مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
نوفمبر - ديسمبر 2023

العلم خيال

مفاجآت السماء


ياسر أبو الحسب

في عام 2077م، شهد معظم سكان أوروبا كرة نارية تتحرك في عرض السماء، ثم سقطت كتلة تُقدّر بألف طن من الصخور والمعادن بسرعة خمسين كيلومترًا في الثانية على الأرض في منطقة تقع شمال إيطاليا. وفي بضع لحظات من التوهج دُمرت مدن كاملة، وغرقت آخر أمجاد فينيسيا في أعماق البحار.

600 ألف شخص لقوا مصرعهم، إضافة إلى خسائر مادية تُقدّر بألف مليار دولار، غير أن الخسارة في التاريخ والعلوم والفن فاقت كل الحسابات. بعد ذلك قرَّر البشر أنهم لن ينتظروا بعد الآن مفاجآت السماء غير السارّة، فبدؤوا بتنفيذ مشروعهم الوقائي: “حارس الفضاء”، الذي أثبت جدواه على نحو ما.

رغم أن تلك الأحداث المستقبلية هي جزء من رواية خيال علمية مثيرة جدًا، وهي رواية “موعد مع راما” (1973م) لكاتب الخيال العلمي البريطاني العظيم “آرثر كلارك” (1917-2008م)، ولكن إذا تمعَّنت في الحدث فلن تجده بعيدًا عن الحدوث فعلًا. بل حدث في الواقع ما هو أقسى منه، وما انقراض الديناصورات منّا ببعيد. وحينها لم تنقرض الديناصورات وحدها، بل ترجّح معظم التقديرات أن 90% من الكائنات الحية لقيت المصير نفسه، وذلك عندما اصطدم كويكب بالأرض على شبه جزيرة يوكاتان التابعة اليوم للمكسيك. وقد أشارت التقديرات أيضًا إلى أن قطر ذلك الكويكب بلغ 10 كيلومترات.

احتمالٌ ضعيف بنتيجة كارثية

مثل هذا النوع من الكوارث يمكن بالفعل أن يؤدي إلى تبعات عظيمة كما نتوقع، وأكثرها كارثية بالتأكيد، سوف تفنى أعداد كبيرة من البشر جرَّاء الاصطدام الهائل، فيما لو حدث ذلك في مكان مأهول بالسكان، هذا بخلاف مليارات المليارات من الخسائر المادية في البنية التحتية للدول المتضررة. وقد يؤدي الأمر إلى تغير جذري في المناخ بصفة عامة، مما يؤدي في النهاية إلى التأثير المباشر في البيئة الحيوية للأرض، وذلك إذا ما انتشرت ذرات الغبار في طبقة “الإستراتوسفير”، وهي الطبقة الثانية من طبقات الغلاف الجوي، الأمر الذي قد يعيق أشعة الشمس عن الوصول إلى الأرض، فيغطيها الجليد مثلما حدث على الأرجح عند انقراض الديناصورات. 

وعلى الرغم من ضآلة احتمال سقوط مثل ذلك الكويكب الضخم على الأرض، إلا أن توقعات علماء الفلك تشير إلى وجود احتمال مؤكد بارتطام كويكب يتراوح حجمه بين 5 كيلومترات و15 كيلومترًا، مرة كل 100 أو 200 مليون سنة.لكن العواقب الوخيمة كما أوضحنا تُحتّم علينا الاستعداد الجيد لها، والسعي إلى منع حدوثها إن استطعنا. وهناك أيضًا الكويكبات الأصغر التي يمكن أن تسبب ضررًا كبيرًا، وإن لم يكن على مستوى العالم كما يمكن أن تفعل الكويكبات الكبيرة.

حارس الفضاء

إن عدنا إلى رواية “موعد مع راما”، سنجد فيها أنّ الاسم الذي أطلقه البشر على مشروعهم هو “حارس الفضاء”، وهذا الاسم نفسه هو الذي أطلقه العلماء فعلًا في وقتنا الحالي على مجموعة من الأنشطة المتعلقة باكتشاف الكويكبات التي يمكن أن تصطدم بالأرض.

لكن الحديث حول توقع اصطدام الكويكبات بالأرض بدأ قبل ذلك بقرون. ففي القرن السابع عشر مثلًا تحدث الإنجليزي إدموند هالي (1665-1746م) حول تلك الاحتمالية. وهالي هذا هو مكتشف المذنب المعروف بـ “مذنب هالي”، الذي سُمي باسمه.

وتُصنّف الكويكبات أنّها “أجرام بمخاطر محتمَلة”، وذلك إذا ما زاد قطرها على 30 مترًا، وكان مدارها حول الشمس ضمن مسافة 8 ملايين كيلومتر من مدار الأرض حول الشمس.

في تسعينيات القرن الماضي، بدأ اهتمام حكومي في الولايات المتحدة برصد تلك الكويكبات وتدميرها إن لزم الأمر، ووُضعت الخطط بالفعل لتنفيذ “مسح الفضاء”. كما أُطلق عليه، بإنشاء عدة تلسكوبات حول العالم ومحطة مركزية للأبحـاث. وأُنشئت عام 1996م مؤسسة “حارس الفضاء” التي شملت جهودًا من الولايات المتحدة ممثلة في وكالة ناسا، ودول من الاتحاد الأوروبي وآسيا وأستراليا، لوضع ما يشبه الخريطة أو القائمة لـ90% من “الأجسام القريبة من الأرض” والتي يزيد قطرها على كيلومتر واحد، إذ هي القادرة على التسبب في كارثة على مستوى العالم. وبالفعل وصلت المؤسسة إلى هذا الهدف بنهاية عام 2010م.

ومع تحقق هذا الهدف الكبير، هناك جهود أيضًا لاكتشاف المزيد من الأجسام المشابهة الأصغر حجمًا، فوُضع هدف في عام 2005م لاكتشاف 90% من الأجسام التي يزيد قطرها عن 140 مترًا بحلول عام 2020م، وإن صعب اكتشافها بطبيعة الحال لأنها أصغر، وكل ذلك لمحاولة رصد أي جسم متجه إلى الأرض، وكذلك رصده قبل وصوله بأطول فترة ممكنة لاتخاذ التدابير اللازمة.

تحديد الخطر فمواجهته

بعد أن استطعنا تحديد مكمن الخطر، ستكون هناك مجموعة من السيناريوهات للتعامل معه. يمكن مثلًا ضرب الكويكب بقنابل نووية تُفتت أجزاء منه، وبذلك قد تبتعد تلك الشظايا عن الأرض، أو ربما تسقط على الأرض لكن مُحترقة نظرًا لاحتكاكها مع الغلاف الجوي للأرض.

وتُشير الدراسات إلى أن البشر لديهم القدرة على تدمير الكويكبات التي لا يزيد قطرها عن كيلومتر واحد قبل الوصول إلى الأرض وبالنسبة للكويكبات الأكبر، التي يقترب حجمها من حجم الكويكب الذي أدّى إلى انقراض الديناصورات، فلن نستطيع تدميرها بالقدرات المُتوفرة حاليًا، بل أقصى ما يمكن فعله أن نضربها بقنابل ذرية تحرفها عن مسارها لتفادي اصطدامها بالأرض، لكن بشرط اختيار التوقيت المناسب لتوجيه الضربة. أمّا الكويكبات التي يتجاوز قطرها 40 كيلومترًا، فسنقف أمامها مكتوفي الأيدى، فالتصادم وقتها لا مفر منه، والحل الوحيد هو الاختباء في مخابئ كبيرة تحت الأرض مع المؤن اللازمة لنا. وكما نجت الأحياء البحرية من الانقراض الذي صاحب انقراض الديناصورات من ملايين السنين، ربما ننجو كذلك في تلك المخابئ التي يُقترح أن تكون في قيعان البحار هي الأخرى، لحماية البشرية من التعرّض المباشر للآثار التدميرية لاصطدام الكويكبات بالأرض.

وربما لا يعرف البعض منا أن ناسا بالفعل قد نجحت في مهمة حرف كويكب عن مساره، عندما حطّمت سفينتها “دارت” على سطح الكويكب “ديمورفُس” وهي تسير بسرعة عالية جدًا بلغت 6.1 كيلومتر في الثانية الواحدة، في سبتمبر عام 2022م.

يبلغ قطر “ديمورفس” 163 مترًا، وهو الكويكب الأصغر من كويكبين يدور كلاهما حول الآخر. الكويكب الأكبر هو “ديديمُس” ويبلغ قطره نحو 780 مترًا.

وكانت طاقة حركة سفينة “دارت” وقت اصطدامها بالكويكب تُقدّر تقريبًا بــ 10 مليون جول، وهي صدمة هائلة لدرجة أنّها تسببت في فوهة صدمية على سطح الكويكب. وقد كان ذلك اختبارًا لإمكانية حرف الكويكبات، حيث أثبت الأمر نجاحه بالفعل، فقد أدى ذلك التحطّم إلى تقصير زمن مدار الكويكب بنحو 32 دقيقة، وكلما قصر زمن المدار، انحرف الكويكب عن مساره الأصلي. عرفنا كل ذلك بفضل الحسابات التي قدّمها لنا نيوتن في قانون ثبات كمية الحركة قبل الاصطدام وبعده.

بطبيعة الحال، لم يكن “ديمورفس” أو “ديديمُس” في مسار تصادمي نحو الأرض، لكنّ المهمة كانت بغرض اختبار قدراتنا على التحكّم في مسارات الكويكبات.

وبحثًا عن المعادن

بالإضافة إلى حماية الأرض، يمكن أن نعتبر أن تلك الجهود في البحث عن طبيعة الكويكبات ومساراتها مفيدة اقتصاديًا، فبعض تلك الأجسام يحوي معادن ثمينة مثل: البلاتين والبالاديوم والروديوم، بخلاف العناصر المعروفة مثل: الحديد والنيكل وغيرها. وقد يستطيع البشر يومًا ما، تعدين تلك الأجسام للحصول على هذه الثروات، مثلما حدث في رواية خيال علمي أخرى لطيفة هي “احتلال إديسون للمريخ”، التي كتبها عالم الفضاء وكاتب الخيال العلمي الأمريكي “جاريت بوتنام سيرفيس” عام 1947م، واختار لها بطلًا المخترع المعروف توماس إيديسون. وهذه الرواية يُشار إليها بوصفها أول عمل في الخيال العلمي يتحدث عن “تعدين الكويكبات”.

وهذه الإمكانيّة أثيرت حديثًا على نحو مُكثّف حتى على مُستوى أعمال الخيال العلمي، فنجد أحد أشهر أفلام الخيال العلمي في السنوات الأخيرة، وهو “لا تنظروا إلى السماء”، يتناول مسألة تعدين كويكب من المُفترض أن يصدم الأرض، لكنّ رجل أعمال معروف قرر أن يُفتته ليسقط شظايا صغيرة قابلة لأن تُستخرج منها معادن ثمينة جدًا.

على طول تاريخ البشر كانت السماء مجهولة؛ لأنها ليست في متناولهم. فكل ما فعله البشر قديمًا لم يتجاوز التأمل فيها وفي أجرامها، ونسج أساطير حولها، وكتابة أشعار تتغزل في تلك الأجرام وجمالها. ولكن الأمر الآن بات مختلفًا نوعًا ما، فقد عرفنا الكثير عن السماء التي لم يعد يحكمها أبطال أسطوريون. ولم نكتف بالمعرفة أيضًا، بل صرنا نتوقع مخاطرها. وفي المستقبل لن نكتفي بالتوقع أيضًا، بل ربما نكبح جماح أجسامها المدمرة لنمنعها من الاصطدام بالأرض، سواء بالتدمير أم بأن نسوقها بعيدًا عنّا.


مقالات ذات صلة

نظرية التعلم التعاضدي هي: منهج تتعلم عبره مجموعة من الأفراد بعضهم من البعض الآخر من خلال العمل معًا، والتفاعل لحل مشكلة، أو إكمال مهمة، أو إنشاء منتج، أو مشاركة تفكير الآخرين. تختلف هذه الطريقة عن التعلم التعاوني التقليدي، فبين كلمتي تعاون وتعاضد اختلاف لغوي بسيط، لكنه يصبح مهمًا عند ارتباطه بطرق التعليم. فالتعلم التعاوني التقليدي […]

حتى وقتٍ قريب، كان العلماء مجمعين على أن الثقافة هي سمةٌ فريدةٌ للبشر. لكن الأبحاث العلميّة التي أجريت على الحيوانات، منذ منتصف القرن العشرين، كشفت عن عددٍ كبيرٍ من الأمثلة على انتشار الثقافة لدى أغلب الحيوانات. وعلى الرغم من الغموض الذي يلفّ تعبير الثقافة، حسب وصف موسوعة جامعة ستانفورد الفلسفيّة، هناك شبه إجماعٍ بين العلماء […]

مع أن الطماطم منتشرة اليوم في جميع أنحاء العالم، وتحوَّلت إلى غذاء أساسي على الموائد، غير أنها لم تكن تُعَدّ كذلك فيما مضى. فلم تنتشر الطماطم في أوروبا إلَّا في القرن الثامن عشر، ولم تُعرف في آسيا والبلدان العربية إلا خلال القرن التاسع عشر، وقد أصبحت اليوم أحد المحاصيل الأوسع إنتاجاً في العالم، ويشكِّل الدخل […]


0 تعليقات على “مفاجآت السماء”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *