مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
نوفمبر – ديسمبر | 2018

الأفلام الوثائقية هل تبحث فعلاً عن الحقيقة؟


هوفيك حباشيان

جان لوك غودار من تصوير فِلْم “هنا وهناك”

أظهرت الصفحات الأولى من فهرس معرض “قرن من التلاعب بالصور” الذي أقيم في باريس، أن الصور ليست سوى تأويل ومحاولة ترجمة للواقع، وكأن الصورة الحقيقية غير موجودة. إذاً، لماذا تشكَّل لدينا انطباع بأن مخرجي الأفلام الوثائقية ومعدّي النشرات الإخبارية في التلفزيونات هم موكلون بمهمّة البحث عن الحقيقة؟ الصورة في الحاضر تُخفي أكثر مما تُظهر، بدليل أن إحدى الصور في المعرض الفرنسي كانت للزعيم الروسي ميخائيل غورباتشوف، وقد ظهر فيها وجهه من دون البقعة الحمراء الموجودة على جبينه. فمن يستطيع أن ينكر أن الصورة تُستغل اليوم لغايات سياسية واجتماعية؟

“الصورة ليست خدعة، ولكن واقعها مستقلّ عمّا يراه المرء بالعين المجرَّدة. فالصورة الحقيقية غير موجودة”، هذا ما يقوله المخرج والناقد والكاتب وفيلسوف الصورة الراحل التشيكي هارون فاروقي، (درس في الأكاديمية

جان لوك غودار

الألمانية وعاش وعمل في برلين) وهذا ما توصّل إليه من استنتاجات وقراءات وتفكيك رموز في إحدى الأمسيات التي قدّمها قبل سنوات، وحفلت باللغط وتصحيح اللغط.

من مصطلحات فاروقي التي تدعو إلى التفكير: “الصورة المزعجة”، وهي الصورة التي يميل إليها، ويدعونا إلى أن ندرك الفرق بينها وبين الصورة النمطية الصادمة التي نراها على الشاشة الصغيرة أثناء تغطية الحروب على سبيل المثال، ويكون أبرز ما فيها أشلاء القتلى المرميين في الشوارع. ولكي يتفادى التلصص الشنيع في أفلامه، يستخدم فاروقي طريقة الكاتب الفرنسي غوستاف فلوبير، الذي يقول عنه إنه لم يستخدم فعل الإدانة في تحفته الأدبية “مدام بوفاري”، رغم أنه لم يكن كثير الإعجاب بالشخصيات. ذلك لأن المصلحة التي كانت تربطه بهؤلاء كانت قويّة وولّدت أخلاقية من نوع آخر، كانت كافية ليسلِّط الضوء على آلية السلوك بين الرجل والمرأة. فيقول فاروقي: “على غرار فلوبير، لا تستهويني دوماً شخصيات أفلامي، لكن الاهتمام الجدّي بها يجعلني أتفادى التلصص”.

الفرق بين الوثائقي الكاذب
والغش الإعلامي

المخرج جوشوا أوبنهايمر

تطرَّق فاروقي إلى الحرب وتداعياتها الاجتماعية والنفسية في أكثر من فِلْم. فمدينته برلين والنزاع الذي أتى ليدمّرها أسهما في دفعه باتجاه هذا الموضوع. فإلى أي مدرسة وثائقية تنتمي الأفلام التي ينجزها فاروقي، ومن هم معلموه؟ غودار بالطبع. ولكن هناك أسماء أخرى في حسابه مثل جان روش وريمون دوباردون. يقودنا هذا إلى ما يسمى “الوثائقي الكاذب”، وهو نوع راج في الغرب، وقد اختبرت المخرجة أنييس فاردا هذا النوع قبل نحو 30 عاماً في فِلْم كان جميع من فيه من الممثّلين. ولكن عند فاروقي ثمّة فرق بين ما نشاهده في وثائقي كاذب أُنجز لهدف فنّي محض، و”الغش الإعلامي” الذي يعتمد على تلك الصور لغاية سياسية. فأكثر صورة صدمته في حياته هي صورة بلدوزر محمّل بالجثث رمى محتواه في حفرة كبيرة، وقوله بشأنه: “ليس استخدام البلدوزر ما أثار سخطي، إنما هذا الخيار في عدم لمس الأجساد الميتة، وكأنها حيوانات”.
خلافاً للسينما الوثائقية، تستخدم نشرات الأخبار والريبورتاجات التلفزيونية الصور السريعة، لأنها لا تبلغ مرتبة الإدراك عبر الحواس. إنها “الرسائل التي لا يلتقطها الوعي”، تلك التي لا تصل إلى مرتبة الإدراك رغم التقاطها عن طريق الحواس، كالصور السريعة التي تتوالى في الأفلام والتي لا يركّز عليها المشاهد عادةً. فالفِلْم يعرض 24 صورة في الثانية، أما الصورة التي تلتقطها العين، فلا تزول مباشرة بل تبقى مطبوعة خلال عشر الثانية، وهذه فترة قصيرة لا تكفي لكي يتلقاها الوعي. وهناك جملة طرق لإيصال رسالة غير واعية إلى ذهن المشاهد، مثل بثها سريعاً، أو عرضها على نحو ثابت بين صور سريعة الحركة.
ويقدّم التلفزيون والإعلان أمثلة كثيرة عن الرسائل غير الواعية التي تؤثر في تصرفات المشاهد والقارئ، على غرار الصحف والمجلات التي تستخدم وسيلة أخرى ترتكز على الربط بين المقال الإعلامي والإعلان، مثل الجمع بين مقال رياضي يتحدّث عن الركض، وبيان إعلاني لساعة ثمينة تحت شعار “القوة الداخلية”. ويؤدِّي هذا الربط إلى البعث برسالة يلتقطها الدماغ من دون ردّها إلى الوعي.
لذا، لا يخفي المخـرج الروسي سرغي لوزنيتّسا قلقه من توظيف السينما الكبيرة لأهداف عقائدية، ويقول: “الدعاية اليوم صارت أذكى بكثير مما كانت من قبل. ومسألة التلاعب بالمُشاهد… في الحقيقة جميعنا نتلاعب به”.

بعض توظيفات السينما الوثائقية
بين مونييه وغودار

“السينما تصنع الذكريات، أما التلفزيون فيفبرك النسيان”.

جان لوك غودار

هناك توظيفات للسينما الوثائقية بقدر ما هناك سينمائيين. فالمخرج الفرنسي جان هنري مونييه يحملنا إلى الحياة الجبلية التي يرغب في تقاسمها مع الآخر. ففي فِلْمه الوثائقي “الحياة كما هي”، يسعى إلى إظهار صورة لامعة عن أهل قرية ناجاك، فتفاعل تفاعلاً صادقاً مع كاميراته، ولم يبعث الأحاسيس الزائفة. كان بإمكانه أن يظهر ما هو قاسٍ، لكنه اعتبر أن لدى الناس ما يكفي من الحزن. ولذا، نراه يسلّط الضوء على الجانب المضيء من الطبيعة البشرية، لعل ذلك يمنح الآخرين الأمل والقدرة على مواصلة الحياة حتى ليخيّل للمشاهد أنه يصوِّر عالماً ينقرض. فاليوم قلَّة من الشباب يعرفون كيف يُذبح الدجاج في المزرعة. هذا هو العالم الذي يختفي. صحيح أنه صوّر عالماً ينقرض، لكنه لم يبتعد عن واقعنا الآني، خصوصاً حين نتعرَّف إلى هنري، القروي الشاب المهتم بالزراعة البيولوجية الذي يقول لسوزو في آخر الفِلْم، إنه ذاهب إلى فلسطين كي يساعد القرويين الذين سُلبت أراضيهم، وأيضاً لقطف الزيتون”.. فهذا دليل على أننا ما زلنا في الحاضر.

ذاكرتا السينما والتلفزيون
ولا يمكن تجاهل جان لوك غودار عند الحديث عن السينما الوثائقية في مواجهة كلّ أنواع وسائل الإعلام الأخرى. فهو القائل إن “السينما تصنع الذكريات، أما التلفزيون فيفبرك النسيان”. بهذه العبارة الشهيرة، كان غودار، السينمائي التابع للموجة الجديدة، ينوي الإشارة إلى الشرخ الحاصل بين وسيلتين مرئيتين، ولدت الأولى من أحشاء الثانية. وعلى الرغم من ذلك، لا يجمعهما إلا مبدأ الاختلاف.

فلطالما أكّدت الأبحاث أن طبيعة الاستقبال ونوعية الاستعداد تختلفان بين المتلقي الموجود أمام شاشاته الصغيرة، والآخر الجالس في قاعة مظلمة قبالة شاشة ضخمة. حتى على المستوى التقني، يتلقى الأول إشعاعات ضوئية “مباشرة” تجعله يمكث في مكانه لساعات طويلة، كما لو أنه تحت تأثير منوّم مغناطيسي ويفقد جزءاً من حواسه، في حين أن المشاهد الغارق في الفانتازيا السينمائية، يتلقى إشعاعات ضوئية “منعكسة” تجعله يحافظ على وعي فكري معيَّن.
نفسياً، يمكن لمشاهد التلفزيون أن يستوعب كلّ ما تلتقطه عيناه، من دون التدقيق في صدقيته. في حين يبدو أن مشاهد السينما يستطيع الدفاع عن وجهة نظره ومناقشتها، إذا احتاج الأمر إلى ذلك.
لكن ثمَّة اختلافات أخرى على صعيد الهواجس أو الطموحات أو الحوافز تظهر الأمور على حقيقتها. فإذا اعتبرنا أن السينما كالأدب هي آلة لفبركة الأساطير والعمالقة من الورق، فالتلفزيون بمساعيه العابرة، حريص دائماً على “أسطرة” بعض الشخصيات لمـدة محدَّدة، قبــل أن ينطلق في عملية عكسية لإزالة هالة التمجيد من على رؤوس هذه الشخصيات.

الكليشيات والمسلّمات تخلق وهم الموضوعية في السينما.

جوشوا أوبنهايمر

ولأن ذاكرة التلفزيون، على عكس ذاكرة السينما، قصيرة الأمد، ويجدر بين وقت وآخر، وتماماً كالحاسوب الآلي وأسطوانته الجامدة، إفراغها من المحتويات، يصبح لزاماً عليه أن يضع الأشياء مجدداً في مكانها الصحيح، ويعيد تجسيد الشخصية التي بالغ في وصفها، هذه المرة على حقيقتها وواقعيتها، وهذا ليس بدافع القناعة بمبدأ أو موقف معيَّن، إنما من أجل استخدام الشخصية ونقيضها في ضربة تجارية واحدة. (مايكل جاكسون هو من الأساطير التي كانت ضحية هذا الموضوع).
وإذا كانت السينما هي المكان النهائي، حيث تأخذ الصورة حقَّها من الانتظار والتأمل واحتمالات القراءة المتعدِّدة، فالتلفزيون هو المكان الذي تتعرَّض فيه الصورة باستمرار للخيانة، لأن الصورة التي نراها على الشاشة الصغيرة لا تعمل بمبدأ الأخذ والرد.
وبعد أن استُخدم التلفزيون لشنّ حروب نفسية بين الأطراف المتخاصمة، وأيضاً بعدما استجاب لمتطلبات زمن يجد متعته في التلصص ليسجّل الحياة برتابتها المخيفة (أشير إلى ظاهرة “تلفزيون الواقع” التي اجتاحت شاشات العالم كله قبل بضع سنوات)، يتجدَّد نشاط التلفزيون في مجال تجريد الأساطير التي يصنعها بنفسه من كلّ ما يمنح لهذه الأساطير نكهة خاصة ولوناً ومذاقاً وعوامل كافية لصنع مجدها.

فِلْم “فعل القتل”

بين الذاتي والموضوعي
عبارة غودار، صاحب فِلْم “هنا وهناك”، التي تقول “دعونا لا ننجز أفلاماً سياسية، بل ننجزها سياسياً”، لا يوافق عليها المخرج الوثائقي الشهير فريدريك وايزمان الذي يعدها مجرد عبارة جميلة، لا أكثر. أمّا عن الحدّ الذي يفصل الأخبار، أي المعلومات، عن السينما، أي الفن، فبالنسة له كلّ شيء ذاتي. ولا وجود للموضوعية. “ليست لديَّ فكرة عما تعنيه هذه الكلمة. فعلاً، ماذا تعني موضوعية؟ ربما عليك أن تلتقط صورة من 360 زاوية وبـ 360 كاميرا لتقول إنك موضوعي. فكم من الوقت تستطيع أن تفعل ذلك؟ وهل إذا استمر التصوير بهذا المنطق، فسيُعدّ موضوعياً؟. بدلاً من كلمة موضوعية استعمل كلمة “عدل”. لأنك حتى عندما تعطي الكلمة لطرفين متخاصمين، وتنقل وجهتي النظر المتضاربتين في شأن واحد، يكون هذا تقويماً ذاتياً للمسألة. في الفنّ والسينما كلّ شيء ينبع من خيار. شخصياً، أبحث عن الحقيقة، الحقيقة وفق اقتناعاتي أنا. لذلك، أجد عبارة “سينما الحقيقة”، في منتهى الادعاء. لا يمكن للفِلْم أن يقول الحقيقة المطلقة. قد ينقل حقائق، أو حقيقة واحدة. ومهما قلنا، ففي النهاية، هناك معطيات تقول لنا إن الفِلْم السينمائي هو تعبير عن فكر المخـرج الذي يقف خلف الكاميرا”.
المخرج جوشوا أوبنهايمر الذي أبهر العالم بفِلْم ”فعل القتل” لا يؤمن أيضاً بالموضوعية التي تدَّعيها الريبورتاجات المتلفزة. ويتفادى حتى استعمال هذه الكلمة، ويعبّر عنها بكلام آخر. فالكليشيات والمسلّمات تخلق وهم الموضوعية في السينما. وبالنسبة له ثمَّة أفلام تضع المُشاهد على مسافة آمنة من الموضوع المطروح، وهذا ما يسهّلها. إنه “تكنيك” الصحافة التي تحاول شرح الموضوع للمُشاهد، لا توريطه فيه أو جرّه إليه. في اللغة الإنجليزية، كلمة موضوعية تُستعمل دائماً بحذر. إذ، مثلما لا نستطيع فصل الفرد عن محيطــه، لا نستطيع فصل الجمالية عن المضمون. الشكل والمضمون يتكاملان.
في “نظرة الصمت”، حاول أوبنهايمر تصوير شيء غير مرئي: الخوف والصمت. حاول أن يجعل اللامرئي مرئياً. والسؤال هو: كيف نفعل ذلك؟ كيف نجعل رؤيته ممكنة؟ فالعنف في فِلْم “فعل القتل” و”نظرة الصمت” لا يتمثل فقط بالأحداث التي حصلت سابقاً في الستينيات من القرن الماضي، بل في فرض الصمت على الناس وإحراجهم ومحاصرتهم بالخوف.

لقطة من فِلْم “فعل القتل”

السينما ومواصلة الاكتشاف
يقول أوبنهايمر: “قال أحدهم: إذا كنتَ تعرف مآل الحكاية التي تريد قولها وأنتَ تنجز الفِلْم، فلا داعي لأن تنجزه. السينما اكتشاف متواصل… طبعاً، لديّ اقتناعي الخاص، لدي نبوءتي، لدي رؤيتي وفكرتي الصغيرة. إنها تأتيني عادةً على شكل استعارة، تقود خُطاي وأنا أبحث. أبحث وأبحث كثيراً. كبحّار مستكشف يراقب النجوم ليجد طريقه وهو يجتاز المحيط. لا يمكن التخطيط لأيّ فِلْم بأكلمه، لأنّ كلّ ظرف سيعلّمك شيئاً جديداً ومختلفاً تماماً عن الظرف الآخر، وسيُضيء الخطوة المقبلة في الرحلة. حالتنا أشبه بالرجل الذي يرى يومياً وهو في طريقه إلى العمل، متسوّلاً يجلس على الرصيف ولا يعيره أهمية. ولكن في إحدى المرات، يراه يكافح ليربط شريط حذائه، فيستعد ليناوله المال ولكنه يراه مشغولاً بحذائه. ساعتذاك، ولمجرد ثانية، يشعر ماذا يعني أن يكون المرء متسوّلاً. فيراه في إطار جديد كلياً. هذا هو الجواب! إنه إدراك عاطفي للشيء. إنه غياب الكلمات فحسب”.


مقالات ذات صلة

للموسيقى الهندية شخصية خاصة، يعود اختلافها عن باقي ألوان الموسيقى في العالم بالدوافع إلى نشأتها، ووظيفتها وآلاتها والعوامل التي أثّرت في تطوّرها. ويحتل الموسيقار أمجد علي خان مكانة بارزة في الموسيقى الهندية المعاصرة. غير أن الإطلالة عليه لا يمكن أن تكون إلَّا من نافذة التراث الموسيقي الذي ينتمي إليه. فالموسيقــى والموسيقــار نافذتــان مشرعتان على بعضهما، تساعد الواحدة على فهم الأخرى.

أغرب ما يطالعك به دعاة التغريب ادعاؤهم أن اللغة العربيّة عسيرةٌ عصيّة، يشقّ على الطلاب فهم مفرداتها وحفظها. وبهذا الادعاء يريدون أن يُبغِّضوا أبناءنا بلغتهم وأن ينفِّروهم منها، ليقدِّموا عليها اللغات الأجنبيَّة عامةً، والإنجليزيّة خاصةً.

للوهلة الأولى، تطالعك لوحات هيلين دين وكأنك تطل من نافذة الطائرة على سهول زراعية شاسعة ومتنوِّعة، تتخللها بحيرات زرقاء بين الحين والآخر. وتشعر شعور اليقين أن الخيال الذي شكَّلها ينتمي إلى بلاد يغلب عليها هذا المشهد الصباحي النضر، والذي يحمل إليك فيضاً من الهواء النقي. فتقول إيرلندا أو كندا، وإذ بها نيوزلندا التي ربما تكون أشد اخضراراً وتلوّناً من الاثنين.


0 تعليقات على “الأفلام الوثائقية”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *