حياتنا اليوم

التقنيات الذكية.. هل إثمها أكبر من نفعها؟

ربما حمل عنوان هذه المقالة مقاربة مختلفة ومغايرة لما نقرأه عادة عند الحديث عن تقنية جديدة أو تغير تقني ما, حيث يكون الحديث الإيجابي والمستبشر بسبق جديد ييسر ويسهل حياة الإنسان هو الغالب والمهيمن على وجدان الناس, ويقترح العنوان هنا احتمالية أخرى يحاول من خلالها أن يناقش وينبه إلى فكرة تقول: إنه ليس كل جديد -بالضرورة- لابد وأن يكون إيجابياً دائماً ومفيداً على أي حال.

فمن الملاحظ والمشاهد أن عصرنا الحالي (منذ الثمانينيات الميلادية تقريباً) فاق العصور السابقة التي نعرفها في نوعية التطور وفي سرعة ذلك التطور كذلك، فقبل قرن من يومنا الحاضر كانت التقنية تحتاج لمائة وخمسين سنة كي تتجدد ويظهر جيلها الثاني, في حين أن التقنيات تحتاج اليوم إلى مائة يوم فقط! حتى تبدأ دورة جديدة من التقدم والتوسع وتتوالد الأجيال سراعاً واحداً تلو الآخر. وما شأن حمى الهواتف الذكية بألوانها وأشكالها المتجددة كل شهر عنا ببعيد. إن عمر التقنية الآن قصير جداً، نقول شكراً لقانون مور الذي فسر مثل هذا الظاهرة ونظّر لها, ولعل النظرية لها من اسمه نصيب ولو لفظياً، فكلمة «مور» بالإنجليزية تعني مزيداً، وعلاقة مور بموضوعنا حكاية أخرى ليس هذا المقال مجالها.

آخر ما ولد في معامل التقنية من تقنيات هي فكرة «إنترنت الأشياء», هذه الفكرة تعيد صياغة كل شيء من حولنا، تضفي لكل شيء روحاً جديدة، روح تقنية. تبث في كل شيء حولنا الحياة فيغدو كالكائن الحي، يستقبل ويستجيب. كل شيء، أعني بذلك النظارة والقلم والسبورة والكاميرا وحوض زراعة النباتات وحتى الكتاب! والمتابع يمكن أن يوافق على أنه بقدر تغلغل التقنيات الجديدة التي تستهدف راحة البشر, فإنه يلاحظ أن إدراكنا لكل شيء من حولنا بات له طابع الاستجابة السريعة والآلية, وهذه الاستجابة قد تلغي وظيفة العقل والإدراك عند البشر، فيتصرف بطريقة آلية هو الآخر، بلا وعي ولا إدراك، وهنا مربط الفرس في تساؤلي الذي يثيره عنوان المقال, فبمثل هذه التقنيات ينتقل التفكير دوماً إلى اللاوعي فلا فهم ولا إدراك وعقل. وبالطبع لا يفوتني أن أذكر بأنه لا يسعني أن أنكر بأن مثل هذا السلوك هو نعمة للإنسان، وإلا بدونها فلن ينعم بسهولة الحياة وسيصبح عقله مشغولاً بكل شيء، من أتفه الأشياء إلى أعظمها، ولاشك فإن غياب اللاوعي يسبب إرهاقاً شديداً وحملاً ثقيلاً على كاهل البشر وعقولهم. إن الخطورة في رأيي هي انعدام الوعي والإدراك لمثل هذا المفهوم، حيث من المتوقع أن يقود غيابه تدريجياً, شيئاً فشيئاً, إلى أن تجد الإنسان منا يقوم بأعمال متعددة في آن واحد, يقود سيارته ويتحدث بهاتف, ويفكر في وجهته التي هو يقصدها بلا تركيز وانتباه كافٍ.

ومع الوقت تضمحلّ قوة إدراكه ورغبته في تسيير حياته وفقاً لوعيه, وهذا ملاحظ, كم مرة تعود إلى شاشة هاتفك لتفقد الرسائل الجديدة؟ هناك فوبيا يسمونها الخوف من أن يفوتك شيء, FOMO, fear of missing out, وفي ظني أن الإنسان بدون وعيه ومتابعته لمهمات الأمور لا يغدو إنساناً, فهو أقرب إلى الإنسان الآلي الذي قد يسير بلا هدى, ووفقاً لأوامر تُملى عليه بدون وعيه.

وهنا تظهر أيضاً أخرى مرتبطة بحديثنا، وهي مسألة الاستهلاك والإنتاج, استهلاك الأشياء أسهل وأقرب, أن تقرأ أو تأكل أو تستمع -غالباً- ليس بصعوبة أن تمسك القلم وتكتب شيئاً, أو أن تبرمج, أو ترسم وتنتج وتصنع شيئاً من اللاشيء. وإن الاستهلاك المفرط يكلُّ معه العقل, ويفقد قدرته على التفاعل والتفكير والتحليل, لأنه يستسلم لكل ما يواجهه, فلا يتساءل ولا يناقش ولا يجادل الفكرة حتى يقتنع بها، وهذا مجرب، بخلاف الإنتاج ففيه خيارات وقرارات صغيرة وتجارب وتفكير, كلها نشاطات تشحذ العقل وتقوِّيه وتنمِّيه وتوجد فيه مسارات جديدة مضيئة تنير الأفكار من تلافيفه. فالواجب أن نتأمل في الحال, هل نستهلك أكثر مما ننتج؟ السؤال يبقيك حياً، ويفتح لك من الآفاق والفرص ما لا تعطيه لك إجابة ما، يقول الأديب السعودي عبده خال: «السؤال يمنحنا جناحين للتحليق بعيداً, أما الإجابات فهي شَرَك, نظل بقية العمر نحاول الفكاك منه».

واختصاراً، فإنني أخشى أن يكون كل هذا التبشير بعالم ذكي هو دعوة لتحويل غالبية البشر إلى كائنات آلية تسير دون وعي, أي تُحوله إلى كائنات لا تتحرَّك ولا تفكِّر ولا تتعلم ولا تبتكر ولا تتطور بوعي وإدراك. وأن تغدو مصطلحات الذكي والمريح والسهل لها أثر التخدير، وفي عقولنا وأفكارنا، فننسى قيمتنا الأساسية كبشر في إعمار الأرض وبنائها على الحق، ومقالي في مجمله دعوة للاستهلاك بوعي والتفاعل بالعقل والعاطفة معاً. فنحصد ثمرات التقنية ونزرع الخير في أنفسنا وفي نفوس البشر, ونعمِّر هذا الكوكب البديع الجميل المسخر لخدمتنا حتى يرث الله عز وجل الأرض ومن عليها. وكما قال ستيف جوبز في خطابه لخريجي جامعة ستانفورد: «ابق متيقظاً، وابق متسائلاً»، فهذا ما يفرق البشر عن غيرهم.

أضف تعليق

التعليقات