مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
نوفمبر – ديسمبر | 2018

التأريخ بالكربون المشع


كيف يمكننا تحديد عمر أحفورة أو مستحاثةٍ أثرية؟ أو عمر الفراعنة؟ أو عمر تلك المخطوطات التي وجدت في البحر الميت؟
في عام 1960م، مَنحت الأكاديمية السويدية للعلوم جائزة نوبل في الكيمياء لعالِم أمريكي يدعى ويلارد ليبي، لاكتشافه طريقةً لتحديد عمر مثل هذه الأشياء القديمة تسمى “التأريخ بالكربون”.
نعلم أن الكربون يدخل في تكوين كل شيءٍ حي. كما نعلم أن تسعةً وتسعين في المئة من الكربون الموجود على الأرض يسمى “الكربون 12”. حيث تتكوّن ذرات هذا الكربون من ستة بروتونات وستة نيوترونات. لكن هناك نوعاً آخر نادراً اسمه “الكربون 14″، لا يوجد في الأرض إلا بنسبة 1 في المئة فقط.
تحتوي ذرات هذا الكربون على ستة بروتونات وثمانية نيوترونات. ويتكوّن في أعالي الغلاف الجوي عندما تصطدم الأشعة الكونية بذرات النيتروجين وتحوِّلها إلى ذرات “كربون 14”. وبعد ذلك تتساقط ذرات “الكربون 14” تلك إلى الأرض، وتتّحد مع ذرات الأوكسجين ليتشكّل ثاني أكسيد الكربون. تنتزع النباتات ثاني أكسيد الكربون هذا لتشكِّل جزيئات عضوية معقَّدة. وتأتي الحيوانات وتتغذّى على النباتات، ثم يتغذّى الإنسان بدوره على الحيوانات وعلى النباتات أيضاً. وهكذا يصبح في جسد كل كائن حي ذرات “كربون 14”.
ومن المعروف أن ذرات “الكربون 14” هذه هي غير مستقرة. فبمجرد أن يموت الكائن الحي تبدأ بالاضمحلال. ففي كل خمسة آلاف وسبعمئة وثلاثين سنة تتفكك نصف ذرات الكربون 14 وتعود إلى ذرات النيتروجين التي تكوَّنت منها. يسمى هذا في الفيزياء نصف العمر، مما يعني أنه بعد مرور نصف عمر واحد على أي كائن حي، ينخفض عنده عدد ذرات “الكربون 14” إلى النصف. وبعد مرور نصف عمر ثانٍ تنخفض إلى الربع، وبعد نصف عمر آخر تنخفض إلى الثمن، وهكذا دواليك.
في المقابل، تبقى كمية “الكربون 12” ثابتة في جسم الكائن حتى بعد موته. وبالتالي صار لدينا طريقةٌ فعالةٌ لتحديد عمر الأشياء الأحفورية، من خلال مقارنة كمية “الكربون 14” بكمية “الكربون 12” التي لا تتغيّر، وبالتالي يمكننا معرفة كم من السنوات قد انقضت على موت كائن حيواني أو نباتي معيّن.
لكن مع ذلك هناك فترة محدودة لاستخدام طريقة التأريخ بالكربون. فبعد مرور ستين ألف سنـة من موت الكائن الحـي ينتهي مخـزون كمية “الكربون 14” فيه، وبالتالي لا يعود بإمكاننا الاعتماد على هذه الطريقة بعد ذلك، والبديل الذي يستخدمه العلماء هو عناصر أُخرى غير مستقرة تمتلك أنصاف أعمار أطول بكثير من “الكربون 14”.


مقالات ذات صلة

مع انتشار فيروس الكورونا المستجد، تتواصل الدعوات إلى الامتناع عن لمس الوجه درءاً لانتشار المرض. لكن ذلك ليس سهلاً؛ إذ بالرغم من عفوية وبساطة هذه العادة، فإنها تحمل كثيراً من الدلالات والألغاز المشفَّرة في بنيتنا البيولوجية والنفسية والاجتماعية، مما يجعلها عصية على الكسر. وهذا يشكِّل معضلة كبيرة أثناء انتشار الأوبئة. فالفرد يلمس وجهه بشكل تلقائي […]

طوَّر باحثون من معهد جورجيا للتكنولوجيا في الولايات المتحدة رُقاقة حسّاسة أصغر من الدُّعسوقة (خنفسة صغيرة)، تُعلق على ثياب الشخص الخارجية، تستطيع تسجيل إشارات عديدة من جسم الإنسان، خاصة إشارات القلـب والرئتيــن. ويمكن لهـذه الرقاقة أن تمكِّن الأطباء من مراقبة الصحة بدقَّة كبيرة عن بُعد. ونُشرت تفاصيل هذا المنتج في نشرة المعهد “جورجيا تك”، في […]

عندما نفكِّر في الكثبان الرملية، غالباً ما نتخيلها أكواماً قاحلة من الرمل الميت؛ لكنها في الواقع هياكل طبيعية ديناميكية. إنها تنمو وتتحوَّل وتنتقل. ولدراسات حركية كثبان الرمل أهمية خاصة في الوقت الحاضر، نظراً لظاهرة التصحُّر التي تجتاح مناطق كثيرة في العالم، كما يحـدث في الصين مثلاً. حيث تتقدَّم الكثبان الرملية نحو بعض القرى والمدن بمعدّل […]


0 تعليقات على “التأريخ بالكربون المشع”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *