أدب وفنون

ريتشارد سيرا

وفن ما بعد المنحوتة

Richard-Serra-Tilted-Spheres2 _Wikimedia_تنطلق فكرة الفنان الأمريكي ريتشارد سيرا المولود في سان فرانسيسكو عام 1938م، من ثنائية المادة والمكان، التي يمكن قراءتها بصرياً في مشاريعه النحتية والتركيبية المتنوعة، واشتغاله على الكتل الصلبة، ولعل من بينها على سبيل التمثيل لا الحصر عمله «منحوتة 7» الذي تم تدشينه بالدوحة في قطر عام 2011م بالقرب من متحف الفن الإسلامي، وعمله الآخر «شرق−غرب/غرب−شرق» الذي عرضه في قلب الصحراء بقطر عام 2014م.

بخفة الحديد!
خاض الفنان تجارب فنية على مستوى الخامات قبل اشتغاله على خام الحديد، إذ سبق له أن استخدم المطاط في منتصف الستينيات، كما اشتغل على خام الرصاص، ليجد نفسه بعد ذلك مع خام الحديد والفولاذ.

واستطاع الفنان سيرا أن يطرح عديداً من الرؤى البصرية المختلفة والجديدة، منذ أن بدأ تجربته البصرية الطويلة في النحت والتشكيل والتركيب. فأعماله بطبيعتها تطرح أسئلة في الفن المعاصر وفنون ما بعد الحداثة والتحوّل في فن المعمار الحديث، التي بطبيعتها تعطي دوراً كبيراً للخام الواحدة والموحدة في أغلب أعماله ومشاريعه الأخيرة وهو الاشتغال الجاد على خام الحديد.

richard_serra_portrait.downloadوليس اعتماد ريتشارد سيرا على خام الحديد ببعيد عن بحثه الفلسفي حول جدلية الخفة والثقل، فهو يتمنى أن يجعل من الحديد وزن الخفة، وزن اللاشيء، اللاوزن. وهذا التفكير الفيزيائي تولَّد لديه في طفولته حينما أخذه والده يوماً وهو في سن الرابعة إلى حفل تدشين سفينة ضخمة وصفها بأنها بدت كناطحة سحاب. وكانت دهشته آنذاك لا توصف حينما رآها وهي تأخذ طريقها في البحر. ليخرج من ذلك المشهد بحلم كان يتمنى تحقيقه وهو تحويل الأشياء ذات الأوزان الثقيلة إلى أشياء خفيفة. وهو تفكير فيزيائي وفلسفي معاً، قاد الفنان سيرا إلى تصورات أخرى في مفهوم وتكوينات الطبيعة وتعقيداتها، وفي وعيه بالأشكال والأحجام الهندسية والخامات. كما اهتم في أعماله بقانون الجاذبية الذي حاول أن يلغيه في بعض أعماله، وهو قلق بصري ظهر بجانب أفكاره السابقة المتعلقة بالفيزياء والهندسة.

كما تمتاز أعمال سيرا بالضخامة في الحجم والشكل والوزن، وعلى توحيد العلاقة بين فن الشكل للشيء الواحد الذي من خلاله تتعدَّد الأشكال والنماذج والكتل، وبين الشكل المتعدد الذي يمكن إيجاده في جسد بصري واحد، كزاوية أو انحناءة مثلاً.

RichardSerra_Fulcrum2 _Wikipedia_ولقد جعل الفنان من الأشياء أماكن كبرى ضمن أماكن صغرى، فهو يصنع الأحجام في حيّز صغير ضيّق لا يتسع لشيء، مستغلاً بذلك مسافة الارتفاع في الطول، وانعطاف الزوايا في الدوران.

من هنا تكون فلسفة المكان عند الفنان سيرا متعلِّقة بالبناء والبنية معاً، لا في استقلالهما. فهو يرى من خلالهما تضافر العناصر في أي مجسم أو منحوتة، ولا يمكن فصلهما عن بعضهما، فالفراغ جزء أساسي في التكوين العضوي للشكل إن لم يكن هو مكمن البطولة عنده.

يقول الفنان: «أنا لا أبدأ بالرسم وإنما ببناء النماذج»، الأمر الذي يدل على حقيقة ذلك في مقارباته البصرية في الوعي النحتي، فهو يبني شكلاً جاهزاً بزواياه وأبعاده الثلاثية لا رسماً على سطح الورقة أو القماش كغيره من الفنانين والمهندسين، وهو بهذه الفلسفة والطريقة ألغى شكل الخط والرسم رافعاً من قيمة التجسيم والتشكيل الخامي للعنصر.

المنحوتة «سبعة» في قطر
Richard_Serra_7ومن آخر الأعمال التي قام الفنان ريتشارد سيرا بطرحها منحوتة «سبعة» التي تمثِّل بجانب غيرها من الأعمال ما يمكن تسميته بفن ما بعد المنحوتة. فهذا العمل مكوّن من سبع شرائح طولية من الفولاذ الخام غير المزخرف، تزن أكثر من 385 طناً، وتمّ تعدينها وصبها في معامل مجهزة بألمانيا، واستغرق تجهيز العمل وجلبه وتركيبه في موضعه المحدَّد بالدوحة ما يقارب ثلاث سنوات، حيث بلغ ارتفاع العمل 80 قدماً. والمنحوتة بهذا الطول الشاهق تُعد من أطول الأعمال البصرية في قطر، وهي أطول عمل قام به الفنان في تاريخه.

إن مجسم «سبعة» يعبِّر في فلسفته البصرية عن الانعتاق من اليابسة. فهو يهرب منها إلى السماء، إلى مكان نزل منه حديد يبحث عن مأواه، هناك بالأعلى عبر تراجيدية التكوين الأصلي له.

056ويقول الفنان إنه استلهم فكرة المنحوتة «سبعة» من فن المعمار الإسلامي وهندسة المباني الإسلامية. فقد تتبع صور أشكالها، وقرأ في تاريخها من الأندلس إلى اليمن، ولاحظ فجأة أن أعماله متجانسة مع هذا التراث العريق. وليست تسمية المنحوتة بهذا الاسم «سبعة» إلا احتضاناً للطاقة الروحانية التي وجدها في ثقافة المسلمين، وكأنه بذلك يوغل في فلسفة العدد والأرقام وعمق معانيها ودلالات تأويلها عند العرب.

كما زاوج الفنان سيرا في عمله منحوتة «سبعة» ما بين الفن المعماري وفن النحت، ليصبح عملاً بسيطاً في خامته وتركيبه وشكله، صعباً في فلسفته وتأويله وخطابه.

serra (2)ويحضر المتلقي في وعي الفنان ريتشارد سيرا واهتمامه، فهو يذكر في حوار معه أن هناك اختلافاً لاحظه بين المتلقي ومرتادي المعارض ومحبي الفنون. فهم جميعاً يقفون أمام أعماله متسائلين عن المقصد، منهم من لا يرى في أعماله فناً، وقلة منهم عكس ذلك. وهذا الأمر في حقيقته يمثِّل مشكلة أزلية بين الفن والفنان والجمهور، وخاصة حينما يكون العمل من فنون ما بعد الحداثة والفن المفاهيمي التي هي من الطبيعي مسكونة بالصدمة للمتلقي من خلال عدة أمور، لعل من بينها مثلاً: غرابة الشكل، وانعدام الجمالية، وابتعادها عن المباشرة في الطرح الذي يجده المشاهد جاهزاً في بعض مدارس الفن، وخاصة في الفن الكلاسيكي.

serra (4)وباستطاعة المتلقي أن يتفاعل مع أعمال سيرا من خلال الدخول والسير داخل مجسماته ومحاولة لمسها باليد والإحساس بملمسها الخشن تارة والناعم تارة أخرى على صفائحها الحديدية، ومن حيث وجود النتوءات والفراغات. وقد كان للفنان سيرا تجربة من هذا القبيل مع عمله منحوتة «سبعة» ومنحوتة «شرق-غرب/غرب-شرق»، حيث يتفاعل الجمهور مع العمل لا في مشاهدته بصرياً فقط، وإنما محاورته باللمس والحركة بداخله، وبعضهم يقوم بإصدار الصوت حيث الصدى ورجوع الصوت مرة وضياعه في الفراغ مرات كثيرة، وهو بلا شك جزء من فكرة العمل.

ومن يقوم بمشاركة العمل المسمى بـ «Inside Out» سيجد نفسه مصاباً بالدوار، لأن العمل يشبه استدارات الدهاليز وفكرة الأماكن المغلقة التي تثير في مَنْ بداخلها الخوف والغربة والقلق النفسي وسرعة البحث عن مخرج، وهو أمر صعب على المتلقين المصابين برهاب هذه الأماكن.

وظهرت فلسفة مابعد المنحوتة في أعماله الأخرى التي تقترب في فكرتها من الفن المفاهيمي، منها على سبيل التمثيل لا الحصر: دعامة الطن الواحد التي عرضها في عام 1969م، وعمله «مجالات» عام 2013م الذي هو عبارة عن ألواح متقابلة، وله أعمال أخرى مشابهة في برلين عام 2006م، وحوائط فولاذية ممتدة عبر مساحات شاسعة في حدائق كبرى بأمستردام، عمل فيها على فكرة الارتفاع والانخفاض ضمن ما يُعرف بفن الأرض.

 

أضف تعليق

التعليقات