مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مايو – يونيو | 2019

“سعدية سابت سلطان..”
الإيحاء المؤدي للأسئلة


خالد ربيع السيد

لا يمكن مقارنة عاطفة الأبوة بعاطفة أخرى عند الرجل، خصوصاً إذا ما كانت من أب مرهف المشاعر، أو من ذلك النوع من الرجال الذين يقيمون شأناً عظيماً للنواحي الإنسانية في دواخلهم. ومن هذا المدخل يمكننا أن نتناول الفلم القصير “سعدية سابت سلطان” لكاتبته ومخرجته الطالبة جواهر العمري.

درست العمري الإخراج السينمائي في جامعة عفت بجدة، وأنجزت فلمها القصير هذا (30 دقيقة) كمشروع للتخرج في العام الماضي 2018، وساعدتها زميلتها سارة السبيعي في الإنتاج. وخلال الأشهر التالية، عُرض الفلم في عدة مهرجانات دولية ومحلية، منها مهرجان مالمو في السويد للأفلام العربية 2018، ومهرجان أفلام السعودية الذي أقيم في مركز إثراء في مارس من العام الجاري، ولقي ترحيباً جماهيرياً ونقدياً ملحوظاً. وعلى الرغم من أن الفلم يدخل تحت تصنيف “أفلام الطلبة” إلا أنه حقق حضوراً جيداً، ولفت الانتباه إلى الموهبة المتميزة التي يتمتع بها فريق الفلم، بدءاً من بطليه خالد يسلم ونايف الظفيري، وبالتأكيد مخرجته، ومنتجته ومعدي موسيقاه عزيز جان ومحمد قربان وأنس جبوري، والمشرفين على العمل عبدالرحمن خوج وأحمد البكري، ومخرجة الصور أحلام فاضل، ومساعدة المخرجة رغد باجبع.

حدوتة بسيطة
تدور أحداث هذا الفلم في مدينة جدة. ولا يتناول هاجسه الأساسي بشكل مباشر، ولكنه يطرح مغزاه بطريقة سردية يستنتجها المشاهد من خلال متابعته، وهذا ما أعطاه قيمته الفنية. فهذا أسلوب تتجه إليه سينما الواقعية الحديثة، التي تروي قصة بسيطة من واقع الحياة، لكنها مفعمة بالإشارات والدلالات العميقة التي لا تستعصي على المشاهد، بل إنه يجد لذة في فهمها وتأويلها.

يحكي الفلم قصة شاب يبحث عن عمل (سلطان)، يقوم بدوره الممثل الواعد خالد يسلم، الذي انتقل إلى السكن في حي شعبي، ويتضح فيما بعد أنه تخرج طبيباً ولم يعمل بعد، ويبدو أن هناك ما يعيقه عن تحقيق ذاته. ويلتقي سلطان بشاب يدعى (سليمان)، يقوم بدوره الممثل المتمكن نايف الظفيري، يساعده في العمل على سيارة لبيع المثلجات للأطفال.

نبدأ في استكشاف شخصية سلطان وأزمته. فكما يبدو أنه منفصل عن زوجته (هديل) وبالتالي لا تعيش ابنته (ميس) الطفلة مايا بخش معه. وأثناء بحثه في متعلقات ميس التي جلبها معه إلى السكن الجديد وجد دمية تخصها، ووجد كُرَّاس مادة الإنشاء الخاصة بميس وقت كتبت في صفحاته قصة بعنوان: “عندما تكلمت سعدية”. من هنا يتشكَّل عمود السرد في الفلم أو عقدته، إن صح القول. ويبدأ الرجل بالعمل كبائع متجوِّل للمثلجات على سيارة يمتلكها سليمان. ويتعمد سلطان الذهاب إلى الحديقة القريبة من البيت الذي تسكن فيه زوجته السابقة وابنته، لعله يلتقي بابنته أو يشاهدها على الأقل.

مشاهد من الفلم

يبتكر سلطان شخصية الدمية سعدية، ويبدأ في ابتكار مسرحه المتنقل على سيارة المثلجات، لتخرج سعدية الدمية بصوت يؤديه سلطان. ويلتف الأطفال حول مسرح العرائس السيّار ليشاهدوا القصص التي ترويها سعدية (بصوت الممثل خالد يسلم)، ومن ثم تأتي ابنته ميس وتتعرف إلى سعدية وتتعلق بها. ومع الأيام يحب الأطفال سعدية، ويتعلق بها سلطان أيضاً لأنها هي السبيل الوحيد لرؤية ابنته. فراحت تتوغل في شخصيته وجعلته يهرب من واقعه، راضياً بهذا الدور الذي يرفضه سليمان لأنه يريد لصديقه أن يواجه واقعه.. وينعكس كل ذلك من خلال حوار ذكي وعميق.

يبتكر سلطان شخصية الدمية سعدية، ويبدأ في ابتكار مسرحه المتنقل على سيارة المثلجات، لتخرج سعدية الدمية بصوت يؤديه سلطان. ويلتف الأطفال حول مسرح العرائس السيّار ليشاهدوا القصص التي ترويها سعدية

أداء تمثيلي محترف
لا يمكن لمشاهد الفلم إلا أن يعجب بالأداء التمثيلي لكل من خالد يسلم ونايف الظفيري. فهما على قدر عالٍ من حساسية استخدام كل جوارحهما في تجسيد الدور الملقى على عاتق كل منهما. ولذلك ظهرا وكأنهما حقيقيان لا يمثلان. فخالد يسلم لا يأبه بالكاميرا، يتحرك كما يحلو لجسمه، ويتحدَّث بنبرات صوتية منسجمة مع درامية المشهد. إنه مخلص لشخصيته، حتى إنه كان على مدير التصوير أن يتبعه بكاميرته، التي لم ترهق المشاهد بزوايا غير مؤاتية. إنه طاقة تعبيرية فنية من شأنها أن تؤدي مختلف الأدوار بتمكّن وقدرة فنية، وفي ذلك لا يمكن إغفال أداء نايف الظفيري الذي جاء على قدر إمكانات يسلم، فجسَّد دور الشاب ابن البلد بعفوية واقتدار بليغ، كما تجلَّى عدم خوفه من الكاميرا أو ميكروفونها.

حبكة تشوبها هفوات في السيناريو
لا يغيب عن المشاهد المتأمل ملاحظة بعض الهفوات التي وقع فيها الفلم فأثَّر على حبكته. حيث يمكن حصر عدة ترهلات غير موفقة أصابت هذه الحبكة. وأولها أن ليس هناك أي مبرر في جعل الطفلة ميس تتحدث بالإنجليزية الأمريكية، سوى التباهي والاستعراض بأنها تجيد هذه اللغة، أو لنقل تداعيات عقدة الخواجة التي تظهر من غير مسوّغ منطقي، إذ لا مبرر درامياً يفسر مخاطبة والدها لها بالعربية وردها عليه بالإنجليزية المصطنعة وكأنها طفلة أمريكية وليست سعودية.

وأيضاً، وفي سياق آخر، من غير المنطقي أن يتعلق أطفال بدمية شاهدوها مرة أو مرتين. فعالم الأطفال في عصرنا الحالي مليء بما يزاحم في وجدانهم تعلقهم بأية شخصية يرونها بشكل عابر في حديقة أو على قارعة الطريق.

وكذلك، ثمة غموض في كون البطل طبيباً لا يعمل، ويبدو أنه يعاني من صراع نفسي غير واضح في سرد الفلم. وفي الوقت نفسه، يُطرح سؤال آخر عن سبب طلاقه من زوجته أو سبب رفض زوجته له وانفصالهما. وعلى هذا النحو، فإن البناء الدرامي للشخصيات يبدو ضائعاً تماماً، في حين كان من الممكن تجويد السيناريو بحوارات تخاطب المشاهد ولا تزج به في أسئلة لا يجد لها إجابات.

مشاهد من الفلم

إضاءة متقنة وتوظيف موسيقي مربك
لعبت الإضاءة دوراً مهماً في مشاهد الفلم، خصوصاً في النهاية. وكذلك الإضاءة الداخلية في شقة البطل، وأيضاً الليلية الخارجية التي جاءت داعمة للإيحاء بالوقت. بينما أصاب التوظيف الموسيقي شيء من الخلل.

ففي الاستخدام الأول للموسيقى يلمس المشاهد مناسبته وانسجامه مع الحدث، غير أن الاستخدام الثاني للمقطوعة الموسيقية نفسها جاء من دون حساسية تجاه متطلبات المشهد، فأفقده تأثيره النفسي. والأدهى من ذلك أنه تم استخدام المقطوعة نفسها في “التتر” النهائي، ما جعلها مكررة من غير توظيف درامي، رغم أنها موسيقى عذبة تقترب من الحس البيئي لمدينة جدة.

خاتمة موفَّقة
يمضي الحال بسلطان في أن يطلب صاحب العمل منه التوقف عن العمل، فيفقد صوته والحالة التي تلبسته في تقمص شخصية سعدية. وهنا يتحقق عنوان الفلم: سعدية سابت سلطان، بما يفتح مزيداً من الإيحاءات المؤدية إلى الأسئلة حول مصيره، ويثير نقاشاً داخلياً عند المشاهد، وهنا تكمن روعة الفلم.


مقالات ذات صلة

ما من روائي قرَّر أن يكتب رواية إلا وفكّر كثيراً في صياغة العبارة الأولى لروايته وكيف يكون استهلاله لها. وغالباً ما يقوده هذا التفكير إلى عديد من الخيارات والطرق في كتابة تلك الجملة الأولى التي يعتقد أنها افتتاحية مُثلى، قادرة على جعل القارئ يتعاطى مع النص الروائي بوضوح وتناغم. إن الجملة الأولى في الروايات تُكتب […]

حتى وقت قريب، كان القاموس الصديق اللصيق للطالب والكاتب والمثقَّف، ومن المستلزمات التي لا غنى عنها في أية مكتبة شخصية مهما كانت صغيرة. أما اليوم، فثمَّة ظن عند البعض أن الترجمة الإلكترونية قضت أو ستقضي على القاموس الورقي التقليدي. والأمر غير صحيح. إذ إن للقاموس ميزات خاصة به وتختلف تماماً عن مواصفات أية مطبوعة قابلة […]

لأكثر من خمسة وأربعين عاماً، وعبدالرحمن السليمان يحفر في عالم الفن. فالتلميذ الصغير الذي كان شغوفاً بفن الرسم في المدرسة الابتدائية، لم يحد يوماً عن انشغاله بعالم الفن التشكيلي إنتاجاً وتنظيماً للمعارض وخدمة الناشئين من الفنانين الشباب. ونضج فنه الذي راح يحصد الجوائز المحلية والعربية، ولمع اسمه في لجان التحكيم، وباتت لوحاته تباع في المزادات […]


0 تعليقات على “الإيحاء المؤدي للأسئلة”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *