مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
2023

الانفعالات.. بوابة الحياة والموت في الرواية


عزت القمحاوي

“لا ترد وأنت منفعل هكذا”.

“لا تتخذ قرارًا تحت تأثير الانفعال”.

“هذا تصرف انفعالي لا يليق بك”.

هذه العبارات التي نستخدمها يوميًّا، تؤكد من جهة أن الانفعال جزء من حياتنا، ومن جهة أخرى أنه رد فعل غير عقلاني. وهذه رؤية متغلغلة في الوعي الثقـافي، نجد جذورها في فلسفة أفلاطون المثالية. ولكن الانفعالات انتظرت نحو 1800 سنة حتى تسترد شيئًا من حقها عندما أعلت الفلسفة الوضعية من شأن المعرفة الحسية. والآن، صرنا نعرف أن البشرية تدين باستمرارها للانفعالات أكثر من العقل؛ فبالانفعالات كان الإنسان البدائي يدرك الخطر ويتصرف بسرعة للنجاة.  

  ولأن الرواية هي التمثيل الأصدق للواقع، نستطيع أن نقرأ فيها مكانة الانفعالات، وندرك أهميتها ودلالتها وخطورتها عندما تظهر بإفراط وعندما تغيب.

“لقد سقطتا معًا ميتتين فعلًا، لا فقط منهكتين. سقطتا بتعبير واضح عن الانهيار والخيبة، محطمتين وخائرتين بشكل تعجز كلماتي عن وصفه. فلم يسبق لي من قبل، ولا بعد ذلك، أن رأيت يدين على تلك الدرجة من الفصاحة؛ فكل عضلة فيهما كانت فمًا ينطق بالانفعال الخارج من كيانهما بوضوح شديد”. هذا الوصف قدَّمته سيدة في ممر فندق أمام زجاج صالة روليت في رواية ستيفان زفايغ “أربع وعشرون ساعة من حياة امرأة”، من ترجمة الأسعد بن حسين.

في تلك القصة، وفي سائر قصصه، يبدو زفايغ متخصصًا في المظاهر الجسدية للانفعالات. وغالبًا الأيدي التي تفضح المقامرين ولاعبي الشطرنج؛ إذ يتدرب المقامر واللاعب على تخليص الوجه من أي أثر للمشاعر أو الانفعالات، طارحًا أمام خصمه ما يسمونه “بوكر فيس”، لكن يديه تخونانه. لدى زفايغ رواية أخرى هي “لاعب الشطرنج” نرى فيها الانفعالات نفسها عبر يدين خاسرتين أخريين.

برع ستيفان زفايغ في وصف الانفعالات بدقة، حتى إن حركات الأيدي في قصصه هي ما يفضح المقامرين ولاعبي الشطرنج.

ستيفان زفايغ.

ويصوِّر زفايغ (1881م – 1942م) بالإتقان نفسه الأصابع والأيدي الظافرة، ما يجعلنا نعده سيد الانفعالات في كتابة القرن العشرين.

وبخلاف الشعر وكتاب سيرته وكتاباته الفكرية والنقدية،         التي تكشف عن عمق ثقافي وعقل تحليلي، تأتي قصص زفايغ سردًا ذاتيًّا موضوعها الحب، أو بالأحرى خيبات الحب، لكنها ليست عن علاقة الرجل بالمرأة وانفعالات الحب التدميرية تحديدًا، بل تخفي مجازًا يشير إلى خسران أوروبا وخيباتها؛ إذ فقدت إنسانيتها بحربين ثقيلتين خلال أربعة عقود دِيست خلالها كل قيم الإنسانية.

بلغة فرويد، كان الخسران الأوروبي مكبوتًا لدى زفايغ. ولأنه فنان موهوب أخرج هذا المكبوت في تلك الروايات القصيرة المليئة بالعواطف المتأججة والخسارات الفادحة. لكن الكتابة لم تكن علاجًا كافيًا، فقاده مكبوت حزنه وإحباطه من دموية أوروبا إلى الهجرة إلى البرازيل، حيث لم يجد التوازن النفسي؛ فأنهى حياته بأقراص مخدّرة، مع زوجته الثانية، وقد خدرا كلبهما الذي راح في سبات عميق أمام باب غرفتهما. وقبل ذلك ترك شكرًا دافئًا للبرازيل التي احتضنته.

دوستويفسكي.

دوستويفسكي.. المُعلِّم

لا يخفي ستيفان زفايغ صلته بسيد الانفعالات على مر العصور: دوستويفسكي. وفي كتابه “بناة العالم” يخص مُعلمه بفصول فيها من الحب والتقديس والفهم ما فيها، ويشير إلى أن حياة دوستويفسكي نفسه كانت مفعمة بالانقلابات والانفعالات: “كثيرًا ما تكون البداية بداية مسرحية عنيفة (ميلودرامية) ولكنها تتحول دائمًا إلى مأساة. إنها مركبة كلها على التوتر. ففي بضع ثوانٍ تتكاثف الأحكام والقرارات الفاصلة من دون مرحلة انتقال”. هذه الانقلابات العاصفة في حياة دوستويفسكي نراها واضحة في كل أعماله، وقد بدت ذروتها في أسرة المجانين “كارامازوف” أبًا وأبناء.

ومن يقرأ مراسلات دوستويفسكي وشهادات الأقربين منه يدرك أن حياته كانت مصدرًا للكثير من مشاهد رواياته. في مذكراتها تصف آنا دوستوفيسكايا، زوجته، الذهول الذي أصاب زوجها أمام إحدى لوحات الفنان هانز هولباين في متحف مدينة بازل السويسرية عام 1867م، فتقول إنه جلس صامتًا، وبدأت تعتريه التغيرات التي تسبق نوبة الصرع؛ فأنهضته وسارت به إلى خارج المتحف، فمضى معها على وعد بعودة أخرى. وبعد ذلك وضع دوستويفسكي تعليقه الشخصي على لسان ليون نيكولايفيتش ميشكين في رواية “الأبله”. عندما زار ميشكين صديقَه روغوجين في بيته، توقف أمام نسخة عن لوحة هولباين وقال لصديقه: “لقد رأيت هذه اللوحة في الخارج، ولا أستطيع أن أنساها”، ثم هتف فجأة وقد ساورته فكرة مباغتة: “إن هذه الصورة يمكن أن تُفقد المرء إيمانه”.

بارتلبـي يُفضِّل ألا..

يمكننا أن ندرك أهمية الاعتدال في الانفعالات، عندما نرى أن الخطر يأتي في ظل صخب الانفعالات وفي غيابها سواء بسواء.

هرمان ميلفيل (1819م – 1891م) كتب قصة تبدو غريبة على كتابة زمنه. “بارتلبي النسَّاخ” قصة شديدة البساطة في عمارتها الروائية يمكن أن تكتبها آني آرنو أو ستيفان زفايغ.

تبدأ الرواية بمحامٍ يدير مكتب توثيق عقود، يعمل لديه ناسخان، يُلقبهما بلقبين منسجمين مع شخصيتيهما: تريكي ونيبرز، وكلاهما تتغير انفعالاته ويسوء مزاجه في توقيت مختلف. نيبرز يغضب في الصباح، جرَّاء وجبة الإفطار، لأنه يعاني عسر الهضم، ومع تقدم الوقت ترتاح أمعاؤه فيهدأ. أمَّا تريكي فيغضب بعد الغداء بسبب إفراطه في الشراب. هكذا، فإن غضبهما وهدوءهما بالتناوب، يحقق أمان المكتب؛ فهناك دائمًا من يمكن إسناد الوثائق الدقيقة إليه لنسخها.

مضت الحياة بهدوء وتناغم بين المجموعة، إلى أن ظهر بارتلبي، شاب نحيل جاء يطلب عملاً. تعاطف معه المحامي وأفسح له زاوية من غرفته. وبدأ الشاب يعمل بدأب وفي صمت، لكنه عنيد لا يعترف بقواعد. عندما يُسلِّم وثيقة انتهى من نسخها، يطلب منه صاحب المكتب أن يجلس أمامه ليراجعها معه على الأصل فيجيبه “أُفضِّل ألا”. ينطق بجملته الناقصة تلك، لكن بنبرة المصرِّ على الرفض، ويعود إلى ركنه بهدوء.

مع الوقت زادت الأشياء التي يُفضِّل بارتلبي ألا يفعلها، حتى صار “يُفضِّل ألا” يعمل شيئًا على الإطلاق! واستمرت انسحابات صاحب المكتب من أمامه، لكن اختلال التوازن بينهما أصبح مثيرًا للشبهة أمام الموظفين وعملاء المكتب. ثم يكتشف المحامي أن بارتلبي يستخدم مقر العمل سكنًا خاصًا له بعد انصراف الآخرين، فطلب منه أن يبحث عن سكن خاص ينتقل إليه.

ولكن بارتلبي فضَّل ألا ينتقل، حتى أصبح وجوده فوق الاحتمال، فقرر المحامي أن ينقل المكتب إلى مبنى آخر، وظل بارتلبي في مكانه ينغص حياة المستأجرين الجدد؛ وانتهى سجينًا بتهمة التشرد. وبعد موته في السجن، نكتشف أن بارتلبي كان يعمل قبل ذلك بالبريد، موظفًا في مكتب “الرسائل الميتة”، وهي الرسائل التي لا يُستدل على عناوين المُرسَل إليهم وتقبع في تلك المقبرة. هكذا عرفنا بعد فوات الأوان من أين أتاه يأسه الذي حرمه من الانفعال وسلَّمه للموت بصمت.

حفلة وداع لستيفان زفايغ عند مغادرته أوروبا.

بين المجرم والمحقق والكاتب والقارئ

 ليس هناك من أدب يقوم على لعبة الانفعالات مثلما يقوم الأدب البوليسي. الرواية البوليسية الجيدة هي التي ترفع انفعالات القارئ إلى حدودها القصوى بفضل المطاردة بين مجرم ومحقق لا ينفعلان. كلاهما نموذج للعقل الهادئ، غير مسموح لأي منهما بالانفعال أو إظهار التعاطف. النموذج المثالي للوظيفتين هو رجل عازب، كما يلاحظ الكاتب الأرجنتيني ريكاردو بيجيليا في كتابه “القارئ الأخير”، الذي حدَّد فيه سمات المحقق، الذي يجب أن يكون بلا أسرة.. وألا يرتبط بامرأة حتى لا يفاجأ بأنها ذات صلة بالقضية التي يحقق فيها. و”المتحري يجب أن يكون شخصًا خائبًا.. إنه الوحيد الذي يحافظ على النزاهة والشفافية”.

وكاتب القصة البوليسية، بل كاتب الأدب عمومًا، فيه شيء من المجرم والمحقق. فهو شخص منعزل، عليه أن يتصرف بهدوء، كالصياد من البشر والحيوان، وبهذه الطريقة فقط يتمكن من رؤية ما لا يراه القارئ، فيستطيع أن يستولي على إعجابه.

كان زفايغ حزينًا أ لأن أوروبا فقدت إنسانيتها بحربين ثقيلتين خلال أربعة عقود دِيست خلالها كل قيم الإنسانية.

المنفعل شاه زمان.. أصل الفتنة المنسي!

  القصة التمهيدية في “ألف ليلة وليلة” المعروفة اصطلاحًا بـ”القصة الإطار” تحتل صفحات قليلة في بداية الكتاب، فتبسط أمام القارئ الظروف و”العقدة” التي جمعت شهرزاد بشهريار؛ إذ نعرف أنه الابن الأكبر لملك من ملوك ساسان بجزائر الهند والصين أنجب ولدين: “وكانا فارسين بطلين، وكان الكبير أفرس من الصغير وقد ملك البلاد وحكم بالعدل بين العباد وأحبه أهل بلاده ومملكته، وكان اسمه الملك شهريار، وكان أخوه الصغير اسمه الملك شاه زمان، وكان ملك سمرقند العجم”.

يخرج شاه زمان لزيارة أخيه، وفي الطريق يتذكر شيئًا نسيه فيعود إلى قصره حيث يكتشف خيانة زوجته فيقتلها. وعندما يصل إلى قصر شهريار يكتشف أن زوجة أخيه هي خائنة أيضًا.

ولكن بعكس شاه زمان الذي أطاح بعنق زوجته في فورة غضب، سيطر شهريار على غضبه عندما أخبره أخوه بالأمر وقال له: “غرضي أن أنظر بعيني”. وتتوالى الأحداث لصفحات قليلة، إلى أن يقتل شهريار زوجته في وقت لاحق.. وعند هذا الحد يختفي “شاه زمان” وينقطع ذكره، مثل شخص يظهر في خلفية كادر سينمائي كعابر طريق أو نادل يضع فنجان قهوة أمام بطل الفِلم. أمَّا شهريار فنراه لاحقًا هادئًا يستمع إلى حكايات شهرزاد لألف ليلة وليلة، بفعل مكيدة حاكتها له وهدَّأت غضبه. وكان من الممكن أن تنتهي الليالي قبل أن تبدأ لو لم يستجب.

 ففي “ألف ليلة وليلة”، وابتداء من القصة الإطار، درس بليغ في مهارات وحساسية السرد. هناك مهارة بالغة في رسم اختلافات الشخصية بين الأخوين من زاوية الانفعالات. ويمكن أن نُرجع الاختلافات إلى فرق السن، فمن الطبيعي أن يكون الأكبر أكثر تعقلًا. ولا بدَّ أن ننتبه إلى استخدام اللغة: “وكان الكبير أفرس من الصغير”، وما دامت القصة لا تتعلق بالحرب ومهاراتها؛ فينبغي أن نفهم أن أفعل التفضيل هنا “أفرس” يتعلق بأخلاق الفروسية لا مهاراتها.


مقالات ذات صلة

في معرضـه الأخير في الصالة الفنية للحديقة الملكية وسط مدريد، يعود الفنَّان العراقي حنوش حنوش، إلى التقاط إحدى أهم أيقونات الأدب العربي، ألا وهي “ألف ليلة وليلة”؛ ليضعنا أمام تصوراته الفنية أسلوبًا وتلوينًا مختلفًا لمن سبقوه بتناول الموضوع رسـمًا. وتُعدُّ تجربته هذه في استلهام “ألف ليلة وليلة” الأولى من نوعها في إسبانيا، وتطلبت منه العمل […]

قلما تعثرت نهضة ثقافة مثلما تعثرت ولا تزال تتعثر نهضة الثقافة العربية، منذ أكثر من قرن ونصف القرن. وقلما شعرت أمة بالمسافة التي تفصلها عن ثقافة أخرى، مثلما شعرت ولا تزال تشعر به الأمة العربية إزاء الثقافة الغربية. ولأن خط التقدّم انتقل، كما لاحظ ابن خلدون في زمنه منذ نيّف وستة قرون، إلى شمال البحر […]

من صبي يبتكر شخصياته ويمثِّلها بنفسه سرًا، إلى نجومية تترسّخ عملًا بعد آخر، ومن الوقوع على منصة تمثيل في نهاية دور قصير إيمائي صامت، إلى الوقوف على منصة التكريم في أفلام السعودية في نسخته العاشرة؛ قصة يجب أن تُروى عن إنسان مسكون بالفنِّ.


0 تعليقات على “الانفعالات.. بوابة الحياة والموت في الرواية”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *