنزع قشور الزيف، ولا يهتم كثيراً إن كان نزعها سيسبب الألم أو الإزعاج لمن تنزع عنه. يقول ما يقصد ويقصد ما يقول.. إنه الأستاذ فايز محمود أبّا الذي انحاز إلى الفن، وأصبح ذاكرة لجيل علق على رقبته جرس، الذي يتناول خالد الطويلي سيرته في هذا المقال من واقع معرفته وبعض مجايليه به، ويسلط الضوء على جوانب من حياته وشخصيته.

بدأ فايز محمود أبا الكتابة منذ شبابه أوائل السبعينيات الميلادية، حينما كان يبعث من مكة المكرمة بمراجعات لإنتاج أدباء النهضة كالعقاد وطه حسين والمازني، ومتابعات للأدب المهجري أدهشت محرريه لأنه اتضح لهم بأنه سابق لسنه في نضجه الثقافي. وأصبح فايز واحدا من قلة في المشهد الثقافي السعودي ممن تمكنوا من الأدبين العالمي والعربي بشقيه التراثي والمعاصر.

عمل محاضراً في اللغة الإنجليزية في كلية التقنية بجدة قبل تفرغه للصحافة في عام 1989م، ولكن مقدرته العالية في اللغة العربية جعلت الكلية تكلِّفه بتعليم اللغة العربية أيضاً على الرغم من كونه غير متخصص فيها أكاديمياً. وحينما اتجه للعمل في الصحافة السعودية الصادرة باللغة الإنجليزية، التقيت به لأول مرة بمحض الصدفة في مركز التدريب الخاص بالشركة السعودية للأبحاث والنشر، التي تنشر مجموعة من الصحف والمجلات السعودية، ومنها عرب نيوز التي اتجهنا للعمل بها.

كان مظهره غير متسق مع باقي المتدربين شكلاً وسناً. كنت أحدق فيه وأراقب بسماته الاستقرائية وأحياناً ضحكاته المجلجلة محاولاً استنباط هويته وسبب وجوده معنا. رؤساء التحرير من مختلف مطبوعات المجموعة خلال فترة التدريب كانوا يلقون علينا محاضرات في الكتابة الصحفية والأساليب والزوايا، ولكنَّ كثيراً منهم، مثيرين لدهشتي، كانوا ينظرون إلى فايز ثم يلقبونه بالأستاذ، فأصدرت عليه داخل نفسي مجموعة من الأحكام المسبقة، تهاوت جميعها بمجرد انطلاق الأحاديث بيننا، وتعلمت منه فوراً أول درس من سلسلة دروس مهمة لم يبخل علي بها كما كان يفعل مع كل الشباب الذين احتكوا به.

وبعد أن عملت معه في عرب نيوز، اكتشفت أنني في حضرة كنز معلوماتي نادر، قد نجوت بأعجوبة من لسانه البتار، وبات اسمه لدي كما يعرفه محبوه: «الأستاذ». فكنت كاتباً صحفياً محظوظاً بأن تقاطعت سبلي مع رجل تفيض أعماقه ثقافة وحرية. كان في طلائع هواجسه أثناء عمله في عرب نيوز نقل نبض الشارع المحلي إلى تلك الصحافة التي لم تكن تولي اهتماماً بالحياة اليومية المحلية بتحقيقات وقصص خبرية من الشارع، كان فايز ينتجها ببراعة، بعد أن خلع وهم نخبوية المثقف، وحطم أبراجه.

يقول عنه صديقه المقرَّب، الروائي محمود تراوري: «في ظني أن للتكوين المكي الأول لفايز دوراً في تأسيس موازنة بداخله وعدم إصابته بثؤلول العجرفة والطاووسية. فقد تلقى تعليمه في مدرسة الفلاح بمكة، إضافة إلى تتلمذه كما هي عادة المكيين في ذلك الزمان على يد عدد من علماء وحلقات المسجد الحرام، التي دائماً ما يرجع إليها فايز الفضل في معرفته العلوم العربية والشرعية والتراث».
وبعد إتمامه المرحلة الثانوية التحق بكلية التربية فرع جامعة الملك عبدالعزيز بمكة آنذاك (قسم اللغة الإنجليزية) ونال درجة البكالوريوس عام 1978 م بعد أن سجل تفوقاً أهلَّه لمواصلة دراساته العليا في جامعة الملك عبدالعزيز حيث بدأ في إعداد أطروحة الماجستير عن أدب الكاتب الإنجليزي (سومرست موم)، ولكنه لم يتمها لخلاف دبَّ بينه وبين مشرفه في الجامعة.

وهنا تتجلى شخصية فايز التي يعرفها عنه الوسط الأدبي، وهي عدم اتساقه مع المناخات الصقيلة، وتمسكه الصارم الثابت بمبادئه وقناعاته، ورفضه التنازل والانحناء. فهو يقول: (الطيور لا تغرِّد داخل القفص)، فهو لا يرى المثقف إلا طائراً حراً.

قبل بضع سنين، أصاب الحزن كل محبي فايز ومتابعي أعماله الثقافية، حين أصيب بجلطة دماغية أفقدته القدرة على الكتابة، وإن لم تفقده شخصيته القريبة إلى النفوس، وقدرته على متابعة الحراك الثقافي العربي والدولي، في تماسك يذكر بتماسك حبات الطوب التي كان ينتجها مصنع جدّه محمد أبا أحد أوائل من أنشأوا مصانع الطوب في مكة قبل أكثر من نصف قرن.

وعبَّر محمد عسيري في توصيف ذلك المصاب: «لم يشعر أحد أنه كان يذوب كفتيل فانوس معلَّق على مدخل بيت عتيق يجلس تحت ضوئه زائر الليل القادم من البعيد يصدح بقصيدة الغربة التي سكنت قلبه. لم يشعروا بأنينه المدفون في ضحكته العفوية، ولكنه كان يعلم أنه مسافر وحان رحيله. خانه المرض وأسقطه ليسقطنا معه كحبات عنب منفية من فجر كرم تنصل لطينه، ومائه، وحارسه».

عمل فايز في صحيفة عرب نيوز، ثم صحيفة سعودي جازيت الصادرتين باللغة الإنجليزية، وكانت آخر محطاته الصحافية صحيفة الوطن منذ مرحلة التأسيس عام 1999م، ثم انتهى به الأمر مستقيلاً عام 2001م بعد أن رأس فيها قسم الترجمة.
وطيلة هذه الفترات اشتهر منزله كمنتدى ثقافي، تميز أكثر بانفتاحه على الشباب والناشئة الذين يجدون عنده تواضع المثقف وإنسانيته، وهي المرتكزات الأساسية التي تحدد قسمات فايز ورؤيته الأمر الذي أكسبه احترام الكل حتى أولئك الذين لا يروق لهم.

ويصفه تراوري وصفاً دقيقاً يقول فيه: إنه صريح في أدب، سليط لسان بنبل، لماحته مدهشة، وحدته يمررها بحب تخالطه ابتسامات صافية. كما يقول عنه الكاتب (عواض العصيمي) – أحد من مروا على فايز في خطواتهم الأولى بدرب الأدب: (الناقد فايز أبا… يقبل إليك بحديثه وصوته الخفيض فتشعر بعمق الزمن، وتحس كما لو أنك كنت تنصت له منذ زمن طويل وليس اللحظة. لطفه وبشاشة محياه تستقبلانك قبل الباب وتجلسانك بتهذيب شديد بالقرب منه. لم أشاهده عابس الوجه، ولم اسمعه غليظ الصوت. كان إلى جانب محاولاتي في الثمانينيات كما لو أنه يخشى عليها من الذبول السريع في وسط ثقافي لم يكن يعترف إلا بالمشاهير.

أما في كتاباته ومتابعاته النقدية فتتضح رؤيته النقدية في قوله في حديث صحفي سابق نشرته صحيفة الرياضية (المنهج الذي أميل إليه، منهج تاريخي يبحث في علاقات الإنسان.. علاقة العام بالخاص)، وكان دائماً يرى (أن النقد مرحلة تحتاج إلى كثير من الأدوات، وكماً معرفياً هائلاً وفي جميع الاتجاهات والعلوم الإنسانية التي تتعامل مع الثقافة بمفهومها الأنثروبولوجي الشامل).

وعبر هذه الرؤية تمكَّن فايز من اجتياز المأزق الذي وقع فيه عدد من الكتَّاب والنقَّاد في فترة الثمانينيات عندما أسرفوا في مصادرة وتهميش المخالفين لهم من التوجهات الأدبية الأخرى. وظل صديقاً للجميع لأنه ينطلق من موقف فلسفي يؤكد على ضرورة إعلاء فكر وثقافة الرأي والرأي الآخر ضمن أطر التحضر والتسامح والأدب.

وأكثر جانب يذكر في نتاج فايز اهتمامه بالأدب الأجنبي، خاصة في شقه اللاتيني، حيث أسهم طيلة فترة الثمانينيات في تقديم عديد من النصوص والأسماء الأجنبية بعد أن ترجمها وعرف لها، وكان من أبرزها (ضفة النهر الثالثة) قصة البرازيلي غوريماس روزا ونصوص جوزيه أيالا وأغستو دالمار. وفي هذا السياق يشار إلى كونه أول من نقل كتاب الروائي الفرنسي (كونديرا) عن فن الرواية إلى اللغة العربية، ولكن انعدام حركة الترجمة في السعودية وانصراف الأندية الأدبية عن الأدب الأجنبي حال دون طباعة الكتاب حتى طبع عقب ذلك في أكثر من بلد عربي، بعد أن كان فايز قد نشر جزءاً كبيراً منه في زاويته الأسبوعية بصحيفة البلاد (من يعلِّق الجرس)، كما ترجم أعمال عدد من القَصَّاصين السعوديين إلى الإنجليزية. وأنجز دراسة شاملة عن القصة الحديثة في السعودية بالثمانينيات حاول خلالها إيجاد صلة بين الطفرة الاقتصادية وما ساد تلك القصة من اغتراب. وفي هذا السياق يرى بعض المتابعين أن فايز الاسم الأجدر ترشيحاً لتناول القصة السعودية، بحكم معرفته بفسيفساء الواقع المحلي، وإسهامه في خدمة الثقافة الوطنية، ومشاركته في صناعة الأدب الجديد، بكل حب نزيه، وصمت أبي وابتعاد عن الزيف والادعاء.

وصفه الناقد حسين بافقيه، بأستاذ الجيل داعياً إلى تكريمه وآملاً أن نكون أوفياء لمن كابدوا الصعاب من أجل ثقافتنا وفكرنا وأدبنا، وطالب بأن يكون تكريمه بالتعريف بسيرته، وجهاده الثقافي، والفحص عن أصالته الأدبية وبصيرته النقدية. وشبه بافقيه، الناقد فايز أبا بالفلاسفة الشفاهيين في الفلسفة اليونانية، موضحاً أن تأثيره في مريديه وأصدقائه طاغٍ من خلال مقالاته وترجماته، وهي أعمال عميقة، لافتاً إلى أن حضوره بين الناس وفي الناس أشد أثراً، جُبل على أصالة التفكير، وعمق النظر، وخفة الروح، وكان له بصيرة نافذة حين يقارب قصيدة أو نصاً أدبياً، وقد اصطلح فيه فكر الغرب وتراث العرب، ولم يصب بأدواء الحداثة، حين تنكَّر نفر من منتحليها للتراث، لأن جِبلَّته تحول دون ذلك.

أضف تعليق

التعليقات