تقرير القافلة

صناعة الترفيه والعصر الرقمي

81«تعد الثقافة والترفيه من مقومات جودة الحياة» حسبما جاء في «رؤية المملكة 2030»، ولا يقتصر أمرها «على دعم إيجاد خيارات ثقافية وترفيهية متنوعة تتناسب مع الأذواق والفئات كافة.. بل ستلعب دوراً اقتصادياً مهماً من خلال توفير عديد من فرص العمل»، كما يستشرف نص الرؤية نفسه.
لقد شهدت صناعة الترفيه تحولات كبيرة على مستوى العالم خلال العقود القليلة الماضية، تمثّلت من جهة بتعاظم غير مسبوق لحجمها الاقتصادي الذي تقدِّره بعض المصادر بنحو تريليوني دولار، ومن جهة أخرى بظهور مكوّنات جديدة بفعل التطور التقني الذي أضاف كثيراً إلى عناصرها التقليدية المعهودة منذ مئات السنين.
يرتبط الترفيه بأوقات الفراغ وأوقات العمل. وقد حافظ الإنسان على معدل ساعات عمل للفرد عند حدود 3300 ساعة سنوياً منذ أن دخل عصر الزراعة، وحتى الثورة الصناعية في مطلع القرن التاسع عشر. ومنذ عام 1840م وحتى اليوم، انخفض هذا المعدل تدريجياً إلى أن وصل إلى 1900 ساعة، بفعل زيادة إنتاجية الفرد (أي ما ينتجه في الساعة بمساعدة الآلة). فازدادت، إثر ذلك، أوقات الفراغ، التي صارت تُستهلك في نشاطات ترفيهية متنوعة، أصبحت بدورها جزءاً من الدورة الاقتصادية تحت اسم «صناعة الترفيه».

الترفيه قبل الثورة الصناعية
1 – المجتمعات القبلية
لا تفرقة بين أوقات العمل وأوقات الفراغ، العمل هو نفسه نشاط ترفيهي.
القيام بالعمل عند الضرورة.
الترفيه يرافق الطقوس الاحتفالية خلال العمل الجماعي أو بناء البيوت أو الصيد وغيرها.
خلافاً للاعتقاد السائد، الترفيه هنا ليس تعويضاً عن فقدان السعادة، كما في المجتمعات المعاصرة؛ فالحياة نفسها هي مصدر السعادة.

2 – المجتمعات القديمة
82للنشاطات الترفيهية في المجتمعات الزراعية القديمة أسباب ومصادر اجتماعية.
الألعاب الشعبية (القائمة على المنافسة والقوة الجسمانية) كانت من آثار الحروب.
عندما تستبدل أداة حربية معينة بأخرى جديدة، تستمر الأولى كأداة ترفيهية (القوس في الرياضة والصيد).
اعتماد الزينة بهدف إعلان الانتماء إلى جماعة محددة، وإلى فئة أصغر ضمن هذه الجماعة، وانسحاب ذلك على الفنون الشعبية.
كان الغرض من أنواع الترفيه وقص الحكايات ترسيخ المعتقدات والقيم، وتاريخ ثقافة الجماعة في سبيل تقوية التعاضد الاجتماعي.
كان للترفيه في الحضارات القديمة بعض الأبعاد المرعبة، كما كان الحال مثلاً عند افتتاح الكولوسيوم الكبير في روما القديمة سنة 80 ميلادية باحتفال امتد لمئة يوم، وتمثل بمجزرة كبيرة بين الحيوانات المفترسة وأناس محكومين. وكان الإمبراطور تيتوس يشاهد منتشياً هذه المقصلة يومياً، بحضور حوالي 80000 مشاهد آخرين يستمتعون معه بهذا الصراع الدامي.

الترفيه وقص الحكايات كان هدفهما ترسيخ تاريخ ثقافة الجماعة في سبيل تقوية التعاضد الاجتماعي

3 – في حضارات العصر الوسيط
في الحضارة الإسلامية كما في باقي الحضارات حتى القرن التاسع عشر، تركز الترفيه في:
قصور الحكام، حيث لعب الترفيه، لمناسبة معينة أو من دون مناسبة، دوراً بارزاً في تطوّر بعض الفنون والآداب.
أماكن عامة مغلقة وشعبية بمنزلة استراحات للرجال. (أعقبها ظهور المقاهي في القرن السادس عشر، وتحوّل بعضها الى أماكن لقراءة الأدب الشعبي).
اقتصار الاحتفالات الشعبية العامة على مناسبات سنوية محددة، مثل الأعياد، أو تسجيل انتصارات حربية.
اقتصار الترفيه اليومي على الأولاد بألعاب جماعية في الهواء الطلق.

نشأة صناعة الترفيه الحديث
circus_011 – دور زيادة الإنتاجية
بتعاون العلم والتكنولوجيا والمال بدأت الصناعات تنتقل من البيوت إلى المصانع، وأدى تركز المصانع في المدن منذ بدايات القرن التاسع عشر، إلى هجرة كبيرة من الريف إليها. والحياة المدنية هي الأساس في نشأة النشاطات الترفيهية الحديثة.
زادت القوة الميكانيكية لآلات الإنتاج بنسبة كبيرة، وحلت محل جزء كبير من اليد العاملة. ومع التقدم التكنولوجي المطرد، ارتفعت باستمرار نسبة أوقات الفراغ وانخفضت ساعات العمل.

2 – الترفيه الخلاق
في مطلع القرن العشرين، برزت حاجة ماسة في الدول الصناعية لليد العاملة الماهرة والمتعلمة فوجدت الدعوات من المؤسسات الرسمية والمجتمع لتشجيع الناس، في أوقات فراغهم على ما أطلق عليه «أنشطة ترفيهية خلاقة» فظهر:
انتشار واسع للمكتبات العامة المجانية.
إدخال الفن والحرف إلى البرامج المدرسية.
إقامة المعارض الفنية.
اجتماع الفنانين والممولين لإقامة المشاريع المشتركة.
تشجيع النشرات الترفيهية الخلاقة.

الهجرة الكبيرة من الريف إلى المدن والحياة المدنية هي الأساس في نشأة النشاطات الترفيهية الحديثة

3 -أوقات الفراغ والتعابير الجديدة
مع تبلور وترسخ صناعة الترفيه كفرع اقتصادي حديث، أصبحت لأوقات الفراغ تسميات تلائم هذه النشاطات وتعيد تعريفها من جديد:
خارج أوقات الدوام «فري تايم».
نهاية الأسبوع أو «الويك إند».
الأمسيات الحرة “«فري إيفنينغز».
الإجازة السنوية.
التقاعد.

تقنيات الترفيه الحديثة
1 – قبل الإنترنت
83aكان الراديو وسيلة الترفيه الأساسية لعامة الناس في النصف الأول للقرن العشرين.
بعد الخمسينيات من القرن الميلادي الماضي، صار التلفزيون وسيطاً أساسياً للترفيه الجماعي، وانتشر سريعاً على الصعيد العالمي.
ظهور الألعاب الإلكترونية لأول مرة في السبعينيات، عبر أجهزة تدار باليدين.
انتشار عالمي سريع للكمبيوتر الشخصي والهاتف المحمول والأقراص المدمجة في الربع الأخير للقرن العشرين.

2 – في عصر الإنترنت
ظهور الألعاب عبر الشبكة في العقد الأخير من القرن العشرين.
ظهور الكمبيوتر اللوحي وهو كمبيوتر شخصي صغير الحجم ومتحرك.
ظهور الهاتف الذكي.
دمج وسائط ترفيهية عدة في جهاز واحد موصول بالشبكة.
تفوق الترفيه بواسطة الأجهزة التقنية على كافة أنماط الترفيه التقليدية على صعيد الوقت المستهلك في كل منها.

موقعها في الاقتصاد
1 – قطاعات الاقتصاد الأربعة
يتألف الاقتصاد من أربعة قطاعات أساسية، هي: القطاع الأولي كالزراعة والصيد والتعدين، والقطاع الثانوي أو التصنيعي، والقطاع الثالث أو الخدمات، والقطاع الرابع أو اقتصاد المعرفة. ويضم كل قطاع عدة صناعات. وتنتمي صناعة الترفيه إلى القطاع الثالث، أي الخدمات، ولكنها تزداد ارتباطاً أكثر فأكثر بالقطاع الرابع، أي المعرفة.

83b2 – الحجم الاقتصادي لصناعة الترفيه
يقدر حجم صناعة الترفيه في العالم سنة 2010م بحوالي 2 تريليون دولار.
يشكِّل حجم النشاط الاقتصادي لصناعة الترفيه في الولايات المتحدة على سبيل المثال حوالي %6 من مجمل الدخل القومي، حسب إحصاء لـ «موشن بيكتشر أسوسياشن أف أمريكا» سنة 2006م. كما أن صناعة الترفيه في الهند هي من بين الأسرع نمواً في كافة القطاعات الاقتصادية، إذ ارتفع حجمها من 14.4 مليار دولار عام 2010 إلى 28.1 مليار دولار عام 2015م، أي بمعدل يقارب %12 سنوياً.
عدد العاملين في صناعة الترفيه في الولايات المتحدة الأمريكية يقدر بحوالي 2.5 مليون شخص. أما في الهند، فيبلغ عدد العاملين في قطاع السينما وحده نحو 6 ملايين شخص.
مجموع إنفاق الأمريكيين على الترفيه سنة 2009م بلغ 696.3 مليار دولار. وأنفقوا على أماكن التسلية 41.8 ملياراً وعلى الأجهزة الإلكترونية والبرامج المتعلقة بالترفيه والتسلية 265.2 مليار دولار، وعلى الرياضة 20.7 مليار دولار.

«بينتج وتشينغ» المغالاة أو
الإدمان على المشاهدة

«بينتج وتشينغ» المغالاة أو الإدمان على المشاهدة هي من المفردات أو المصطلحات الحديثة التي أصبحت شائعة الاستعمال مثل مفردة «سيلفي» و«شو رومينغ» …إلخ. وتعني مشاهدة عدة حلقات – بين 2-6 حلقات – من مسلسل معيَّن في جلسة واحدة. ومع أنها استعملت في ثمانينيات القرن العشرين عندما بدأت بعض القنوات التلفزيونية بإعادة بث بعض المسلسلات بشكل متواصل، لكن أعيد تفعيلها حديثاً بعد تطورات التجمع والازدياد المطرد لانتشار المنصات والتطبيقات التي تبث مباشرة الأفلام والمسلسلات وألعاب الفيديو إلى المستهلك الذي أصبح بإمكانه الرجوع إلى الخلف ومشاهدة ما يريد في جلسة واحدة.

3 – أنواع الترفيه
تشمل صناعة الترفيه في الإحصاءات الاقتصادية الحالية كل أنواع النشاطات الترفيهية التقليدية التي غالباً ما تتطلب الحضور الشخصي إلى مكان الترفيه كالألعاب والرياضة والفنون والعروض الأدائية والثقافية ومدن الملاهي والسينما، بالإضافة إلى تلك التي تعتمد على الإعلام للتوزيع كالإنتاج التلفزيوني والموسيقى والتلفزيون والإذاعة وخدمات الكابل والنشر والألعاب الإلكترونية التي تطورت وانتشرت بشكل هائل مع انتشار الإنترنت.
تجدر الإشارة إلى أنه وعلى الرغم من التقدم والنمو السريع للترفيه الرقمي فإن نسبة إنفاق الأمريكيين والعالم على الترفيه التقليدي لا تزال تفوق إنفاقهم على الترفيه الرقمي بحوالي 20 بالمئة، في حين كان الفارق في عام 2009م 303 بالمئة لصالح الترفيه التقليدي.
ولكن قبل الدخول في ديناميكية ودور العصر الرقمي في انتشار الترفيه، نلقي نظرة على بعض أنواع الترفيه العريقة التي لا تزال تجذب الملايين سنوياً.

83cصناعة السينما
تُعد السينما ظاهرة متصلة بالتطور التكنولوجي الذي أحدثته الثورة الصناعية، وبأوقات الفراغ الناتجة عن زيادة إنتاجية ومدخول الفرد.
أول شكل من أشكال الترفيه الجماعي، الصناعي.
ظهر أول فِلم لصور متحركة للإخوة «لوميير» في فرنسا سنة 1890م.
أول الأمر ظهرت السينما الرحالة مع خيمة أو مسرح ينصب في البلدات والقرى لفترات قصيرة.
ظهر أول فِلم درامي طويل (مدته ساعة أو أكثر) في أستراليا سنة 1906م. وبقيت السينما صامتة حتى سنة 1927م.
ابتداءً من سنة 1907م أصبحت السينما تتميز عن باقي النشاطات الترفيهية وتأخذ منحى صناعياً مستقلاً.
ظهر أول استوديو سينما في هوليوود سنة 1911م.
تأثرت صناعة السينما الأوروبية بالحربين العالميتين وأصبحت أقل تنافسية مع غيرها الأمريكية والهندية… إلخ.
ابتداءً من سنة 1980م بدأت صناعة السينما والنشاطات المسرحية الأخرى تتراجع مقارنة بالنشاطات على الشبكة والكابل والفيديو المنزلي والهواتف الذكية وغيرها لتتساوى من ناحية حجم الإيرادات سنة 2002م ثم تفترق بشكل حاد صعوداً للثانية وهبوطاً للأولى على الصعيد العالمي.

صناعة الرياضة
84الرياضة كما نعرفها اليوم هي أيضاً نتاج التطورات التي أحدثتها الثورة الصناعية:
كافة أنواع الرياضة بشكلها الراهن تطورت في القرنين التاسع عشر والعشرين.
عديد منها يعود في أصوله إلى عهود قديمة، لكن هدفها لم يكن الترفيه كما هي حالها اليوم.
كانت جزءاً من التدريب العسكري للحصول على اللياقة البدنية واكتساب القدرة للعمل ضمن الفريق المنظم.
وتشير الجداريات القديمة إلى أن الركض والمصارعة والسباحة والرمي بالقوس هي إحدى الأشكال الأولى للرياضة.
جرت أولى الألعاب الأولمبية سنة 760 قبل الميلاد في اليونان القديمة.
نتجت عن صناعة الرياضة اليوم مروحة واسعة من النشاطات الرياضية الصناعية، تتعدى صناعة الأدوات الرياضية إلى الملابس والأحذية والمأكولات.
يقدَّر حجم إيرادات النشاطات الرياضية العالمية سنة 2016م بحوالي 86 مليار دولار وتضم الألعاب التالية:

screen-shot-2016-10-18-at-5-54-02-pm

صناعة مدن الملاهي
مدن الملاهي هي أماكن للتسلية والترفيه تشتمل على أنواع متعددة من الألعاب التي تجذب أعداداً كبيرة من الناس من كافة الفئات.
يعود منشأ مدن الملاهي إلى الحدائق العامة والمتنزهات التي ظهرت في روما القديمة وغيرها من العالم القديم. كما تعود أيضاً إلى المعارض التي بدأت تظهر في القرون الوسطى في أوروبا كأسواق مؤقتة، كمعرض «بارثولوميو» في إنجلترا سنة 1133م.
تطورت هذه الأماكن في القرن التاسع عشر لتتضمن نشاطات ترفيهية على شكل عروض غريبة وبهلوانيات وأعمال خفة وعرض حيوانات متوحشة في أقفاص.
في ستينيات القرن التاسع عشر بدأت تظهر الدوامات الميكانيكية والكاروسيل، وفي سنة 1895م ظهر الدولاب الكبير الذي يُعرف بدولاب شيكاغو، ودفع في السنة نفسها أول رسم دخول إلى الملاهي.
بلغ مجموع إيرادات مدن الملاهي حول العالم سنة 2015م حوالي 35 مليار دولار.
استحوذت مدن الملاهي التابعة لـ «والت ديزني» حول العالم على إيرادات بلغت حوالي 17 مليار دولار.

أهم مدن الملاهي في العالم

screen-shot-2016-10-18-at-5-53-28-pm

العصر الرقمي ووقعه الكبير على هذه الصناعة
أدى وجود وسيط متعدد الوظائف وموصول بالشبكة إلى إحداث ثورة في صناعة الترفيه، وفيما يلي أبرز التطورات في هذا المجال:
حلول العالم الافتراضي أكثر فأكثر محل العالم الواقعي. فمعظم النشاطات الترفيهية على الكرة الأرضية أصبحت تتجمع على الشاشة الصغيرة التي لا تعرف الحدود الجغرافية.
أصبحت كافة أشكال الترفيه التقليدية متاحة للفرد، ولم تعد حكراً على فئة معينة.
تمكّن الناس من اختيار نوع الترفيه، كلعبة فيديو أو فِلم أو موسيقى أو مباراة رياضية، وأيضاً اختيار الزمان والمكان لذلك.
تقلص المسافة بين المستهلك لنشاط ترفيهي ما والمنتج له، بفعل خصائص التفاعل والمشاركة الجديدة التي تتيحها تقنيات وبرامج وتطبيقات تفاعلية.

الأرقام المخفية قد تكون الأهم
تحذِّر كافة المراجع حول صناعة الترفيه من عدم دقة الأرقام في التعبير عن الجدوى الاقتصادية من صناعة الترفيه بشكل كامل وشامل. فمعظم أوجه هذه الصناعة يتضمَّن تداعيات إيجابية على الاقتصاد، غالباً ما تبقى خارج الإحصاءات نظراً لصعوبة حصرها.فإذا أخذنا مثلاً حدثاً رياضياً كبيراً، مثل مباراة دولية في كرة القدم، نجد أن المفاعيل الاقتصادية لهذا الحدث لا تنحصر في شباك التذاكر وعوائد الإعلانات مثلاً، بل تمتد إلى قطاعات تشمل من جملة ما تشمل:
التصميم والطباعة (للبطاقات واللوحات الإعلانية).
الطيران (بيع مزيد من تذاكر السفر خصيصاً للمناسبة).
القطاع الفندقي (بكل ما فيه من إيواء ومطاعم للقادمين من أماكن بعيدة).
النقل داخل المدينة التي يقام فيها الحدث.
صناعة التذكارات.
وغير ذلك بدرجات متفاوتة.والمال الإضافي الذي يُضخُّ في هذه القطاعات بفعل هذا الحدث الواحد، لن يبقى في مكانه إلى الأبد، بل سينتقل إلى قطاعات أخرى، يحتاج هؤلاء الذين حصلوا على هذا المال إلى سلعها وخدماتها، الأمر الذي يشكِّل دفعاً إلى الأمام للنشاط الاقتصادي ككل في بيئة الحدث، تستمر مفاعيله طويلاً بعد انقضائه.

عولمة صناعة الترفيه
88aتُعدد الدراسات سمات سوق تقنيات الترفيه على النحو التالي:
ازدياد كبير جداً في استعمال وسائط الميديا، وكذلك برامج وتطبيقات (أون لاين). فهناك حوالي 12 مليار جهاز منتشر حول العالم موصول بالشبكة.
ما يعرف بـ «حمى سيلفي» (حمى الصور الذاتية) تتوسع إلى وسائط أخرى. إذ أشارت دراسة «إدلمان السنوية الثامنة» إلى أن المستهلكين في أمريكا وبريطانيا واليابان يريدون وسائط ترفيههم على طريقة «سيلفي»، أي شخصية، تثلج قلوبهم فوراً، جذابة، وتفاعلية عبر شبكات التواصل الاجتماعية.
إبداء المستهلكين رغبة قوية في المشاركة الشخصية في برامج وتطبيقات وألعاب الترفيه، ما يشكل فرصة كبيرة لهم وللشركات على السواء.
يمكن أن تترجم هذه الرغبة إلى فرص كبيرة لعلامات تجارية جديدة تؤمن هذه الحاجة من الترفيه.
أظهرت دراسة أن الـ «بينتج ووتشينغ» أو «إدمان المشاهدة» بات منتشراً في العالم بشكل غير متوقع.

الترفيه عبر أجهزة الإعلام
86يعتقد اختصاصيو صناعة الترفيه ووسائل إعلام المستهلكين على السواء، أن الترفيه عبر الوسائل الإلكترونية المتعددة بواسطة التجمع التكنولوجي يعد بتحقيق التالي:
المزيد من التنسيق بين مختلف مؤسسات صناعة الترفيه.
إضفاء تكاملية سردية لمختلف الأدوات والتطبيقات.
تفاعل أكبر بين معظم حقوق الامتياز المعاصرة.
بعض وسائل الترفيه التقليدية (كتب هزلية، ألعاب فيديو… إلخ) التي اعتبرت على هامش أدوات الترفيه المعاصرة، بدأت تلعب أدواراً متزايدة في إنتاج واستهلاك كثير من الأفلام والمسلسلات السائدة حالياً.
تسمح «الترانسميديا» لإنتاجات ذات إصدارات لشاشات متعددة، ولتفاعلية في تطوير الفِلم نفسه عبر الوقت، من خلال الأخذ باقتراحات الجمهور، ليصبح لدينا عملاً جماعياً غنياً ومتجدداً باستمرار، يسمح للمشاهد بعلاقة خاصة مع الإنتاج. وللشرح، يمكننا أن نستعير هنا كيفية وصول كتاب ألف ليلة وليلة إلينا اليوم بعد أن شارك في كتابته مئات الكتَّاب من مختلف مناطق الشرق الأدنى والأوسط والأقصى عبر قرون من الزمن، وأضاف كل واحد منهم خصائص من تراثه، وهكذا أصبح جزءاً من تراث أدبنا العربي، وفي الوقت نفسه جزءاً من تراث حضارات أخرى. وهذا ما يسمح لنفس العمل الترفيهي أن يبدو مناسباً لكل ثقافة في كافة أنحاء العالم، إذ يضفي عليه خصائص المكان والزمان والتراث. كما يسمح أن يرافق الفِلم أو المسلسل أو أي عمل ترفيهي، فيديو معيَّن لشرح بعض المفاصل التي يمكن أن تبدو عصية على الفهم في ثقافات معينة، بينما هي عادية في أخرى. وهذا يشبه الى حد ما وجود الكادر في المقالة أو التقرير أو الملف.

87aتطبيقات المحمول تهيمن على السوق
إن اتجاهات التجمع المذكورة أعلاه، وعلى الرغم من إيحائها بالتوافق والمهادنة، إلا أن حرباً ضروساً بين منتجات الشركات تقوم ولا تهدأ حتى يظهر منتج جديد يشعلها مرة ثانية. وهنا أبرز أوجه المنافسات الكبرى بين وسائط الترفيه الحديث:

– بين التلفاز وما يعرف بـ «أو تي تي» (أوفر ذي توب)، التي تحمل الأفلام وكافة برامج التلفاز من الشبكة عبر طرف ثالث، مثل «هولو»، و«نيتفليكس»، و«أمزون فيديو»… إلخ، رأساً إلى المستهلك.
– بين خدمات الفضائيات المدفوعة مثل «كومكاست» أو «تايم ورنر كابل» و«أو تي تي».
– بين الوسائط والشركات المذكورة أعلاه وتطبيقات الهواتف المحمولة.
– بين تطبيقات الهواتف المحمولة وغيرها من البرامج وقد انتهت هذه إلى سيطرة الأولى. إذ تبيَّن من إحصاء أجرته شركة «كمسكور» الأمريكية أن %71 من الوقت الذي يصرفه المستهلكون على الهواتف المحمولة هو على استعمال التطبيقات، خلال سنة 2015م.
– واستنتجت الإحصائية أن التطبيقات بدأت تؤثر بشكل متزايد على كيفية استهلاكنا لمنتجات الترفيه.
– أبدى هؤلاء المستهلكون تفضيلهم شكل تصميم التطبيقات وطريقة أداء وظيفتها في إيصال المضمون، والأطر المصممة لتفاعلهم مع المضمون، مثل تطبيق «إم إل بي أي إم» المخصص للبيسبول، أو «سبوتيفاي» المخصص للموسيقى.

88bالحرب بين مختلف التطبيقات
هذه التطبيقات الجميلة والودودة، التي تؤدي لنا خدمات مذهلة لا نصدقها أحياناً، وصلت إلينا بعد حرب ضروس بينها وبين برامج أخرى، كما رأينا سابقاً، وفي ما بينها أحياناً، وقد خسر بعضها المواجهة وتوارى عن أعيننا.
يتمركز المستهلكون على الهواتف المحمولة على ثلاثة مواقع اجتماعية عامة، هي: فايسبوك، انستغرام، تويتر. وعلى ثلاثة مواقع ترفيهية، هي: غوغل / ياهو، باندورة، أبل للموسيقى.
تستحوذ هذه البرامج الستة على %88 من وقت المستهلكين على الهواتف.
بينما يخبو وهج التلفاز، فإن شركات الإعلان والدعاية بدأت تعتمد أكثر فأكثر على هذه التطبيقات.
%80 من إيرادات فايسبوك الإعلانية في الربع الأخير من سنة 2015م البالغة 5.6 مليار دولار جاءت من الهواتف المحمولة. وقد كانت في الفترة نفسها من سنة 2014م %69.

ألعاب الفيديو وصناعة الأفلام
87يقول دايفد موليتش أبرز مصممي ألعاب الفيديو رداً على عدة أسئلة حول ألعاب الفيديو والأفلام التقليدية:
إن صناعة ألعاب الفيديو حققت إيرادات سنة 2014م أكثر من ضعف صناعة الأفلام عالمياً، بلغ حجمها 83.6 مليار دولار. بينما حققت صناعة الأفلام 36.4 مليار دولار (بناء على إحصاء مبيعات شبابيك التذاكر الذي ربما تزداد مع بعض الإيرادات الأخرى).
أكبر مردود للعبة فيديو كان من نصيب «ج تي أي في – في» 2.2 مليار دولار.
هناك كثير من شركات الفيديو اندمجت مع شركات أفلام والعكس بالعكس. هنا يمكننا التحدث عن تجمع عامودي (أي اندماج في البنية الإدارية) بموازاة التجمع الأفقي المذكور أعلاه.
تجدر الإشارة هنا إلى أن هوليود العملاقة، وبعد تردد طويل، دخلت عالم صناعة ألعاب الفيديو وأصبحت متشابكة معها. لذلك من الآن فصاعداً يجب تناول هذه الأرقام بحذر.

«هذه الثورة الرقمية هي أفضل وأسوأ شيء حصل لنا. في كل الأحوال هناك نظام قيم جديد آخذ في التشكل»…
هنري جينكنز

هل هَمَّش العصر الرقمي الموسيقى؟
لا يوجد أي شكل من أشكال الترفيه والفن تمتع به الجنس البشري عبر تاريخه أكثر من الموسيقى، التي ربما تكون شكل الميديا الوحيد الذي يهمشه العصر الرقمي حالياً:
ابتداءً من سنة 2008م بدأ الطلب على الموسيقى ينخفض بشكل ملحوظ بكافة أشكال تلقيها. كما انخفض أيضاً عدد الموسيقيين العاملين في شركات التسجيل وارتفع كثيراً عدد المستقلين منهم.
انخفاض إيرادات الموسيقى الرقمية أيضاً. فالمعروف أن تسجيلات الأقراص المدمجة التي تمثل %30 من مجمل المبيعات لن تتحسن. والدليل أن «وول مارت» التي تستحوذ على ربع المبيعات في الولايات المتحدة، قد قلَّصت مساحة هذا النوع إلى النصف.
هناك بعض الانتعاش في الحفلات الموسيقية، وقد أخذ الفنانون يتنقلون ويسافرون في الداخل والخارج أكثر من المعتاد (فهل بدأت تصح توقعات أندي وورهول أنه في عصر صناعة الترفيه سيكون بإمكان أياً كان أن يصبح مشهوراً لمدة 15 دقيقة فقط؟).
الشكل الوحيد الذي يشهد ارتفاعاً هو «الستريمنغ» أو مباشرة من الإنترنت، ولكن ليس بنفس وتيرة انخفاض باقي الأشكال.
بإمكاننا القول إن عصر اقتنائنا للموسيقى في البيت آخذ في الاختفاء.

الراديو كان وسيلة الترفيه الأساسية للجمهور في النصف الأول للقرن العشرين

مستقبل صناعة الترفيه
حتى وقت قريب، كانت قوة الدول تقاس بمدى إسهامها في الإنتاج الصناعي. وقد قال مؤسس علم الاقتصاد آدم سميث، إن الاقتصاد الجيد هو الاقتصاد الذي يُصَدر السلع المصنعة ويستورد المواد الأولية، أما الاقتصاد السيء فهو الذي يفعل عكس ذلك. والحال أننا على أبواب الدخول إلى عصر جديد، عماده الذكاء الصناعي، حيث ستحل الآلات والروبوتات أكثر فأكثر محل الإنسان. وستحدث تغيرات توازي أو تكبر عن تلك التي أحدثتها الثورة الصناعية، وستزداد بموجبها ساعات الفراغ. والنتيجة المنطقية أن صناعة الترفيه ستكون ليس فقط صناعة المستقبل، بل من محركات الاقتصاد الأساسية. ولعل قياس قوة الدول سيكون بمدى إسهامها في هذه الصناعة.

أضف تعليق

التعليقات