مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
2023

في الذكرى الخمسين لرحيل طه حسين
“الأيام” تتجاوز اختبارات الزمن


عزت القمحاوي

يوافق هذا العام مرور خمسين سنة على رحيل طه حسين، وإحساسنا العام بأن عميد الأدب العربي لم يغادرنا. فاسمه لا يزال حاضرًا في المحافل الأدبية وكأنه بيننا، فهو المفكر المبدع، وصانع السياسات الثقافية والتعليمية، والمؤسس للجامعات وللقيم الجامعية. وللمناسبة، شهدت الساحة الأدبية العربية صدور عدد بارز من الكتب حول طه حسين وأعماله مع توقف لافت للنظر أمام سيرته “الأيام”، أحد أشهر الكتب في الأدب العربي.

قلَّما تجد شعارًا ثقافيًا استقر في الضمير والوجدان الشعبي العربي مثلما استقر شعار طه حسين “التعليم كالماء والهواء حق للجميع”، ولا سيَّما أنه لم يكن مجرد شعار أطلقه مفكر منعزل قال كلمته ومضى، بل سياسة خطّها طه حسين وعمل على تنفيذها من خلال مواقعه الإدارية، ونجح في جعلها واقعًا عام 1951م حين كان وزيرًا للمعارف المصرية؛ ولهذا المنجز استحق بامتياز أن يكون أحد رجال “التنوير”.

وقد أبرز المصور الفوتوغرافي فان ليو جوهر “رجل التنوير”، في لقطة يشعّ فيها الضوء من جانب وجهه وكل رأسه، بينما يرزح الجانب الآخر من الوجه تحت ظلام لم يستسلم له الرجل. وصار ذلك البورتريه أيقونة تُلخِّص عميد الأدب العربي، وتصف منجزه بأكثر مما يمكن للكلمات أن تصفه.

وفي الذكرى الخمسين لرحيله، صدر عدد من الكتب من أبناء وحفدة نتاجه ومدرسته تتناول جوانب عطاءاته المتعددة في درس صافٍ ورصين، وفي احتفال حقيقي وعفوي. إذ إن تأليف كتاب هو عمل فردي، لا نظام ولا تنسيق فيه. كما أن الكتب أطول عمرًا وأوسع أثرًا من الندوات والمؤتمرات. والقاسم المشترك في كل هذه الموجة من الإصدارات عن طه حسين هو تناولها لسيرته “الأيام”.

أما زلنا مُطالبين بالدفاع عنه؟

بدأ تواتر كتب ذكرى طه حسين قبل سنة من المناسبة. إذ أصدر مهدي شاكر العبيدي كتابه “طه حسين بين أشياعه ومخالفيه” عن هيئة الكتاب المصرية. كما أصدر إيهاب الملاح “طه حسين.. تجديد ذكرى عميد الأدب العربي” عن دار رواق بالقاهرة.

ثم أصدر الدكتور ممدوح فراج النابي كتابه “استرداد طه حسين” عن دار خطوط وظلال بالأردن، وسؤاله المركزي: هل ما زلنا مطالبين بالدفاع عن طه حسين اليوم؟ وفيه استعاد معارك العميد وأجواءها السياسية والأدبية؛ ليخلص إلى أن الدافع الأساس وراءها يتوزع بين الغيرة المهنية والدوافع السياسية. إذ انطلقت الحملات على طه حسين مبكرًا من زملاء منافسين طوى الزمن معظم سيرهم وأبقى على سيرته، وانتهت الملابسات السياسية التي أفسحت المجال لهذه الحملات، بينما بقي الحق في السؤال كشرط أساس لتقدم الأمم.

ويتوقف النابي أمام سيرة طه حسين “الأيام”، لافتًا إلى أن صاحبها بدأ نشره في عمر السادسة والثلاثين، وهو عمر صغير على كتابة السيرة.

نصٌ هو ابن الإملاء

واستهل الدكتور أيمن بكر عام المناسبة هذا بكتابه “هوامش العميد.. ملامح التجربة المعرفية عند طه حسين” الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. واختار بكر قراءة طريفة لفكر العميد من خلال إهداءات ومقدمات وخواتيم كتبه وإشاراته العابرة داخل النصوص، متخذًا من هذه “الهوامش” وسيلة لقراءة عقل طه حسين وروحه. ومن بين ما يتوقف أمامه مقدمة كتاب العميد “صوت أبي العلاء”، حيث يبدو صوت أبي العلاء وصداه طه حسين، وأيضًا ما لقيه شاعر المعرة من إنصاف بعد إجحاف، وكأنه المثال الذي سيتحقق للأخير بعد وقت طويل، فالمقدمة تبدأ هكذا: “العالم العربي كله يذكر أبا العلاء هذه الأيام، ذكرى محب له، معجب به، والعالم الغربي يشارك في هذا الذِكر الذي يملؤه الحب والإعجاب”.

وفي كتاب “بصيرة حاضرة.. طه حسين من ست زوايا” الصادر عن مركز أبوظبي للغة العربية، يتناول الدكتور عمَّار علي حسن أعمال طه حسين من زوايا: المنهج والنص والذات والصورة والموقف والأفق. ويحاول تقديم سردية متماسكة عن الرجل. وبحسب عمَّار، فالمسافة الزمنية بيننا وبين طه حسين تعني أن نصه اجتاز اختبار الزمن بنجاح. وأولى خصائص ذلك النص أنه ابن الإملاء، لا ينشأ إلا في حضور المستمع، وهذا يعني أن ما بين أيدينا هو “حديث طه حسين لا كتابته”. ويعتبر عمَّار أن هذه مسألة جوهرية عند النظر إلى نصوصه.

طبعات جديدة

أصدرت الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية، مؤخرًا، عشرين كتابًا من أهم كتب طه حسين الإبداعية والفكرية.

كما تستعد دور نشر خاصة لإصدار طبعاتها من مؤلفاته. وهذه ظاهرة حدثت سابقًا مع كتب العقاد، عند تمام خمسينية رحيله عام 2014م. إذ تشعر دور النشر الخاصة بحريتها في إصدار الكتب بعد أن تحولت إلى ملكية عامة. فجانب من أسباب الظاهرة هو الرغبة في الربح، لكن الجانب الأكثر تعقيدًا يتعلق بالصعوبات القانونية. فبعض الراحلين تكبّل كتبهم تعاقدات قديمة مع دور نشر تدهورت، فلم تعد تقوم بواجبها في العناية بإعادة نشر الكتب وتسويقها، ولا تدع غيرها ينشرها. وبعض المشكلات ينبع من أسر الراحلين أنفسهم لأسباب مختلفة.

ويقع كتاب “الأيام” في صميم سردية عمَّار عن طه حسين. إذ يروي الكاتب ذكرياته عن تلقيها في المنهج الدراسي ومحاولات معلميه قراءتها باجتهاد يحترم بلاغة العميد. ويعتقد أنها تظهر القدرات السردية لطه حسين أكثر مما تظهره أعماله الإبداعية الأخرى مثل: “دعاء الكروان” أو “المعذبون في الأرض”. كما تُعد هذه السيرة نموذجًا لمشافهة طه حسين. ويتوقف صاحب كتاب “بصيرة حاضرة” أمام الضمير الذي استخدمه طه حسين لرواية سيرته؛ فهو لم يشأ أن يعبر عن ذاته بضمير الأنا، بل ضمير الغائب، مشيرًا إلى نفسه بصفة “الفتى”.

بدأ تواتر كتب ذكرى العميد قبل سنة من المناسبة، فتحدث العبيدي عنه بين أشياعه ومخالفيه، وجدد الملاح ذكراه، واتخذ بكر وسيلة لقراءة عقله وروحه.

استعادة الثقة بذكرى البدايات

التوقيت المبكر لكتابة “الأيام” الذي لفت نظر النابي، استوقف كذلك الدكتور صبري حافظ، وقد عايش “الأيام” سنوات يُدرِّسها لطلاب الدراسات العليا في جامعة لندن. ويتتبع حافظ تواريخ نشر الأجزاء الثلاثة من السيرة ليثبت أن طه حسين كتب كلًا منها عقب محنة كبيرة، وكأنه يعيد لنفسه الثقة ويتخذ الدعم من تذكر بداياته. إذ إن المسافة شاسعة بين طفل أعمى في قرية من قرى الصعيد، وبين ما حققه الشاب فالكهل من إنجازات وما خاضه من حروب.

ابنته تقرأ له في مكتبته.

وبخلاف جيل الأحفاد (ممدوح النابي، وأيمن بكر، وعمَّار علي حسن)، يُعد صبري حافظ من جيل الأبناء. فقد عرف العميد شخصيًّا، وزاره في بيته “فيلا رامتان” الشهيرة أكثر من مرة. وقد أصدر وحده كتابين هذا العام، أولهما عن دار “منشورات سشات” بعنوان “طه حسين.. ذكريات شخصية معه” ، إذ كتبه من وجهة نظر ذاتية حميمة، مؤكدًا أن مسيرته الذاتية في التعليم كابن لموظف بسيط كثير العيال، لم تكن ممكنة إلا بفضل المجانية التي بدأها طه حسين. كما توقف مطولًا أمام “الأيام” بوصفها إلهامه الكبير، لأنها تمنح الأمل في قدرة الإنسان على صنع مصيره مهما كانت العقبات، وقد جعلته يتطلع إلى خوض المسار ذاته بالتوجه إلى الدراسة في الخارج، وإن جعلته المصادفة يتابع دراسته في إنجلترا وليس في فرنسا كطه حسين.

أمَّا الكتاب الثاني لصبري حافظ، فقد صدر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة تحت عنوان “طه حسين.. الإنسان والمشروع”، ويقدم فيه دراسة وافية عن الوجوه الثقافية لطه حسين، من دون أن يقاوم إغراء العودة إلى “الأيام” والوقوف أمامها مطولًا، من زاوية دوافع كتابتها، ومن زاوية قيمتها في ميزان النقد الأدبي. إذ يعتبرها بداية مبكرة لاتجاه “ما بعد الاستعمار” في كتابة أبناء المستعمرات السابقة.

إجمالًا، تبدو هذه الكتب الجديدة في منطلقاتها الفكرية والعاطفية، وكأنها تحقيق لأمنية طه حسين المضمرة في مقدمة “صوت أبي العلاء” بأن ينال تذكر المحبين المعجبين. وقد لمعت وسط الذكرى سيرته التي تشرع أبواب الأمل أمام كل ضعيف يعاني إعاقة من أي نوع. وهل تمضي الحياة بلا إعاقات؟!

الرجل الذي عاش يطرح الأسئلة، تبدو حياته نفسها مجسدة في “الأيام” جوابًا لكل من ينتابه الشك في مستقبله، وتقول له: “بل تستطيع”.


مقالات ذات صلة

يتخذ المعتزل هيئة البعيد عن الجماعة، رافضًا متبرئًا من خطاياها ونواقصها، يهندس عزلته ويأسه بعيدًا عن ثقافتها. وقد يبدأ من أصغر حلقات المجتمع، فيسفّه الانخراط فيها، وينأى عن مواصلة الوجود عبر سلالتها، برفض الزواج أو الخروج على الأسرة.

قبل عدة عقود من تاريخنا الوطني، وقع حدثان مختلفان في الشكل، متكاملان في الدلالة. يتحقق بُعده الفلسفي بشروط ثلاثة أساسية كلها، فلا بُدَّ من أن يكون غير متوقع، وأن يكون أثره عميقًا وشموليًا.

بداية، إن غياب القصة القصيرة عن الواجهة الإعلامية في المملكة لا يعني غيابها عن الواقع الأدبي، فهي حاضرة بقوة ومستمرة بغزارة. وفي مقابل الأسماء التي توقفت عن كتابة القصة القصيرة أو تحولت إلى الرواية، ظهرت أسماء جديدة تفوق في عددها أولئك، واستمر عدد من الكتاب السابقين في مواصلة إنتاجهم، فزاد حجم المنتج من المجموعات القصصية بصورة موازية ومقاربة لحجم المنتج الروائي.


0 تعليقات على ““أيام” طه حسين واختبار الزمن”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *