مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
2023

المختبرات تبحث عن تفسيرها
الديجافو.. ظاهرة الإحساس برؤية الشيء سابقًا


نورا هبة

هل شعرت في مكان ما تزوره للمرة الأولى أنك مررت به سابقًا، أو أنك تخوض حوارًا مع أحد الأشخاص كنت قد أجريته من قبل؟
هذا الإحساس الذي يُسمى “الديجافو”، قد يكون قويًا وحقيقيًا، حتى إن البعض قد يعرف ما سيجده في المكان الذي لم يره من قبل. ويقدّر الخبراء أن معظم الناس تقريبًا مروا بهذه التجربة مرة واحدة على الأقل. فهذه الظاهرة شائعة أكثر مما كان يُعتقد، وتحدث مع ثلثي الناس. ومع ذلك، فإنها قد حيّرت الفلاسفة وأطباء الأعصاب والدماغ والكُتَّاب فترة طويلة جدًا. ونُسِجت حولها أساطير وخُرافات في معظم الثقافات. لكن العلم بدأ يكشف ألغازها المتعلقة بعمل الدماغ والذاكرة التي تبين أنها أعقد وأوسع مما كنا نعتقد.

الديجافو (Déjà vu) مصطلح فرنسي يعني “سبقت رؤيته”، صاغه الفيلسوف الفرنسي إميل بويراك، عام 1876م، الذي اعتبر أن بقايا التصورات المنسية منذ زمن طويل هي التي أثارت هذا الشعور.

وفي العقدين الماضيين، أظهرت أبحاث علمية عديدة أن حوالي 97% من الناس يمرون بتجربة الديجافو مرّة واحدة على الأقل في حياتهم، و67% منهم تحصل لهم بانتظام. فضلًا عن أن الأطفال تحدث لهم أكثر من البالغين. وتقول نسبة صغيرة من الناس إن ظاهرة الديجافو حصلت لهم في السادسة من العمر. في حين أن معظم الأشخاص يشعرون أنها وقعت لهم قبل سن العاشرة. وسبب تأخر حدوث تجربة الديجافو الأولى، هو حاجة الأطفال إلى الشعور بالألفة للمكان والأشخاص، فضلًا عن أنه ليست للأطفال القدرة على وصف ما حدث.

بعض العوامل المحفزة

قسَّم العلماء العوامل المحفِّزة على هذه الظاهرة إلى عوامل ظرفية وعوامل نفسية. وتتضمن العوامل الظرفية: الحوار بنسبة (54.1%)، والوجود في مكان مألوف (47.6%)، ومكان غير مألوف (21.4%)، والوجود محاطًا بأشخاص مألوفين (41%)، وأشخاص غير مألوفين (18.3%).

وتشمل العوامل النفسية: التعب أو قلة النوم بنسبة (27.5%)، والإجهاد (13.5%)، والقلق (10.5%)، والعقاقير المخدرة (5.2%). فعلى سبيل المثال، تبيَّن أن الأشخاص الذين يعانون اضطراب القلق العام أو الرهاب الاجتماعي أو الوسواس القهري، تتكرر عندهم ظاهرة الديجافو أكثر من الأصحاء. في حين أن هناك أكثر من 25% من حالات الديجافو، ليس لها أي محفّز معروف. وتحدث ظاهرة الديجافو في صفوف الشباب بنسبة أعلى منها عند كبار السن، وتتناقص كثيرًا في مرحلة الشيخوخة. وهذا أمر محير للباحثين، لأن المعروف أن مشاكل الذاكرة تتزايد مع التقدم في العمر؛ وهذا يشير إلى شيء مهم، وهو أن الديجافو ليست مشكلة في الذاكرة.

ظاهرة الديجافو في الثقافات المختلفة

كان لثقافات مختلفة في جميع أنحاء العالم تفسيراتها الخاصة لظاهرة الديجافو. وغالبًا ما كانت مرتبطة بمعتقدات المجتمعات الدينية أو التقاليد الروحية أو الفولكلور. ففي اليونان القديمة مثلًا، كان يُنظر إلى الديجافو على أنها هاجس أو نبوءة، واعتقد الفلاسفة أن هذه الأحاسيس هي تنبؤات بالأحداث التي قد تحصل في المستقبل. وفي الثقافة الرومانية، كانت تُعد الديجافو وحيًا إلهيًا من “جوبيتر”. وفي الفلسفة الشرقية، وخاصة تلك التي تؤمن بالتناسخ مثل الهندوسية والبوذية، فُسرت الديجافو على أنها دليل على حياة سابقة. واعتُبر الإحساس بالألفة للمكان والأشخاص ذكرياتٍ من وجود سابق للإنسان تنتقل إلى الوعي الحالي. أما في بعض الثقافات الشعبية الغربية المعاصرة، فرُبطت ظاهرة الديجافو بتجارب الحياة الماضية والأكوان الموازية، أو بخلل في الدماغ.

من الخوارق إلى العلوم

حيّرت هذه الظاهرة الفلاسفة وأطباء الأعصاب والكتّاب فترة طويلة. ولم تطرح في إطار البحث العلمي، إلا في القرن التاسع عشر من قبل العلماء الفرنسيين الذين اعتقدوا أن هذه الظاهرة ربَّما تكون ناجمة عن خلل عقلي أو مشكلة في الدماغ أو بسبب خلل مؤقت في الذاكرة. لكن الموضوع لم يصل إلى المختبر، إلا في وقت قريب. وتعود صعوبة الدراسة العلمية لظاهرة الديجافو إلى أنها تحدث من دون سابق إنذار؛ وغالبًا ما تحدث مع الأشخاص الذين لا يعانون أمراضًا خطيرة. قد يشعر الشخص بالاضطراب بعض الشيء عند حدوثها، لكنه سرعان ما يتخلص منها.

وفي وقت مبكر من هذه الألفية، راجع أستاذ علم النفس ومؤلف كتاب “تجربة الديجافو”، (2004م)، ألان براون، كل ما كُتب عن ظاهرة الديجافو. ووجد أن معظمها يتعلق بخوارق الطبيعة مثل: الحياة الماضية (تناسخ الأرواح)، أو القدرات النفسية (التخاطر والإدراك المسبق وغيرهما). كما وجد أيضًا دراسات استطلعت آراء الأشخاص العاديين حول تجاربهم السابقة. ومن كل هذه الأبحاث تمكن براون من استخلاص بعض النتائج الرئيسة حول هذه الظاهرة.

فعلى سبيل المثال، حدد براون أن المحفز الأكثر شيوعًا للظاهرة، هو المشهد أو المكان، والمحفز التالي المشترك هو الحوار. كما أفاد بوجود آراء في الأدبيات الطبية خلال قرن تشير إلى وجود ارتباط محتمل بين الديجافو وبعض أنواع النوبات النشطة في الدماغ.

وهكذا نقلت مراجعة براون موضوع الديجافو من الخوارق إلى حقل العلوم، خاصة أن دراسته ظهرت في مجلة علمية متخصصة في الإدراك المعرفي، وكذلك في كتاب موجه إلى العلماء. فكان عمله بمنزلة حافز للباحثين لتصميم تجارب لدراسة هذه الظاهرة.

تعتبر إحدى الفرضيات العلمية الشائعة، أن ظاهرة الديجافو هي مشكلة في الذاكرة. فمثلًا، قد يحدث لك موقف تواجه فيه شيئًا ما، لكنك لا تذكره بوعي. فعندما تصادف شيئًا مشابهًا له، فإنك تقول قد رأيت هذا من قبل، ولكنك لا تستطيع استدعاءە من الذاكرة. لذا، إذا كنت في شقة وشعرت أنها مألوفة لديك، فهذا لأنك كنت في شقة مشابهة جدًا، لكنك لا تتذكر ذلك.

ولاختبار هذه الفرضية، أنشأ الباحثون جولة افتراضية عبر لعبة فيديو الواقع الافتراضي “Sims”؛ إذ يتطابق التكوين المكاني للمشاهد مع المكان الهدف في الصور التي شاهدها المشاركون سابقًا. وفي السيناريو الأول، عُرضت على الأشخاص ساحة خردة فيها أكوام قمامة، في حين أظهر السيناريو الثاني حديقة فيها شجيرات تقع تمامًا في مكان أكوام القمامة نفسه من قبل. ونتيجة لذلك، قال كثير من المشاركين إنهم شعروا بأن الأماكن مألوفة ورأوها من قبل، لكنهم لا يعرفون سبب ذلك. ومن هنا خلص الباحثون إلى وجود علاقة بين الديجافو والذاكرة.

وثمة فرضية شائعة أخرى تشير إلى أن الديجافو تحدث عندما يرى المرء شيئًا ما مرتين مختلفتين. ففي المرة الأولى قد ترى شيئًا ما من زاوية محددة وتكون مشتت الانتباه، عندئذٍ يبدأ الدماغ في تكوين ذاكرة لما يراه حتى مع المعلومات المحدودة التي تلقاها من نظرة قصيرة وغير مكتملة. لذلك، قد تستوعب الموقف أكثر مما تدرك، فإذا كانت رؤيتك الأولى لشيء ما مثل منظر أحد التلال، لم تسترعِ انتباهك الكامل، فقد تعتقد أنك تراه أوَّل مرة. بيْدَ أن العقل يتذكر التصور السابق، حتى لو لم يكن لدى الشخص وعيٌ كاملٌ بما كان يراه؛ وهنا تحصل ظاهرة الديجافو.

بعبارة أخرى، نظرًا لأنك لم تعطِ التجربة اهتمامك الكامل في المرة الأولى، تبدو وكأنها حدثان مختلفان، لكنها في الواقع تصور واحد مستمر للحدث نفسه.

الدوبامين والديجافو

وفقًا لدراسة أجريت في عام 2003م، تحدث ظاهرة الديجافو بالتساوي بين الرجال والنساء. وتحدث في كثير من الأحيان للأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و25 عامًا. ودفعت هذه الحقيقة بعض العلماء إلى الاعتقاد بأن الديجافو قد تكون مرتبطة بالناقلات العصبية مثل الدوبامين الموجود بمستويات أعلى عند المراهقين والشباب. واكتسبت هذه الفرضية زخمًا بعد ظهور حالة غريبة لطبيب يتمتع بصحة جيدة، يبلغ من العمر 39 عامًا، عالج نفسه من الإنفلونزا بعقار “أمانتادين” وعقار فينيل “بروبانولامين”، وهما عقاران معروفان بزيادة نشاط الدوبامين في الدماغ. وفي غضون 24 ساعة من تناول الدواء، تعرّض لنوبات شديدة ومتكررة من الديجافو. وبعد أن توقف عن أخذ العقاقير اختفى هذا الشعور.

المختبر يحسم النقاش

وأوضحت الأبحاث التي أجراها، أكيرا أوكونور وفريقه، في جامعة “سانت أندروز” بالمملكة المتحدة، ونشرت في مجلة “نيو ساينتست” في 16 أغسطس 2016م، أن هذا الأمر لا يتعلق بذكريات كاذبة كما كان يُعتقد. ولشرح ذلك، طوّر أوكونور وزملاؤه طريقة لتحفيز الإحساس بالديجافو في المختبر.

استخدم الفريق طريقة قياسية لإثارة ذكريات كاذبة، تضمنت إخبار الشخص بقائمة من الكلمات ذات الصلة، مثل: سرير، وسادة، ليل، حلم، ولكن ليس الكلمة الرئيسة التي تربطها معًا، وهي في هذه الحالة، النوم. وعندما يُسأل الشخص لاحقًا عن الكلمات التي سمعها، فإنه يميل إلى الاعتقاد بأنه سمع أيضًا كلمة “النوم”، وهي ذكرى زائفة.

ولخلق شعور ديجافو، سأل فريق أوكونور الأشخاص أولًا عما إذا كانوا قد سمعوا أيَّ كلمات تبدأ بالحرف “ن”. أجاب المتطوعون أنهم لم يفعلوا ذلك. وهذا يعني أنه عندما سُئلوا لاحقًا عما إذا كانوا قد سمعوا كلمة “نوم”، كانوا قادرين على تذكر ما لم يكن بإمكانهم سماعه، ولكن في الوقت نفسه، بدت الكلمة مألوفة. يقول أوكونور: “لقد أبلغوا عن تجربة ديجافو الغريبة هذه”.

استخدم فريقه التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لمسح أدمغة 21 متطوعًا أثناء تعرضهم لإثارة ديجافو. قد نتوقع، في هذه الحالة، أن مناطق الدماغ المشاركة في الذكريات، مثل الحصين، ستكون نشطة خلال هذه الظاهرة، لكن هذا لم يكن الحال. بدلًا، من ذلك وجد فريق أوكونور أن المناطق الأمامية من الدماغ التي تشارك في اتخاذ القرار كانت نشطة بدلًا من ذلك. وهو يعتقد أن المناطق الأمامية من الدماغ ربما تقوم بالتحقق من ذكرياتنا، وترسل إشارات ما إذا كان هناك نوعٌ من الخطأ في الذاكرة؛ وهو صراع بين ما مررنا به بالفعل، وما نعتقد أننا مررنا به.

وعلقت طبيبة النفس العصبي الدكتورة أوها سوسميتا، على هذه النتائج بالقول: “من المهم أن نلاحظ أن ديجافو هي تجربة شائعة ولا تعتبر علامة على أي حالة طبية أو نفسية… (و) على الرغم من تقدم فهمنا للديجافو على مر السنين، فإنها تظل ظاهرة معقدة ومثيرة للاهتمام، ولا تزال موضوعًا للبحث العلمي. هناك حاجة إلى مزيد من البحث لكشف الآليات الدقيقة المرتبطة بها”.


مقالات ذات صلة

الدراسات التي تتناول الإنسان القديم، وما طرأ عليه عبر التاريخ من تغيّرات جسدية وسلوكية ونفسية، كانت تتعثر نظرًا لصعوبة توثيق السمات المتعلقة بأفراد الحضارات السابقة وشعوبها وأنشطتها المختلفة بالطرق التقليدية. ولكن وسائل الذكاء الاصطناعي المتعددة أسهمت في إعادة النظر في كثير من الأبحاث التاريخية المعنية بدراسة الحضارات السابقة؛ بغية التعرُّف على عادات شعوبها، ووسائل معيشتهم، وطرق تفكيرهم، ومناهج إدارتهم لأمورهم المعاشية، إضافة إلى الكشف عن الاتجاهات النفسية التي سادت في تلك الحقب الماضية. وقد حُدَّ من سيل التكهنات والتخمين والتصور الخاطئ، الذي كان يرافق فيما مضى تدوين التاريخ القديم.

لم يكن العالم صاخبًا كما هو الآن. كانت الأصوات الاصطناعية، التي يحدثها البشر عبر التاريخ مقصورة على بعض الآلات الموسيقية والطبول والأبواق وغير ذلك من الأدوات، التي كانت تُستخدم في مناسبات محددة. لكن عالمنا يشهد اليوم مجموعة كبيرة من أصوات الآلات والمركبات، والأجهزة التي تنقل الأصوات عبر الأثير من كل زاوية في الكرة الأرضية، حتى إنها طغت على الطبيعة نفسها وحاصرت البشر من كل صوب. وإن كان كل هذا قد بدأ مع الثورة الصناعية وتطور التكنولوجيا، فإننا نعوّل اليوم على هذه التكنولوجيا نفسها لحماية البشر والطبيعة من أضرار التلوث الضوضائي.

لأن الممارسات الزراعية الحديثة بعد الثورة الصناعية قد أثرت سلبًا في البيئة، وتسببت في تآكل التربة ومشكلات بيئية عديدة، ظهرت الزراعة العضوية في النصف الأول من القرن العشرين بديلًا للزراعة الرائجة، بهدف إيجاد بدائل مستدامة لاستخدام المبيدات الكيميائية والأسمدة الصناعية والحرث العميق. بمعنى آخر، الزراعة العضوية هي نموذج متطور للنشاط الزراعي يُسهم في الحفاظ على التوازن البيئي. ومن أهم الأهداف التي تسعى إليها الزراعة العضوية، الحفاظ على سلامة التربة وحيويتها.


0 تعليقات على “الديجافو.. رأيته سابقًا!”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *