بيئة وعلوم

الصوت ودوره في حياتنا
هل بات بحاجة إلى إعادة ترتيب؟

  • 34
  • 36
  • 37a
  • 39a

يلعب الصوت دوراً بالغ التأثير لا في مزاج الإنسان ونفسيته فحسب، بل أيضاً على الصعيد العضوي. وتطور نوع الأصوات المحيطة بالإنسان بعد الثورة الصناعية فرض جمعها تحت مصطلح المحيط الصوتي الذي بات مادة لدراسات متزايدة أدَّت بدورها إلى مكتشفات مدهشة. وبعيداً عن التذمر من موضوع التلوث الصوتي الذي كثر الحديث عنه أخيراً، يُطلعنا رجب سعد السيد عن ماهية هذا المحيط الصوتي الذي بات، على ما يبدو، بحاجة إلى إعادة ترتيب.

يقول عالم الصوتيات والموسيقى الكندي المشهور موراي شيفر إن حاسة السمع عاملةٌ أبداً، ولا يمكن إيقافها عند الطلب. فآذاننا مفتوحة على الدوام. أما عيوننا فلها جفونٌ تغطيها، وليس لآذاننا أغطية.

وعندما نخلد إلى النوم يكون السمع هو آخر الحواس التي تنطفئ أنوارها، وتكون هي أيضاً أول ما نستقبل به العالم عندما نستيقظ.

وعلاقة الإنسان بالصوت هي إحدى أول العلاقات التي تربطه بالعالم من حوله. فالأذن هي أول عضو يتكون في الجنين، وتبدأ وظيفتها السمعية بعد 18 أسبوعاً من عمر الجنين، وتكتمل قدرته على تمييز الأصوات في عمر 24 أسبوعاً. وقد لوحظ أن الموسيقى الهادئة تهدِّئ ضربات قلب الجنين، عكس الموسيقى الصاخبة، التي تزيد معدل ضربات قلبه.

ويعلم المتصلون بعلوم الصوتيات أن الحديث عما يمكن تسميته بالأحوال الصوتية لحضارة البشر في العصر الحديث لا يستقيم من دون التوقف طويلاً عند جهود موراي شيفر، الذي أضفى على المسألة صبغة فلسفية، وكان هو الذي نحت مصطلح المحيط الصوتي (soundscape)، استناداً إلى رؤية تقول بأننا نحن البشر نحاول أن نسمع أصوات البيئة المحيطة بنا على أنها ألحان موسيقية مؤلَّفَـة، بينما نحن -بالوقت نفسه- نتحمل مسؤولية تأليف هذه الألحان !.

المقصود بـ المحيط الصوتي
يشير مصطلح المحيط الصوتي إلى مجمل ما يتردد في البيئة من أصوات، سواء أكان طبيعي النشأة أو من صنع الإنسان، ويتحدد مدى الاستجابة لها، تقبلاً أو نفوراً، بالمستهدف من وراء إطلاق هذه الأصوات، وبدرجة تطابقها مع القيم السائدة في محيط البيئة. فعلى سبيل المثال، يمكن تقبل أصوات إطلاق المدافع الاحتفالية في ساحة كلية عسكرية، في يوم تخرج دفعة جديدة بها، لا في محمية طبيعية للطيور البرية. فلكل محيط صوتي صفاته المميزة التي يطرأ عليها تبدل دوري، بين الليل والنهار، ومن فصل إلى آخر. ويعد المحيط الصوتي مكوناً أساساً من مكونات الموارد الطبيعية للأنظمة البيئية، يسهل تقويضه بأصوات دخيلة، ذات مستويات مغايرة للمســتقر به؛ وذلك يستوجب إدارة جيدة للمحيط الصوتي، تحميه من تلك الأصوات، ليدوم احتفاظه بخصائصه الصوتية.

استخدم شيفر مجموعة من المصطلحات ليوضح نظريته عن المحيط الصوتي. فهناك الأصوات التأسيسية وهي المناظرة للمقام الأساس في الموسيقى، الذي يحدد طبيعة النغمات في القطعة الموسيقية، أو المؤلَّـف الموسيقي. وهناك أصوات المقدمة، وهي الأصوات التي تعمد إلى لفت انتباه المستمع، وهي بمثابة إشارات صوتية لا غنى عنها. كذلك أوجد شيفر مصطلح الثوابت الصوتية ، ويقصد به الأصوات التي يوقرها ويعتز بها مجتمعٌ مـا، على نحـو خـاص، مثل الأصوات المرتبطة بالنشاط التقليدي والناتجة منه. وكل هذه الأصوات، التأسيسية والتقديمية والثابتة، تعبِّر -مثلها في ذلك مثل العمارة والأزياء- عن هوية المجتمع، فهي تمثل مجتمعة المحيط الصوتي المميز له.

هاي فاي و لو فاي
لعل كثيرين منا لم يهتموا بالتوقف لمراجعة مصطلح مرتبط بأجهزة الصوت التي لا يخلو منها منزل، بالرغم من أننا نردد هذا المصطلح عند وصف هذه الأجهزة، وهو هاي فاي .. فما معناه؟. إن معناه الحرفي هو (الأصوات الأمينة للأصل).. فالجهاز الـ هاي فاي هو الذي يعطيك الصوت كما لو أنك تسمعه من مصدره الأصلي، ومن خصائص أصوات الـ هاي فاي أن التداخل فيها نادر الحدوث، فيسهل تمييز مستويات الأصوات التأسيسية والتقديمية في مجسَّــم المحيط الصوتي. والحقيقة أن قصد شيفر من هذا المصطلح هو أن يكون عنواناً على الأصوات التي كانت سائدة قبل الثورة الصناعية؛ وعند استنساخ تسجيلات من محيط صوتي ينتمي للـ هاي فاي ، لاحظ شيفر أن مستوى أصوات البيئة الطبيعية، مثل الأصوات القادمة من الجو والصادرة عن الحيوانات، تخضع لمتغيرات ثابتة، في دورات متكررة على مدار شهور السنة، وأن ثمة علاقة صوتية تميِّز كل محيط صوتي طبيعي، تقوم على تبادل إصدار الأصوات بين أنواع الكائنات الحية في المحيطات الصوتية. ثمة، إذن، إيقاع متوازن للأصـوات في البيئات الطبيعية. وقد لوحظ عندما يصـدحُ طـائـرٌ بالغنـاء، أو يطلق ضفـدعٌ نقيقه، أن الصوت يبدو كما لو كان يصعد ليسـكن في موقع مخصص له بين مختلف الترددات والإيقاعات في منظومة الأصوات الطبيعية. وعلى النقيض من الـ هاي فاي ، يدل مصطلح لو – فاي على الأصوات التي سادت محيطاتنا الصوتية في أعقاب هذه الثورة. فقد تكفلت الثورة الصناعية بالقضاء على عدد كبير من المحيطات الصوتية التي كان لها تميزها بخصائصها الصوتية الطبيعية، ولا يزال ذلك جارياً على نحو مـا، وأفسحت المجال لمحيطات صوتية مغايرة، هي المحيطات الصوتية للمدينة، التي تنعقد السيادة فيها لمقـام أساس، اسمه الضـوضــاء!

أثر الصوت في البقاء
حصل موراي شيفر وتلاميذه على 2500 ساعة من تسجيلات للأصوات الطبيعية، مكَّنتهم من رسم خرائط لطيف الأصوات، أوضحت لهم كثيراً من الحقائق، منها، على سبيل المثال، أن أصوات الحيوانات والحشرات تحتل منطقة صغيرة من الترددات، تترك فيما بينها أشرطة متفاوتة الاتساع، ذات ترددات ضعيفة، أو خالية تماماً من الترددات، تسكن فيها أصوات الطيور، وهذه الأشرطة هي التي تستقبل أيضاً الضوضاء التي تنشأ إذا امتدَّ النشاط العمراني؛ فتبدو أشرطة الترددات الصوتية الضعيفة كما لو أنها سُــدَّت أو وُضِـعَ عليها قناع غيَّر معالمها؛ فإن جاءت الأنواع المختلفة من الطيور لتطلق تغاريد الدعوة للتزاوج، فإنها تضيع، فيصعب، إن لم يصبح في حكم المستحيل، لمِّ شمل الذكور بالإناث. وإذا تكرر ذلك لمواسـم توالد متعددة متتالية، تعرضت أنواع من الطيور للهلاك. وثمة دراسة حديثة تؤكد ذلك، إذ تشير إلى أن الطيور التي تعيش بالقرب من الطرق السريعة المزدحمة بحركة المرور، لا يسمع بعضها بعضاً. ففقدت الأجيال المتعاقبة منها القدرة على تعلم الغنـاء، ومن ثمَّ فقدت أهم وسائل التواعد في موسم التزاوج. فالأصوات عند الطيور والحشرات واللبونيات والبرمائيات هي رسائل محمَّلة بالمعاني المهمة، ابتداءً من أصوات التحذير من خطر الافتراس، مروراً بزمجرة إعلان السيادة على مساحة من البرية، إلى تعبير الغزل ودعوات الزواج؛ وتنقل جميعها بالصوت؛ فإن لم تصل هذه الرسائل إلى مستحقيها، زاد احتمال الهلاك.

الموسيقى البرازيلية… مثلاً
ومن الخصائص التي كانت متوافرة للمحيط الصوتي قبل الثورة الصناعية، الامتداد العظيم للأفق الصوتي، الذي كان يبلغ عدة أميال، حيث كانت الأصوات التي تصدر في موقع بعينه مسموعة على امتداد هذا الأفق، وقد أدى ذلك إلى تدعيم الإحساس بالمكان والفراغ المحيط به، وتنمية علاقة قوية بالموطن. كما أن بعض الأصوات التي تصدر عن تجمع سكاني محدد، من خلال طقوس احتفالية خاصة به، أو سـوق في موعد انعقادها الأسبوعي، أو أي من أوجه نشاط الحياة اليومية، تصل إلى التجمعات السكانية المجاورة، فينشأ ما يمكن تسميته بالرابط الصوتي بين التجمعات البشرية، وتترسخ الخصائص الصوتية المميزة لكل تجمع منها؛ ففي بلد مثل البرازيل، تتدفَّق في عروق سكانه دماء هي مزيج من شعوب الهنود، سكان البلاد الأصليين، والبرتغاليين الغزاة، والأفارقة. ويمكن النظر إلى مكونات هذا المزيج على أنها جماعات صوتية؛ فمن السكان الأصليين جاءت الأصوات من الطبقات والإيقاعات المرتفعة الواضحة، تحث على العمل، وترقص في الأعياد، وهي أصوات تشارك الطبيعة على نحو ما في صنعها. فمعظم آلات الوطنيين الموسيقية هي آلات نفخ ووتريات، والمكون الأول فيها هو ثمرة اليقطين، ينفخ فيها، أو تعمل صندوق صوت في الآلات الوترية. ومن الأفارقة الذين كانوا مكبلين بالأغلال، تنطلق الترانيم التي تعينهم على تحمل الأشغال الشاقة، والأهازيج التي لا تخلو من رسائل رمزية، تدعو للكفاح والمقاومة. أما البرتغاليون، أولئك الغزاة القادمون من أوروبا، فقد جلبوا الآلات الوترية، مصدر أنغام الحزن والحنين للأهل في الوطن الأم، وأيضاً أصوات الموسيقى المصاحبة للأغاني المشيدة بالغزو.

بعد سنوات عديدة قضاها شيفر في البحث العلمي، اتجه إلى العمل في مساحة جديدة من مشروعه الصوتي. فقد تفرغ للتأليف الموسيقي. وكأنه يئس من محاولة ضبـط أصـوات العالم، فآثر أن ينتج الأصوات التي يريد. لم يكن هم شيفر الأول دراسة ذلك الخليط المتنافر من الأصوات في المجتمعات الحديثة، ولا البحث عن وسائل لتخفيف حدة الأصوات، فقد كان يرى أن التعرض لتلك الضوضاء والأصوات المتنافرة مدخل غير صحيح لمعالجة قضية الأصوات غير المرغوب فيها.

وفي رأيه أن الضوضاء تنشـأ عندما لا نحسـن الإصغـاء. ومن ثـمَّ، فعلينا البحث عن أسلوب إيجابي لهذه المعالجة يشتمل على برنامج نوضِّح فيه مسائل أساسية، مثل: أي الأصوات نبقي عليه ونشجِّع على إنتاجه وانتشـاره؟ فإن توصلنا إلى إجابة لهذا السؤال، واصطلحنا على ما نريده من أصوات، تكشـفت عورات الأصوات المدمِّرة لأسماعنا، واجتمعنا على ضرورة التخلص منها، وينتهي ذلك بنا إلى اكتساب ميزة الإدراك الكلي لمعنى المحيط الصوتي، فنسعى لإيجاد وسائل تطوير وتحسين التوزيع الأوركسترالي للمحيط الصوتي الكوني.

الوسيط بين الإنسان والعالم
إن الصوت هو الوسيط بين المستمع والبيئة التي يعيش فيها، فإن تدهورت أحوال المحيط الصوتي، فإن الوعي بدلالة الأصوات في البيئة يأخذ في الاضمحلال، ويبدأ ذلك بأن الأصوات التي تلتقطها أذنا المستمع تتحول كلها إلى نوعين لا ثالث لهما: إما مرتفعة، أو منخفضة. وقد يكون التصنيف في صورة أخرى: أصوات طيبة نحبها، وأصوات منفِّرة نكرهها. إن الناس يتكلمون كثيراً، ولكنهم لا يذكرون الأصوات في كلامهم، فهي لا تمثِّل عند الكثرة الغالبة منهم قضية مهمة، بل هي من المسلَّمات: هناك أصوات تأتي وتذهب، تعلو وتنخفض؛ ولا شيء أكثر. ويقول باري تروا، أستاذ الاتصال بجامعة سيمون فراسر في كولومبيا البريطانية، إنه قضى أكثر من عشرين عاماً يدرِّسُ تكنولوجيا الأصوات لأنواع مختلفة من الطلاب، وقد اشتركوا جميعاً في صعوبة إدراك حقيقة أنهم لا يعطون الأصوات قدراً كبيراً من الاهتمام. فإذا تحدث الناس عن الأصوات، وفكروا فيها، فإن ذلك يكون من باب التبرم من الأصوات المزعجة أو الضوضاء؛ فإن سألتهم أن يحددوا ما يتبرمون منه، اختلفوا فيه.

كان تروا قد بدأ حياته العملية، على عكس ما بدأها شيفر، مؤلفاً موسيقياً في السبعينيات من القرن الماضي، ثم تحول إلى دراسة الاتصالات والصوتيات. وكان أحد الذين رافقوا شيفر وعملوا معه في مشروعه الصوتي. فلما اعتزل شيفر المجال، عمل تروا لتطوير البحث فيه، واستحدث أطراً للدراسة. منها إطار الاتصال الصوتي ، الذي يدرس الصوت على أنه تبادل للمعلومات، وليس مجرد تحرك لذبذبات في الهواء. كذلك لفت تروا الانتباه إلى ضرورة مراعاة السياق عند محاولة تفهم الرسائل التي يوصلها الصوت؛ فالصوت برأيه يُـردُّ، في جزء قليل منه، إلى: من، أو ما، الذي أصدره؟ ولكنه يرتبط أساساً بالملابسات والظروف التي يُســمعُ فيها. وعلى سبيل المثال، فإن الأصوات الحادة التي تسبق الدخول إلى الإنترنت (في النظام الهاتفي العادي) يمكن أن ينظر إليها على أنها مزعجة، ولكن ذلك لا يحدث، لأنها تؤذن بقرب تحقيق الاتصال بشبكة المعلومات الكونية. واســتفاد تروا من خبرته القديمة مؤلفاً للموسيقى المعتمدة على برامج الحاسوب، فأنتج ما يطلق عليه اسم الموسيقى البيئية ، وهي ليست تلك التي تشبه المؤثرات الصوتية في شرائط السينما، ولكنها تنتج من شرائط تسجيلات صوتية طبيعية، تُختار على نحو خاص، ويعالجها تروا بأسلوب يجعل الموجات الصوتية تتمدَّد، كما لو انها تذاع بسرعة بطيئة، وتعطي للمستمع إحساساً بأنه بداخلها، فيتحقق عنصر المشاركة، ويتعلم المستمعون لهذه الموسيقى كيف يصغون؛ وهذا هو هدف تروا من موسيقاه البيئية.

التطبيب بالصوت
في كتاب الصوت بوابة الكون ، ترى المؤلفة ساميا ساندري أن جسم الإنسان عبارة عن سلم نغمي متآلف مع الكون، وهو التآلف الذي ضاع، أو قد يضيع، نتيجة لسيطرة النموذج الليبرالي الغربي الذي يضع في مقدمة أولوياته الحرص على العقلانية والحرية الفردية، على حساب القيم الأساسية؛ مما جعل الإنسان أسير رغباته، ففقد إنسانيته ونسي جوهره. ولعل تلك الفكرة تجسِّد الأساس الفلسفي للأفكار المتعاقبة التي قالت بإمكان إخضـاع الصـوت ليكون أداة تساعد في مداواة بعض الأمراض. وكانت البداية، في نهاية القرن التاسع عشر، بصوت الموسيقى، حين تبين أن الموسيقى تزيد تدفق الدم وتساعد صفاء النفس. وفي الحربين العالميتين الأولى والثانية، تأكد التأثير النفسي والعضوي للموسيقى التي كانت تُعزف لجرحى الحرب بالمستشفيات. وقد أُحرزت درجة كبيرة من النجاح في هذا المجال، حتى أن جامعة ميتشجان أنشأت في العام 1944م برنامجاً يمنح درجة علمية في العلاج بالموسيقى. ثم جاءت فكرة العلاج بالموجات الصوتية، وتنظر لمادة الجسم البشري على أنها، ككل المواد في تركيبها الدقيق، عبارة عن ذرات تنتظم فيها الإلكترونات والجسيمات الذرية الأخرى، في مستويات طاقة محكمة، لا يفسد انتظامها إلا الأمراض والضغوط العصبية؛ فإن نحن وجهنا إليها موجات صوتية ذات تردد محسوب، عادت إلى انتظامها الطبيعي، فتزول العلة. والعلاج بالصوت ضرب من أنواع العلاج البديلة، ويتحمس له بعض الأطباء، ويؤكدون على نجاعته في علاج حالات مرضية، كضغط الدم المرتفع، وإزالة التوتر العضلي، وفي الوقاية من أمراض الدم والشرايين. بل ان الاستعانة بأجهزة إلكترونية متقدمة ساعد في إحراز نجاح في مجالات أمراض الجهاز الحركي للإنسان، كالكسور والكدمات والتهاب المفاصل، وفي تخفيف آلام الانزلاق الغضروفي.

تجربة مدارس أرامكو السعودية
وقد اتسعت دائرة توظيف الإنسان للصوت والموسيقى في أغراض عملية مختلفة أُحرز فيها النجاح. فعلى سبيل المثال، تقول إدارة مدارس أرامكو بالمملكة العربية السعودية إن بعد تدريب التلاميذ على عزف مقطوعات قصيرة من الموسيقى الكلاسيكية، ازدادت قدرتهم على استيعاب الرياضيات والمواد العلمية؛ وهذا ما أكدته دراسات أُجرِيَـت في أكثر من موقع، وانتهت جميعها إلى أن الاستماع للموسيقى الهادئة يؤدي إلى رفـع مســتوى الذكاء والإبداع والتحصيل الذهني. كذلك ينصح الباحثون في توصياتهم المستمدة من دراسة تأثير الموسيقى في الجهاز العصبي، بإذاعة الموسيقى الكلاسيكية في غرف الانتظـار بعيادات الأسنان والمستشفيات والمطارات، وغيرها من الأماكن التي يرتبط المكوث فيها بالقلق والتوتر، إذ ان هذا النوع من الموسيقى يؤدي إلى تقليص الإجهـاد، وتحسين الأداء وحالة المزاج العام.

عالم النبات.. أكثر حساسية
واجتذبت الأصوات، والموسيقى على نحو خاص، علماء الحياة النباتية، فكان لهم تطلعهم لاستكشاف آفاق استخدامها في إحداث تغيير مطلوب بالنباتات، وهذه باحثة أمريكية، اسمها دورثي ريتاليك، شغلها هذا الأمر فأوقفت جهدها العلمي عليه، لتحصل على إجابة عن سؤال محدد، هو: هـل يتأثر النبات بالموسيقى؟ ونلخص نتائج أبحاثها في النقاط التالية:
1 – تحب النباتات، بشكل عام، الموسيقى الهندية!
2 – 
الموسيقى الكلاسيكية تأتي في المرتبة الثانية، وبخاصة موسيقى باخ.
3 – 
لا ينفعل النبات بموسيقى الغرب الأمريكي (موسيقى رعاة البقر).
4 – يستجيب النبات لموسيقى الجـــاز.
5 – 
لوحظ أن بعض نباتات الظل المنزلية يميل في اتجاه مصدر صوت الموسيقى أكثر من ميله في اتجاه ضوء النهـار، مع ان الضوء ضروري لإنتاج الغذاء في النباتات. فهل يعني هـذا أن صوت الموسيقى له تأثير مماثل، وربما أقوى، من تأثير الضوء في إنتاج الغذاء في النباتات؟!
6 – 
لوحِـــظَ أن الآلات الوترية، وبخاصة آلة الكمان، هي الأكثر تأثيراً في النباتات.. لقد ازداد ارتفــاع نبات الفلفل %90، وازداد إنتاجه للثمار بنسبة %103 على المعدل الطبيعي، عند استماعه إلى عزف على آلة وترية هندية اسمها (فينا)، لمدة 3 أسابيع!
7 – 
تبين أن النبات الذي يتعود الاستماع إلى الموسيقى ينقل أثرها فيه إلى سلالته، فالموسيقى تحدث تغييراً في المادة الناقلة للصفات الوراثية في الخلايا النباتية!

الصوت للمعرفة
إن للأصوات القدرة على أن تتسلل إلى أعمق مشاعرنا، وتؤطرها، بل تحتلها وتأسرها. فحاول مثلاً أن تراجع ذكرياتك مع أصدقائك وبعض أفراد أسرتك، تجد أنها لا تتكون من مظاهر شخصياتهم الخارجية، فقط؛ فهذه المظاهر، أو دعنا نسميها الذكريات البصرية، لا تكون مستقلة بذاتها، ولكنها تكون مستقرة داخل ذكريات عن أفعال يختزنها الفرد لهؤلاء الأشخاص؛ وتتضمن هذه الأفعال أصواتاً: نبرة مميزة في الصوت، أسلوب خاص في الضحك أو القهقهة، طريقة التعبير عن المفاجأة والدهشة..وغيرها. ألا يجعلنا ذلك ننظر إلى الأصوات، أصوات البشر وأصوات البيئة الطبيعية، على أنها حاويـات للخبرة البشرية؟ فهل يمكننا مراجعة مخزون هذه الحاويات وتفحص ما بها من خبرة متراكمة على مر العصور؟ أو، بعبارة أخرى، هل يمكن اصطيـاد أصوات ملأ ترددها أجواء المحيطات الصوتية في عصور خلـت؟ هل يمكننا أن نستشعر الماضي بآذاننا كما نستشعره، حين نطالع أخبار القدماء، مكتوبة أو مرسومة أو منحوتة، بعيوننا؟

ليس لدينا مخزون موروث من الأصوات ندرك به الماضي، بالرغم من أن الأصوات هي جوهره. فأصوات الماضي لم تترك آثاراً لها. حتى أقوى صوت سمعه الإنسان على مـر التاريخ، وهو صـوت انفجـار بركان كاراكاتوا في 26 أغسطس 1883م، لم يترك بين أيدينا أي أثر له. ويبدو نفرٌ من العلماء متفائلاً وهو يرى إمكان إعادة تركيب الماضي الصوتي، تماماً مثل إعادة تركيب ما تخلف عن الماضي من آثار مادية، ولو بطريقة غير مباشرة؛ فيقولون إن أصواتاً طبيعية كهزيم الرعد، وهدير الأمواج المتكسرة على الشاطئ لا تزال باقية على حالها، وكذلك هيقعة الحراب وهي تصطدم بالدروع، وقعقعة المطرقة على السندان، ونشيش اللحم المشوي على السيخ، وهي من أصوات العصر الحجري الحديث، ويمكن استرجاعها بإعادة تمثيل النشاط الآدمي. غير أن التفاؤل يتراجع أمام عناصر صوتية أخرى بعيدة المنال، مثل صرخات الحيوانات التي طواها ظلام الانقراض، والجلبة الصادرة عن الصناعات المعدنية القديمة، ونبرات اللغات المندثرة، وأصداء الحياة اليومية للناس ونشاطهم المنزلي.

وتتردد أحلام العثور على أصوات الماضي في بعض القصص الخيالية التي نجد في واحدة منها شخصية تتنقل على مشارف بحر متجمد، وتذهل حين تسمع ضجيجاً شديداً دون أن ترى شيئاً: طلقات مدافع، أزيز رصاص، صيحات رجال، أنين، جلجلة سـلاح، صهيل خيول… وغير هذا. ويتضح لنا أن تلك الأصوات ليست إلا أصداء معركة كبيرة، وقعت في الشتاء الماضي، وقد تجمدت الأصوات في الهواء البارد؛ فلما ذاب الجليد، نشـطت واختلط بعضها ببعض، وأصبحت مسموعة!

إنها رغبة كامنة بداخلنا.. أن نسمع التاريخ من جديد، وهي التي دفعت بعض علماء الآثار إلى تخيل إمكان استعادة صوت البنَّائين في الأزمنة البعيدة، الذي حُـفِـرَ في الحجارة وهم يستخدمونها في تشييد الأسوار والمباني الأثرية، كما تحفر أجهزة تصنيع الأسطوانات الموسيقية النغمات في أخاديد على أسطحها. الأسطوانات الموسيقية والغنائية، وجدت أجهزة الحاكي الفونوغراف ، الذي يستعيد نغماتها مرات عديدة، أما أصوات البنائين على الحجارة القديمة، فهي بانتظار فونوغرافها!.

أضف تعليق

التعليقات