مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
نوفمبر – ديسمبر | 2018

انقرضت الحشرات؟


راكان المسعودي

ذبابة تُصر على أن تحط على حافة كوب قهوتك، أو بعوضة لا تكف عن التحليق فوق جسمك المنهك بحثاً عن بقعة شهية للسع. مواقف كهذه تجعلك تتمنى لو أن الحشرات انقرضت واختفت عن سطح الأرض. فمن منا لا يريد أن يعيش في بيئة نظيفة خالية من أي نوع من أنواع الحشرات؟ ولكن ماذا سيصبح عليه العالم لو اختفت الحشرات فعلاً؟
الحشرات من أقدم الكائنات الحية التي ظهرت على سطح الأرض، إذ يزيد عمرها على 400 مليون سنة. كما أنها أكثر مجموعات الكائنات الحية تنوعاً، فهي تضم ما يزيد على 10 ملايين نوع. وبناءً على الدراسات البيئية الحديثة، تمثل الحشرات أكثر من %90 من التنوُّع الفطري على كوكب الأرض.
بعيداً عن مشاعر الاشمئزاز وعدم الارتياح التي قد تتسبَّب بها الحشرات لنا من فترة لأخرى، تشكِّل بعض أنواعها أخطاراً جسيمة على الحياة البشرية. إذ تُعدُّ الحشرات المصدر الأول لانتشار الأمراض الفيروسية والبكتيرية الفتاكة كالحمى الصفراء، والضنك، والملاريا، وغيرها، التي تصيب سنوياً الملايين من الناس وتقتل الآلاف. كما أنها تُعدُّ السبب الرئيس لهلاك المحاصيل المختلفة. إذ تقدّر الخسائر السنوية الناتجة عن تلف المحاصيل الزراعية التي تسببها الحشرات بنحو 300 مليار ريال سنوياً، حيث يستهلك المزارعون حول العالم سنوياً ما يقارب المليوني طن من المبيدات الحشرية الكيميائية في محاولة منهم للتغلب على هذه المشكلة، التي قد تحمل معها مضارها الجسيمة على المحاصيل وعلى صحتنا كذلك.
إذاً، يبدو للوهلة الأولى أن اختفاء الحشرات سيجنبنا كثيراً من المتاعب ويقينا كثيراً من الآفات. لكن دعونا نتمعن أكثر في هذه الفكرة، ما هي الآثار السلبية التي ستنتج عن اختفاء الحشرات من حياتنا؟

انهيار النظام الغذائي
تتغذَّى الكائنات على بعضها بعضاً وفق ما يعرف بالسلسلة الغذائية. وهذه السلسلة بالغة الأهمية لاستقرار الحياة على سطح الأرض. إذ إن أي اختلال فيها قد يعني انهياراً كاملاً للمنظومة الغذائية برمتها. فالنباتات على سبيل المثال تقوم بإنتاج الطاقة والغذاء عن طريق امتصاص أشعة الشمس والتفاعل معها، بينما تتغذَّى الحشرات على النباتات وبالتالي تستفيد من الطاقة الكامنة في أوراقها، في حين تعتمد أنواع كثيرة من السحالي والطيور على الحشرات في غذائها؛ لذا نستطيع القول إن الحشرات تمثـل حلقــة وصل بين أنــواع ومراتب مختلفة من الكائنات الحية. وبالتالي، فإن اختفاءها يعرِّض كائنات كثيرة للانقراض.

من دون لقاح
إن الغالبية العظمى من النباتات تعتمد في تكاثرها على الكائنات الحية التي تشاطرها البيئة، عن طريق استخدامها كوسيلة لنقل حبوب الطلع من زهرة إلى أخرى. لكن أكثر الكائنات الحية كفاءة في نقل حُبَيبات اللقاح الحشرات، وخاصة النحل، والفراش، والخنافس، والدبابير. فلو اختفت الحشرات فهذا يعني بالضرورة تعطيل عملية التلقيح كلياً لدى النباتات المزهرة، وبالتالي انقراض أنواعها هي الأخرى. فجميع الفواكه والخضراوات التي نستهلكها بشكل دائم تعتمد في تلقيحها على نوع أو نوعين من هذه الحشرات، أي ما نسبته %50 إلى %90 من غذائنا اليومي. وانقراضها لن يتسبـب فقط في انقراضنا كبشر، بل في انقراض كافة الحيوانات التي تتغذَّى على هذه المحاصيل.

انقراض وشيك
إن احتمال انقراض الحشرات ليس أمراً تخيلياً بالكلية، إذ إن كثيراً مما نمارسه اليوم من استخدام غير رشيد للمبيدات الكيميائة الضارة، وتهاون في الحد من الانبعاثات الكربونية الضارة قد يلقي بظلاله على الحشرات في القريب العاجل، وبالتالي على مستقبل الحياة البشرية كذلك. لذلك نرى أن السؤال الذي يتوجب علينا البحث عن إجابة له هو: “ما الذي يمكننا فعله للحفاظ على الحشرات من الانقراض؟”


مقالات ذات صلة

في الحركة الرابعة من سيمفونيته التاسعة، يبدأ بيتهوفن بلحن مميَّز يُعزف خافتاً في البداية، ثم يتصاعد بإيقاع منتظم نبدأ تدريجياً بإدراك جماله ورفعة سنائه مع تكرار اللحن، قبل أن يُفجره بيتهوفن بتناغم يضعه في مرتبة استثنائية في تاريخ الموسيقى. هذا الجَمَال الفائق في لحن “أنشودة الفرح” وغيره من الألحان الموسيقية العظيمة يعود إلى ما يُسمى في الموسيقى “التناغم” وفي الميادين الأخرى التآلف أو التناظر. فالتناغم أو التناظر موجود في كل مكان من حولنا، في الورود وأغصان الشجر وأصداف البحر وبلورات الثلج، وفي وجه الإنسان كما في الكواكب والنجوم ومساراتها.. إنه في كل مكان من حولنا.

تهاجر كل عام مرتين مليارات الطيور مجتازةً مسافات شاسعة، لتبني أعشاشها في مناخ أدفأ. وهي تطير فوق المحيطات والصحارى، في ظروف مناخيّة شديدة القسوة، لتصل بالتحديد إلى الأماكن التي كانت فيها في رحلات سابقة. وفي أجواء المملكة وحدها، يهاجر كل عام نحو 500 مليون طائر، تنتمي إلى أكثر من 500 نوع. 

تتجه بعض الشركات الفضائية ضمن خططها المستقبلية نحو الاستثمار في تنظيم رحلات إلى الفضاء الخارجي بتكلفة منخفضة. ولكن السفر إلى الفضاء ينطوي على مخاطر صحية جسيمة نظراً لانعدام الجاذبية الأرضية، مثل اضطرابات التوازن، وضمور العضلات وأهمها عضلة القلب، وهذه التأثيرات الفسيولوجية السلبية تمثِّل واحداً من أبرز التحديات في السياحة الفضائية، بعدما كانت ولا تزال من التحديات التي يواجهها روَّاد الفضاء المحترفون خلال إقاماتهم الطويلة في الفضاء الخارجي.


0 تعليقات على “انقرضت الحشرات؟”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *