مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
يناير - فبراير | 2018

محمد عبدالله التركي صَباحٌ بلا ضوء


لم يكن خبراً عاجلاً. كانت رسالة مهملة ضمن “الواتساب”. لم تكن تليق برحيل صباحي هادئ، بانسحاب مفاجئ من ركضنا اليوميّ؟ وفي المقهى قرأت الخبر. غادر الناس، غادرت الطاولات، المقاعد، الندّل، الهواء. لم يبق غيري في مكان يغمره البياض أبحث عن كتف زائدة أبكي عليها. عن أحد يربّت على حزني. عن أحد يجعلني أهدأ.
كنت أبكي وحيداً…
عادت خطوات النادل بجواري. عادت الطاولات والمقاعد وعاد الناس ليجلسوا عليها. كان عليَّ أن أقرأ الخبر ثانيةً وثالثةً. أن أبحث عن خلل في الصياغة يجعله خبراً عادياً، لكنه كان مكتمل الأركان، قادراً على إجابة أسئلة الخبر التي درستها في الجامعة: لماذا كيف أين من؟.
لكني سألت، وكانت الإجابات تخذلني. حاصرت كل كلمة لعلها تخفي شيئاً، لكنها كانت واضحة. بحثت في ألبوم الصور في الرسائل في الواتساب، بحثت في كل أيقونة قد تحمل وجوده الأخير، كنت أجمع أطراف الذكريات كي تحنّط، كان الخبر في حقيقته القصوى، الخبر الذي يحفر صدرك.
رحل بكل أناقته. بكامل شبابه، لم يكن يليق به أن يشيخ، لذلك اختار صباحاً هادئاً ليتركنا للحياة القصيرة، ليتركنا نشتاق إليه.

غارقٌ في النعاسْ
ربما لم ُيعرْ ضجة السائرين مع الصبح أي انتباهٍ
فلا شيء يعلو على نغمِ الحلمِ
لم أرهُ..
ربما اختبأتْ في الزوايا خطاهْ
ربما طار مثل المآذن،
بين السماواتِ مثل الأذانِ..
ولم تستطعْ أيّ نافذةٍ أن تسرب صورته للحياةِ..
يسيلُ الصباح بلا أي ضوء
ويعبر نخل المدينة دون عذوقٍ
ويعبر ناسْ
ويبقى كما قال لي حدس تربته غارقا في النعاسْ

صباحك خيرْ
لقد أجلت شمسُنا ضوءها وتمهل طيرْ
وفيروز تحمل أغنيةً لم تقلها
فلا شيء يدعو لنستعجل العيشَ هذا الصباحَ
سندعوك للحفل ما بين لحنينِ
ما بين حلمينِ
نكمل كورال أغنيةٍ
ونعيد النشيدْ
وننسى بأنا نعيش وأنا نموتُ
نظل ببرزخنا الشاعريّ
لتنبض قافيةٌ
ويسيل القصيدْة

محمد بن عبدالله التركي
ولد في الرياض العام 1983.
حصل على لقب وبردة شاعر عكاظ عام 2016.
صدر له:
• بريد يومي لعنوان مفقود، إصدار خاص، 2014
• ما نسيته الحمامة، منتدى المعارف، 2015
• الأغاني التي بيننا، إصدار خاص، 2017

مقالات ذات صلة

عندما يجتمع حُبّ المغامرة ومحاولة تغيير نمط الحياة الروتيني والحظ الحسن، تتحقَّق تحوُّلات عديدة في حياة الإنسان. ويبدو أن هذا ما حصل للباحث الفرنسي تيري موجيه (1947 – 2017م)، الذي بدأ حياته مهندساً في مجال الحاسب الآلي، ثم انتهى باحثاً بارزاً في مجال الأنثروبولوجيا. فهو يُقر في كتبه التي ألَّفها عن الفنون وعلاقتها بالحياة الاجتماعية […]

عتيق رحيمي، روائي وسينمائي أفغاني، صاحب تجربة لعلاقته بأكثر من فن، وسعيه في تقديم رؤية للحياة عبر الكلمة والصورة الفوتوغرافية والفِلم السينمائي. وسبق أن عبّر رحيمي عن ذلك قبل عدَّة سنوات، عندما تحدث عن مشروعه المتضمِّن إنجاز رواية، يستتبعها بفِلم في العام الذي يليه، ومن ثم بمعرض صور فوتوغرافية في العام الثالث. ولد عتيق رحيمي […]

اللغة نظام تواصلي تقوم به الحياة الاجتماعية، ويسير مع الزمن، فيشتد ويلين، ويتسع ويضيق، ويعلو وينحدر، ويختلف باختلاف مستعمليه، فهو عند الكبير غيره عند الصغير، وعند المتعلِّم غيره عند الأمي.وهو نظام يتغيَّر من داخله ويبقى مبناه الخارجي، ويُقبل ذلك التغيُّر ما كان مستقيماً مع حيوية اللغة ومرونتها، متسقاً مع نظامها وقواعدها، فإذا خرج عن نظامها […]


0 تعليقات على “صباح بلا ضوء”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *