ملف العدد

السؤال وعلامته

  • 32Malaf-17
  • 32Malaf-18
  • 32Malaf-19
  • 32Malaf-20
  • 32Malaf-21
  • 32Malaf-22
  • 32Malaf-23
  • 32Malaf-24
  • 32Malaf-25
  • 32Malaf-26
  • 32Malaf-27
  • 32Malaf-28
  • 32Malaf-29
  • 32Malaf-30
  • 32Malaf-31
  • 32Malaf-32
  • 32Malaf-33
  • 32Malaf-34
  • 32Malaf-35
  • 32Malaf-36
  • 32Malaf-37
  • 32Malaf-39
  • 32Malaf-40
  • 32Malaf-41
  • 32Malaf-42
  • 32Malaf-43
  • 32Malaf-44
  • 32Malaf-45
  • 32Malaf-46
  • 32Malaf-47
  • 32Malaf-48
  • 32Malaf-49
  • 32Malaf-50
  • 32Malaf-51
  • 32Malaf-52
  • 32Malaf-53
  • 32Malaf-54
  • 32Malaf-55
  • 32Malaf-56
  • 32Malaf-57
  • 32Malaf-58
  • 32Malaf-59
  • 32Malaf-60
  • 32Malaf-61
  • 32Malaf-62
  • 32Malaf-63
  • 32Malaf-64
  • 32Malaf-65
  • 32Malaf-66
  • 32Malaf-67
  • 32Malaf-68
  • 32Malaf-69
  • 32Malaf-70
  • 32Malaf-71
  • 32Malaf-72
  • 32Malaf-73
  • 32Malaf-74
  • 32Malaf-75
  • 32Malaf-76
  • 32Malaf-77
  • 32Malaf-78
  • 32Malaf-79
  • 32Malaf-80
  • 32Malaf-81
  • 32Malaf-82
  • 32Malaf-83
  • 32Malaf-84
  • 32Malaf-1
  • 32Malaf-2
  • 32Malaf-3
  • 32Malaf-4
  • 32Malaf-5
  • 32Malaf-6
  • 32Malaf-7
  • 32Malaf-8
  • 32Malaf-9
  • 32Malaf-10
  • 32Malaf-11
  • 32Malaf-12
  • 32Malaf-13
  • 32Malaf-14
  • 32Malaf-15
  • 32Malaf-16

لو جاز لنا تشبيه السؤال بشيء، لقلنا إنه يشبه الهواء الذي نتنفّسه ويحيط بنا باستمرار لا انقطاع فيه. ومع ذلك، يندر أن نلتفت إليه في ذاته أو أن نحسب حساب وجوده في حياتنا على نحو واع وواضح.
ولا شك في أن عمر السؤال من عمر النطق عند الإنسان. وهو الباب الرئيسي إلى المعرفة والاكتشاف والعلم، وإدراك الإنسان لحقيقة العالم الذي يحيط به. أولم ترفع إحدى كبريات الجامعات في أمريكا شعاراً لها يقول: «ما هو الإنسان إن لم يكن سؤالاً؟.
وإذا كان السؤال الشفهي يتخذ طابعه من خلال «تلحين» مفرداته، فللسؤال المكتوب، حيث التلحين غير ممكن، رمز محدد يحل محل اللحن، للإشارة إلى أن هذه الجملة تعبِّر عن عدم معرفة أمر معين، أو عن البحث عن حقيقة: إنها علامة الاستفهام.
فريق القافلة يصحبنا في هذا الملف إلى عالم هذا الرمز الصغير الذي يختزل ببساطته الشديدة سعي الإنسان إلى المعرفة واستفهامه الدائم عما يجهله، حتى تحوَّل، من دون أن تسبقه أية كلمة إلى رمز متكامل بمفرده لما هو غامض ومجهول ومستعصٍ على المعرفة.

السؤال هو الجهد الذهني الذي لم يغب يوماً عن حياة الإنسان على مر التاريخ. فكما أن السؤال طريق الإنسان القديم للحصول على طعامه أو طريدته، يبقى هو نفسه اليوم الطريق إلى المعرفة عند العلماء. وغالباً ما تؤدّي الإجابة عن سؤال في العلم، إلى ولادة أسئلة ما كانت لتخطر على بال صاحب السؤال.

وما بين الأسئلة الكبرى في العلوم والفلسفة والقضايا العامة الغامضة، تتألف حياتنا اليومية من جملة أسئلة صغيرة: كيف الحال؟ كم الساعة؟ إلى أين أنت ذاهب؟ ما هو طعام الغذاء؟ ولكن صغر هذه الأسئلة
لا يعبِّر عن مكانتها ولا عن دورها. إذ إنها تشبه الضوء الذي نحتاج إليه باستمرار للمضي قدماً في أعمالنا ومسيرة حياتنا اليومية. ولو حاول أحدنا أن يُمضي يوماً كاملاً بين بيته والعمل من دون طرح أي سؤال من أي نوع، للاحظ مدى الاضطراب الكبير الذي سيميز يومه، والخسائر التي سيمنى بها.
شفهياً، عرف الإنسان كيف يميِّز السؤال عن باقي الكلام من خلال هذه الانحناءة المميزة في نغمة الكلمات المعبِّرة عن السؤال، والتي تختلف عن التنغيم المستقيم للكلام عندما يكون خالياً من الاستفهام. واللافت أن انحناءة النغم الاستفهامية هذه واحدة في كل لغات العالم المعروفة.
أما في الكتابة فيُسَدُّ الفراغ الناجم في تعذر كتابة النغم الصوتي بعلامة الاستفهام المعروفة التي «ترسم» على شكل قوس ينتهي من الأسفل بخط مستقيم وتحته نقطة. وعلامة الاستفهام هذه هي مجرد ابتكار حديث العهد نسبياً مقارنة مع تاريخ الكتابة العريق، ظهر في إطار تطوير الكتابة نفسها في اتجاه يسهل قراءتها بشكل صحيح أكثر فأكثر. وكان تنقيط الحروف من أهم الإبداعات في هذا المجال. وفي إطاره فقط ظهرت علامة الاستفهام. فمن ابتكر علامة الاستفهام ومتى؟
أصل علامة الاستفهام
لا يزال علامة استفهام

تتعدد التفاسير الباحثة عن أصل هذا الشكل الذي يرافق كل سؤال مكتوب. ولكن علامة الاستفهام حول أصل علامة الاستفهام، لا تزال بلا جواب علمي يقطع الشك باليقين.
فهل هي مجرد رسم مبسط لشكل الأذن التي نسمع بها السؤال كما يقول بعض الذين بحثوا في أصلها؟
أم هي تطوير لشكل الهمزة العربية المستقاة من حرف الألف تعلوه همزة، التي تبدأ به إحدى صيغ السؤال مثل القول: أتريد كذا؟
أم أنها اشتقت من كلمة Quastio اللاتينية، التي تعني «سؤال»، والتي اختصرت في القرون الوسطى، فأخذت من حرفها الأول Q الشكل المستدير، ومن حرفها الأخير النقطة السفلى؟
إذ ينسب بعض المؤرخين الأوروبيين أصل علامة الاستفهام، أي شكلها المكتوب الذي نعرفه اليوم، إلى القرن الميلادي التاسع، حين كانت الثقافة الأوروبية
لا تزال تستمد الكثير من مصادرها الأندلسية. حينذاك كانت هذه العلامة تكتب نقطةً يليها قوس مستدير .C، ويعزز هذا القول الاعتقاد بأن الهمزة العربية التي تليها نقطة، كانت أصل علامة الاستفهام، وأن الأوروبيين الذين يكتبون من اليسار إلى اليمين، قلبوا الترتيب فوضعوا النقطة قبل القوس، مثلما فعل العرب فيما بعد، حين قلبوا علامة الاستفهام، وجعلوا يمينها يساراً (?؟)، لأنهم يكتبون من اليمين إلى اليسار. والاعتقاد أن أصل علامة الاستفهام يمكن أن يكون عربياً، يستمد حجة قوية من أن الشكل الأول الذي اتخذته، يمكن تشبيهه بالهمزة فعلاً، وأن التّماس الثقافي الذي كان بين العرب والقوط والغاليين، في إسبانيا وفرنسا في القرن الميلادي التاسع كان وثيقاً جداً. لكن الأمر يظل في حدود الشبهة، ولا يرقى إلى مرتبة اليقين.
ولكن ثمة أسباباً للشك في النظرية العربية لأصل علامة الاستفهام، منها أن نظام التنقيط في الكتابة الأوروبية، ظهر في القرن الميلادي السابع، ولم يكن العرب قد دخلوا الأندلس بعد. ولم يكن الاحتكاك الحضاري والثقافي قد نشأ بين المسلمين والأوروبيين. ويناقض هذه النظرية أن التنقيط الأوروبي لم يرس على أسسه التي نعرفها اليوم، إلا بدءاً من ظهور الطباعة سنة 1434م. وهو على أي حال، نظام ظل يتطور إلى العصور الحديثة.
ويرى البعض أن الأوروبيين كانوا يستخدمون علامة .C وهي خط انحناء، يتبع السؤال، تقليداً لصوت السائل، الذي ينحني بنغمة الكلام، عندما يسأل، فيما يكون تنغيم صوته مستقيماً عند الكلام الخالي من الاستفهام.
وثمة نظرية تاريخية أخرى تنسب علامة الاستفهام إلى القرون الوسطى، وأنها بدأت تُكتب، مثل علامة مفتاح الصول الموسيقي وتحته نقطة. وقد يتعزز هذا القول بأن علامة السؤال كانت نوعاً من التعبير المكتوب عن تنغيم لهجة السؤال.
أما النقطة التي ترافق علامة الاستفهام، فهي شائعة في نظام التنقيط في الكتابة الأوروبية. فنجدها في علامات عديدة، هي نقطة الوقوف، وعلامة التعجب، وعلامة الاستفهام، إضافة إلى علامة النقطة والفاصلة، والنقطتين المتعامدتين:، والنقط الثلاث…، التي تدل على الاسترسال، أو ترك التتمة لخيال القارئ.
وثمة علماء اليوم يعودون بأصل علامة الاستفهام إلى ليو الردموندي، أحد حكماء اليونان السبعة.

علامة الاستفهام في العالم
تعتمد علامة الاستفهام الشكل نفسه في بعض اللغات مثل الفرنسية والإنجليزية، حيث لا تختلف عنها في العربية إلا بكون صورتها معكوسة يميناً يساراً طالما أن العربية تكتب من اليمين إلى اليسار. ولكن بعض اللغات تختلف في تعاملها مع علامة الاستفهام، ففي الإسبانية ولغة بلاد الغال يجب وضع السؤال بين علامتي استفهام، الأولى مقلوبة رأساً على عقب والثانية مستقيمة. وفي اليونانية تستخدم النقطة والفاصلة (؛) علامة للاستفهام. أما اللغة الأرمنية فتعتمد للاستفهام دائرة صغيرة مفتوحة من الأسفل تعلو آخر حرف علّة من آخر كلمة في السؤال. ويستخدم الصينيون واليابانيون علامة الاستفهام التي نعرفها، غير أن استخدامها غير إلزامي في اليابانية.

متى وكيف تُستخدم
حين نسأل سؤالاً، فكتابة السؤال تحتاج إلى وضع علامة استفهام في آخر جملة السؤال. كقولك: متى ستزورنا؟ لكن البعض يخطئ في كثير من الأحيان، إذ يضع علامة استفهام، في آخر جملة الاستفهام غير المباشر، مثل قولك: سألته متى ستزورنا. في هذه الحال، لا توضع علامة استفهام، لأن الجملة سردية، تشير إلى السؤال الذي سئل، ولا تسأل في الحقيقة. وعندما نقول: هل تعرف متى ستزورنا؟ عندئذ يجب وضع علامة الاستفهام، لكنها علامة تتعلق بسؤالك: هل تعرف، وليست متعلقة بقول: متى ستزورنا. ويخطئ البعض إذ يضع نقطة لوقف الجملة بعد علامة الاستفهام، مثل: هل ستزورنا؟. أما القاعدة، وهي في أي حال قاعدة استوردناها إلى العربية من اللغات الأوروبية، فهي أن علامة الاستفهام، مثل علامات التنقيط الأخرى. فهي مثل نقطة الوقف إذا كانت في آخر الجملة، مثل سؤالك: هل ستزورنا؟ وانتظار الجواب. وهي مثل الفاصلة، إذا كانت في وسط الجملة، مثل قولك: هل ستزورنا؟ هل هذا ضمن برنامجك؟ وعلامة الاستفهام إذن لا تحتاج إلى أي نقطة أو فاصلة بعدها.
ويختلف الإنجليز والفرنسيون في كتابة علامة الاستفهام، فالفرنسيون يفصلون السؤال عن علامة السؤال: Allez-vous nous visiter ?
ولا يفصل الإنجليز في هذا الموضع: Do you intend to visit us?، ولذا يسمي الإنجليز هذا «الخطأ» مباعدة فرنسية (French spacing). وينظرون إليه على أنه خطأ إملاء، بل إن قاموس أكسفورد يحث على اجتنابه في الكتابة، أو الطباعة.
وثمة استخدام آخر لعلامة الاستفهام، في الخطابة، فالسؤال صيغة من صيغ البلاغة. فإذا سأل الخطيب جمهوره: أليس هذا ظلماً وعدواناً؟ أليست تحظره الشرائع الدولية؟ فهو هاهنا لا يسأل ولا ينتظر جواباً، وإن هي إلا وسيلة لتحسين الكلام والخطاب، ولاستثارة تفكير المخاطَبين.
ويكتب البعض علامة الاستفهام بين هلالين (؟) للإعراب عن عدم اليقين في شأن ما سبق، مثل يوم ولادة غير مؤكد: ولد وليام شيكسبير في 23 (؟) أبريل سنة 1564. وهذا يعني أن الكاتب ليس موقناً أن يوم 23 هو اليوم المؤكد لولادته.
وفي عصر التكنولوجيا الرقمية، صار المرء يرى على شاشة الحاسوب في أحيان، علامة استفهام، تغمزه حين يضيء البرنامج. ذلك يعني أن المعلومات اللازمة ليبدأ الحاسوب العمل لم تتوافر له بعد، وأنه يبحث عنها، مثلما يبحث الإنسان عن إجابة، حين يطرح السؤال.
وفي الصحافة المكتوبة، هناك من يخرج من قواعد استخدام علامة الاستفهام، فيكرر علامة الاستفهام مرتين أو ثلاثاً في آخر السؤال، إشارةً إلى حدة السؤال أو الإلحاح في طلب الجواب، أو استغراباً، أو تعبيراً عن الغموض الشديد الذي يلف موضوع السؤال. وأحياناً نرى في الصحافة علامة الاستفهام تصحبها علامة تعجب تعبيراً عن الدهشة من أمر غريب إلى درجة التشكيك في حقيقته.
ويخرج استعمال علامة الاستفهام من الكتابة ليدخل عالم الرسم. فنراها في رسوم الكرتون فوق رأس شخص معين، للتعبير عن حيرته أو جهله.

تعبير يتجاوز الاستفهام
تخطى عمر علامة الاستفهام، الآن إذن بضعة قرون من الزمان، تطورت فيها وسائل الكتابة والتعبير الفني والأدبي والسياسي والاجتماعي، حتى صارت هذه العلامة تحمل من سنوات عمرها الطويل، معانيَ عديدة وأوجه استخدام كثيرة ومتعددة وغنية.
فمن الناس من لا يستخدم علامة الاستفهام، للسؤال عن أمر لا يعرفه، بل قد يكون سؤاله تأكيداً لمعرفته شيئاً قد لا يروق للمستمع أنه يعرفه حقاً. كأن يسأل المحقق المتهم: ألم تكن ليلة الجريمة في موقع الحادثة؟ أو ليست هذه صورتك في المكان؟
وثمة من يسأل استنكاراً وغضباً، كقولك: ألا يعجبك حديثي؟
ويكون السؤال في بعض الأحيان مجرد أن من يطرح السؤال، إنما يحث المخاطَب على سلوكٍ أو يطالبه بإحساس ما، ينم عن خُلُق وتأنيب ضمير مثلاً. فإذا قلت للطفل: ألا تخجل من أخذك المال من حقيبة رفيقك؟ فالسؤال ها هنا لا ينشد معرفة ما لا يُعرَف، ولا الاستدراج إلى قول ما خفي في موضوع ما، بل هو نوع من التأنيب الذي يحض الطفل على ضرورة أن يشعر في المستقبل، بإحساس رادع عن عمل السوء الذي اقترف في مرة سابقة.
وفي أحيان نسأل، لا في باب طلب معرفة شيء لا نعرفه أيضاً، بل في باب قول ما نعرف تمام المعرفة، لكن غرض السؤال تذكير المخاطَب، بقولٍ قلناه، أو فعلٍ فعلناه، ونريد من المُخاطَب أن يتذكر، وأن يعترف لنا بكوننا كنا على حق. كأن نقول له: ألم أقل لك أمس إن الرجل كان مسافراً حين وقعت الحادثة؟ أو قولنا: ألم ترَني كيف أقفلتُ الباب في المرة السابقة؟ ألم أنبّهْكَ للأمر؟
وفي أحيان يكون السؤال مجرد لوم ومعاتبة: كيف تمضي كل هذه الأيام ولا تتصل بي لإخباري أنك مريض؟ أو: هل نسيتَني؟
وحين ينتهي عنوان كتاب بعلامة استفهام، فقد تكون العلامة استدراجاً للقراء، الذين يطرحون السؤال ولا يعرفون له جواباً. مثل العنوان الذي قد يكون على سبيل المثال: من هو وليم شكسبير حقاً؟ وقد يجيب الكتاب عن السؤال، وقد لا يجيب، لكن المهم أن العنوان – السؤال، فخ يستدرج القارئ الفضولي لشراء الكتاب بحثاً عن إجابة.
ويمكن أن يقتصر دور السؤال على إضفاء الرقة الأدبية على أمر معين، كما يحدث عندما يريد شخص ما شيئاً أو أمراً من شخص آخر. فبدلاً من التوجه إليه بصيغة الأمر الفجة، يكفيه أن يضع طلبه بصيغة السؤال ليبدو أكثر تهذيباً، مثل القول على المائدة: أيمكنك أن تعطيني خبزاً؟ بدلاً من «أعطني خبزاً». أو أيمكنك أن توصلني بسيارتك؟ بدلاً من «أوصلني بسيارتك».
وقد تكون علامة الاستفهام صرخة تخوف أو استنكار، حيال فريق رياضي أو مؤسسة تجارية مثلاً، ساء أداؤه على الرغم من سمعة طيبة اشتُهر بها في مواسم عديدة سابقة. ويكون مقال، يسأل في عنوانه: النادي الفلاني إلى أين؟ أو: ما الذي حل بالشركة الفلانية بعد كل هذا النجاح المشهود؟
ولا يرتبط فحوى السؤال في جوهره باسم الاستفهام المستخدم في طرحة. فعندما يسأل أحدهم: «متى ستزورنا؟» فهو ينتظر جواباً. أما عندما يسأل: متى سيأتي اليوم الذي سأرتاح فيه من العمل؟ فهو لا ينتظر أي جواب. لا بل إنه يعبِّر عن وضع قائم، وعن يأس من تغيير.
باختصار، إن طرح الفكرة نفسها في صيغة السؤال، يحولها في جوهرها إلى فكرة أخرى، يحتاج فهمها إلى حسن التقدير عند المستمع، وهو ما يتجاوز حاسة السمع.
من كيف حالك
إلى الفلسفة والعلوم
ما بين الأسئلة البسيطة الكثيرة التي نطرحها في حياتنا اليومية، والأسئلة الكبيرة والصعبة التي يطرحها العلماء والفلاسفة، هناك قاسم مشترك هو أن كلاً من هذه الأسئلة يتوسط مرحلتين: الشك أولاً، ثم اليقين إذا حصل السؤال على الجواب.
ويعد العلماء الشك المنهجي الخطوة الأولى في سلوك طريق التفكير العلمي والفلسفي. لكن الشك ينبغي أن يكون موقتاً، لا حالة مزمنة. لأن غرضه هو أن يكون نقطة انطلاق لبلوغ اليقين أو الحقيقة.
كان ابن الهيثم، العالم العربي الأندلسي الذي اشتهر على الخصوص بتأسيسه علم البصريات فيلسوفاً من أهم مؤسسي مبدأ الشك العلمي. فهو صاحب نص مضيء ورد في مقالته «الشكوك على بطليموس» وجاء فيه: الحقائق منغمسة في الشبهات. وما عصم الله العلماء من الزلل ولا حمى علمهم من التقصير والخلل، ولو كان ذلك لما اختلف العلماء في شيء من العلوم، ولا تفرقت آراؤهم في شيء من حقائق الأمور والوجود.
أما القول المركزي في الشك، فيوضحه ابن الهيثم، كما لا يوضحه كثير من الفلاسفة غيره بعبارة بالغة القيمة في فكره، إذ يقول: «طالب الحق ليس هو الناظر في كتب المتقدمين المسترسل مع طبعه، في حسن الظن بهم». طالب الحق عنده إذن لا بد له من الشك. ويتابع العبارة المركزية بالقول: «بل طالب الحق هو المتهم لظنه فيهم، المتوقف فيما يفهمه عنهم المتبع الحجة والبرهان لا قول القائل، الذي هو إنسان مخصوص في جبلته بضروب الخلل والنقصان. والواجب على الناظر في كتب العلوم، إذا كان غرضه معرفة الحقائق، أن يجعل نفسه خصماً لكل ما ينظر فيه، ويحيل فكره في جميع حواشيه، ويخصمه من جميع جهاته ونواصيه، ويتهم أيضا نفسه عند خصامه… فإنه إذا سلك هذه الطريقة انكشفت له الحقائق».
واستفادت الفلسفة في أوروبا الحديثة كثيراً من أعمال الفلاسفة العرب والمسلمين في اعتماد الشك مبدأ لبلوغ اليقين. ومن أبرز المفكرين الذين بحثوا في الشك ومجالات اللجوء إليه، حتى بنوا على هذه المسألة فلسفاتهم لبنةً لبنة، الفرنسي رينيه ديكارت والإنجليزي جون لوك، والنمساوي كارل بوبر وغيرهم.
ولم يقتصر اعتماد الشك والسؤال في أساس النظرة إلى الأمور على المؤلفات الفلسفية. ذلك أن ابن خلدون، اتبع منهج الشك أيضاً في كتابة التاريخ الذي كانت ذروته في المقدمة المشهورة التي أسست لعدد من العلوم، منها بالطبع علم الاجتماع وفلسفة التاريخ، وكذلك علم النقد التاريخي الذي طوّره فيما بعد في أوروبا فكتور لانجلوا وشارل سنيوبوس وغيرهما. وهو علم لا يقبل الرواية التاريخية، إلاّ بعد الشك فيها وبناء اليقين على أساس نقد المصدر لمعرفة خطه من استحقاق الثقة، ثم نقد الرواية نفسها لمعرفة حظها من الصحة والدقة، والمقارنة مع الروايات الأخرى لمحاولة إكمال تفاصيل الصورة، وما إلى ذلك من أساليب إعمال الشك والسؤال، وعدم قبول ما يتوارث من روايات من دون نقاش.
أما العلوم الدقيقة مثل الرياضيات والفيزياء والكيمياء فيخطئ من يتصور أن حقائقها بمنأى عن الشك والسؤال. فقد شهد القرن العشرون ظهور حشد من العلماء الذين شككوا فيما هو متعارف عليه في كثير من العلوم، ونقضوا قوانين الرياضيّات والفيزياء التي عاشت قروناً (ومن أبرزهم ألبرت أينشتين صاحب نظرية النسبية المشهورة). وعلى أيدي هؤلاء، قام تطور العلم خلال القرن الميلادي الماضي، وما زال يتطور حتى اليوم.
مهن وأعمال قائمة على
فن السؤال
إضافة إلى الأسئلة المتداولة في الحياة اليومية، يدخل «السؤال» في صلب الأسس التي تقوم عليها مهن وأعمال ومهام وأبواب تخصص عديدة، حيث تصبح صياغة السؤال وطرحه فناً وعلماً، يتوقف عليه النجاح أو الفشل في العمل. ومن أبرز الأمثلة التي يعرفها الجميع ويمكننا أن نذكرها في هذا الإطار: التحقيق الأمني والقضائي.

الاستجواب الأمني والقضائي
كلنا نعرف الأسئلة النموذجية التي تتكرر في كل فلم بوليسي يدور حول البحث عن مجرم ارتكب جناية قتل مثلاً. فالحوار بين المحقق الباحث عن الحقيقة والمتهم غالباً ما يقتصر على جملة أسئلة نعرفها كلنا غيباً:
أين كنت في الساعة الفلانية؟
هل هناك من يستطيع أن يؤكد كلامك؟
ما مدى معرفتك بالضحية؟
هل تمتلك سلاحاً
من أين أتت نقطة الدم على ملابسك؟
متى كان آخر اتصال لك بالضحية…؟ وهكذا.
ومن جملة الأجوبة التي يحصل عليها المحقق عليه أن يضع تصوراً مؤكداً، أو ترجيحاً لأجوبة فئة أخرى من الأسئلة لكي يتبلور الاتهام: من الذي ارتكب الجريمة، ولماذا (الدافع)، وبأي وسيلة، ومتى، وأين، وكيف. أي بالاعتماد على أسئلة شيشرون (راجع الإطار).
غير أن هناك نمطاً من طرح أسئلة التحقيق نادراً ما نراه في الأفلام البوليسية، وكثيراً ما يلجأ إليه المحققون في الجرائم الكبرى. ويقضي هذا النمط أن يصوغ المحقق أسئلة توحي للمتهم بأن موضوع الاستجواب هو جريمة غير الجريمة الحقيقية التي حصلت. الأمر الذي يجعل المتهم يرد بصدق وراحة نسبية. ليستشف المحقق منها ما يعزز الشبهات على المتهم أو ينفيها.
وسوق المتهم أمام القضاء، يتخذ فن اختيار السؤال وطرحه مسألة يرتبط بها الحكم بالتبرئة أو التجريم. إذ يتناوب على استجوابه محامي الدفاع وممثل الادعاء، كذلك يتناوب الطرفان على استجواب الشهود، وفق تقاليد محددة بدقة. ويتمتع القاضي بصلاحية منع طرح سؤال معين إذا ارتأى أن طرحه قد ينحرف بالحقيقة أو العدالة عن مسارها. وبشكل عام، فإن براعة المحامين وشهرتهم ترتبط بالدرجة الأولى بتمكنهم من فن طرح السؤال. هذا الفن القادر على تبرئة البريء فعلاً، وإرسال المجرم إلى ملاقاة جزائه. كذلك يمكن أن يؤدي سوء طرح الأسئلة إلى نتيجة معاكسة.

أسئلة الصحافة
وكما الحال عند المحامي والمحقق البوليسي، يعد فن طرح السؤال علماً لا بد للصحافي أن يتقنه كي ينجح في عمله.
فإضافة إلى الأسئلة الكثيرة التي تسبق أو ترافق كل ما ينتجه الصحافي، هناك مجالان يظهر فيهما فن السؤال بوضوح: المقابلة الصحافية، والمشاركة في مؤتمر صحافي.
فالغاية الأساس في هذين المجالين هي حصول الصحافي من خلال أسئلته من الشخص الذي يحاوره، على معلومات لا يعرفها جمهور القراء أو المشاهدين، ولا الصحافي نفسه. وتحقيق الأمر يتطلب إضافة إلى الإطلاع المسبق على جوانب الموضوع المطروح على البحث، براعته في صياغة السؤال (وأدباً في طرحه)، وقدرة على تقييم الجواب لمعرفة ما إذا كان يستدعي التوضيح من خلال سؤال مستمد منه قبل الانتقال إلى السؤال التالي..
والحقيقة أن التفاصيل المتعلقة بأسئلة المقابلة الصحافية هي أكثر من أن نتمكن من حصرها هنا، إذ إنها مادة دراسة في كليات الإعلام. ولكن يكفي أن نشير إلى أن التعبير على وجه الصحافي السائل (إذا كان مصوراً) يمكنه كما هو حال اختيار مفردات السؤال أن يذهب بقيمة السؤال في شتى الاتجاهات، إذ يمكنه أن يعطي انطباعاً بالجدية والرصانة، أو يفضح تواطؤه مع الشخص الذي يحاوره على طمس الحقيقة.

المسؤولية والتبعة
أخذ الصحافيون في وسائل الإعلام، منذ بداية ظهور الصحف العربية، في أواخر القرن الميلادي التاسع عشر، يستخدمون كلمة: المسؤولية، وهم يقصدون ما يترتب على المرء من عواقب أفعاله. والكلمة مشتقة من السؤال، وهي إذن عربية المصدر، لكنها ليست عربية سليمة الاشتقاق، لأن الكلمة نسبة، وهي تستخدم بمثابة مصدر. وهذا لا يجوز. وأصل الاستخدام الخطأ هذا، بدعة لغوية من أيام السلطنة العثمانية، كانت من بدع لغوية كثيرة كان يبتدعها الأتراك في كلامهم العربي، فشاعت. ومثلها كلمات: العدلية والحقانية والحربية والمالية والاستمرارية والاستقلالية، وما إلى ذلك من نسب، لا تُستخدم صفات، بل مصادر.
أما المعنى المقصود بكلمة مسؤولية، فالكلمة العربية الأصيلة فيه هي: التَّبِعة.

أسئلة شيشرون
من الأدب اللاتيني الذي ظهر في القرن الثاني عشر الميلادي، هناك بيت شعر حظي بشهرة كبيرة حتى تحول إلى شعار أو ما شابه الحكمة. وبيت الشعر هذا قد يكون الأغرب في كل تاريخ الشعر، لأنه عبارة عن سبعة أسماء استفهام، هي على التوالي:
«من، ماذا، أين، بأية وسيلة، لماذا، كيف، ومتى.»
والواقع أن بيت الشعر هذا يقوم على فكر الفيلسوف والخطيب الروماني شيشرون (106 – 43 ق.م.)، الذي حدد في كتابه النظري «حول الاختراع» الأسئلة السبعة التي يجب أن تحيط بالسعي إلى معرفة الظروف المحيطة بعمل ما أو بالطريق إلى إنجازه.
وحتى عصرنا هذا، لا تزال هذه الأسئلة في صميم فلسفة البحث العلمي، على الرغم من أن بعض المجالات يتحمل اختصارها أو إجراء التعديل عليها.
في حين أن التحقيق البوليسي في وقوع جريمة ما يتضمن طرح هذه الأسئلة السبعة سعياً إلى الحقيقة. نذكر على سبيل المثال أن المحلل السياسي الذي يريد أن يفهم حقيقة تصريح سياسي بشكل أعمق من المعنى المسطح الوارد في الكلمات، يجب أن يسأل:
من؟ لأن التصريح يستمد قيمته من وزن قائله.
أين؟ لأن المكان الذي أدلى فيه بالتصريح يؤثر في قيمته (وحتى في صدقية معناه الظاهر)
متى؟ لأن التصريح مرتبط بتزامنه أو بتأخره أو بتقدمه على أحداث أو ظروف محيطة بوقت صدوره.
وإلى ذلك يضيف السياسيون سؤالاً خاصاً بعالمهم: من هو المستفيد من هذا التصريح؟
سأل يسأل فهو سائل
فالرجل مفعول به أول، ومال مفعول به ثان. أما مصدر فعل سأل، فهو متعدد: سأل سُؤالاً، وسَآلَةً، ومَسْألةً، وتَسْآلاً، وسَأَلَةً.
ويقال: سألتُ أسألُ، وسَلْتُ أسَلُ، باختصار الهمز. وتساءل الرجلان، أي تبادلا السؤال، يتساءلان، ويتسايلان، بإبدال الهمز ياء. وتساءلوا: سأل بعضُهم بعضا. ويقال كذلك: ساءل بمعنى سأل. ومنه قول الشاعر ابن ذؤيب:
أساءلتَ رسمَ الدارِ أم لم تسائلِ عنِ السَّكْنِ أم عن عهدِهِ بالأوائلِ
وقد جاء فعل السؤال وما يشتق منه في القرآن الكريم، في عدد من المواضع، إذ قال عز من قائل: ‭}‬واتّقوا الله الذي تَسَاءَلُونَ به والأرْحَام‭{‬ (النساء: 1). وقال سبحانه وتعالى: ‭}‬كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْداً مَسئُولاً‭{‬ (الفرقان: 16).
وقد وردت في التنزيل العزيز صيغ كثيرة مشتقة من مصدر السؤال، نذكر منها:
سأل، سألتك، سألتكم، سألتم، سألتموه، سألتموهن، سألتَهم، سألك، سألها، سألهم، سألها، سألوا، أسألك، أسئَلكم، تسئَلْني، تسئَلُهم، تسئَلوا، نسئَلُك، لَنَسئَلَنَّهم، يَسئَل، يسئَلُك، يسئَلُكم، يسئَلْكموها، يسئَلُه، يَسئَلوا، يَسئَلون، يَسئلونك، اسئَل، سَئَلَه، سئَلَهم، اسْئَلوا، سئَلوهم، سئَلوهن، سَل، سَلهم، سُئِل، سُئِلَت، سُئِلوا، تُسئَل، لتُسئَلُنَّ، تُسئَلون، نُسئَل، يُسئَل، لَيُسئَلُنَّ، يُسئَلون، تساءَلون، ليَتَساءَلوا، يتَساءَلون، سُؤلَك، سُؤال، سائِل، السائِلين، مَسئُولا، مسئُولون.
وقد فسر اللغويون معاني السؤال، في مختلف أحواله، ففي قوله تعالى: ‭}‬وَعْداً مَسْئُولاً‭{‬ (الفرقان: 16) قال ثعلب: وعداً مسئولاً إنجازُه، يقولون: ربنا قد وعدتنا، فأنجز لنا وعدك. وفي قوله عز وجل: ‭}‬وقدَّرَ فيها أقوَاتَهَا في أَرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءٌ للسَّائِلين‭{‬ (فصلت: 10)، قال الزجاج: لأن كلا يطلب القوت ويسأله. وفي قوله عز وجل: ‭}‬وَقِفوهُم إِنَّهُم مَسئُولُون‭{‬ (الصافات: 24)، قال الزجاج: سؤالهم سؤال توبيخ، لأن الله عالم بأعمالهم.
وأسْألتُهُ سؤلتَه ومسألتَه، أي قضيتُ له حاجتَه. وسألتُه الشيءَ أي استعطيته، وسألتُه عن الشيء، استخبرتُه. والسؤال، هو سؤال الناس أموالها، من دون ما حاجة. ومنه التسوّل. وفاعله المتسوّل. ورجل سُؤَلَة، أي كثير السؤال. هذا كله من لسان العرب.
عندما يكون السؤال جواباً
ثمة أسئلة تحولت هي نفسها إلى أجوبة، نظراً لشهرتها وللإطار الذي طرحت فيه. ففي الشعر الإنجليزي نعرف ذلك السؤال الذي أصبح جواباً لدى معظم شعوب العالم. وهو سؤال وليم شكسبير في مسرحيته الشهيرة هاملت، القائل: «نكون أو لا نكون، تلك هي المسألة»
(To be or not to be, that is the question) وهذه الجملة ليست سؤالاً في حقيقة الأمر، بل إشارة إلى حجم القضية الأساسية التي تؤرق هاملت في المسرحية. وصارت تستعمل أينما كان للإشارة إلى كل قضية تطرح مسألة الوجود على بساط البحث.
وفي الشعر العربي نعرف أيضاً أسئلة تحولت إلى أجوبة مثل السؤال الذي ورد في أحد أبيات عمر بن أبي ربيعة الذي يقول:
قالت الصغرى وقد تيّمتها قد عرفناه وهل يخفى القمر؟»
فصار السؤال الوارد على عجُزْ هذا البيت جواباً كثيراً ما يستخدم حتى يومنا هذا جواباً عن سؤال: هل عرفتني؟.
«كيف» على الغلاف
في الثلاثينيّات من القرن الميلادي الماضي، نشر المؤلف الأمريكي دايل كارنيجي كتابه الشهير: «كيف تكسب الأصدقاء». فحَظِي هذا الكتاب برواج منقطع النظير وبيعت منه عشرات ملايين النسخ، ولا يزال رائجاً حتى يومنا هذا.
أدى هذا الرواج إلى ظهور سلسلة عملاقة من الكتب التي تبدأ عناوينها بـ «كيف».
كيف تستمتع بعملك وحياتك؟ كيف تحصل على زيادة مرتبك؟ كيف تحصل على الترقية الوظيفية؟ وغيرها. وكثرت السلاسل التي تصدرها دور نشر مختلفة في أمريكا على هذا النهج، وتفاوتت تفاوتاً كبيراً لناحية المستوى والجدية، وجاء هذا الانفجار ليعبر عن تحول في الحياة المعاصرة التي تبدو مزدحمة أكثر فأكثر بالأسئلة المرهقة النابعة من الحداثة ونمط عيشها.
اللافت في هذه الكتب أن شأنها شأن السينما: تخاف علامة الاستفهام بعد السؤال- العنوان. ولكن ما يعود إلى التوجس شراً في عناوين الأفلام السينمائية، له ما يبرره في هذه الكتب التي تزعم أن محتواها يشكل الجواب عن السؤال، وليس توسعة له.. أي أننا مرة أخرى نجد أنفسنا أمام سؤال يشكل بنفسه جواباً أو عنواناً له.
لماذا تخاف السينما الأمريكية علامة الاستفهام؟
السينمائيون الأمريكيون في هوليوود ومنتجو المسلسلات والأفلام في التلفزيون يتشاءمون كثيراً من علامة الاستفهام، لا سيما في عناوين أفلامهم ومسلسلاتهم.
فثمة اعتقاد شائع راسخ في المحافل السينمائية في هوليوود، أن استخدام علامة استفهام في عنوان فلم أو مسلسل، يحكم عليه حتماً بالفشل والخسارة التجارية المؤكدة. فقد حدث ذلك مرة، لا تذكرها تواريخ السينما، فأعرض المخرجون والمنتجون عن معاودة «المغامرة». ولذا فلن تجد في عناوين هذه الأفلام، على طول تاريخ السينما الأمريكية، إلا ما ندر، رسم علامة الاستفهام.

لقد ظهر الكتاب المعروف: Who Censored Roger Rabbit?، سنة 1947م، وأرادت شركة والت ديزني سنة 1988م في هوليوود أن تحوله إلى فلم سينمائي، فحولته فعلاً، لكن عنوانه صار: Who Framed Roger Rabbit، لكن من دون علامة استفهام.
وظهرت أفلام كثيرة في عنوانها سؤال، ولكن من دون علامة الاستفهام:
Quo Vadis، ظهرت كتبه في أحيان مع علامة الاستفهام، وأحياناً من دونها، أما الفلم فخلا منها.
For Whom the Bell Tolls، (من رواية إرنست همنجواي: لمن يقرع الجرس؟) حتى الكتب التي صدرت للرواية، لم تكن تحمل علامة استفهام.
لماذا إذن تخاف هوليوود علامة الاستفهام؟
الجواب: ؟

من هو من؟
هذا العنوان هو الترجمة الحرفية للسؤال بالإنجليزية «who’s who» الذي يعني في ترجمة أصح «أيهم؟». والسؤال هو اسم كتاب يصدر بالإنجليزية سنوياً منذ أكثر من قرن ونصف، ويتضمن تعريفاً بالشخصيّات المشهورة في كل المجالات والتي لا تزال على قيد الحياة.
فقد صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب في بريطانيا عام 1849. وجاءت إضافة من 35 صفحة على كتاب الأحداث السنوية، وتضمنت تعداداً لأفراد الأسرة المالكة وأعضاء مجلس اللوردات ومجلس العموم والسفراء.
وفي العام 1896، استحوذت شركة «آي أند سي بلاك» على حقوق نشر هذا الكتاب وأدخلت عليه تعديلات جذرية فصار يشمل الشخصيات غير الرسمية، وأضيف على كل اسم نبذة عن سيرته الشخصية.
تعاظمت أهمية هذا الكتاب في القرن العشرين، حتى صار محتواه يعبر عن التحولات الاجتماعية التي تطرأ على الحياة العامة. ويقال إن رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل تدخّل شخصياً خلال الحرب العالمية الثانية، ليضمن طباعة هذا الكتاب في موعده رغم أزمة الورق الشديدة آنذاك.
وشهدت العقود الأخيرة من القرن العشرين انتشار طباعة هذا الكتاب بمحتويات خاصة ببلدان ومناطق أخرى غير بريطانيا، فصار هناك كتاب خاص بأمريكا، وآخر بالشرق الأوسط وثالث بالهند… وهكذا دواليك.
ومنذ عام 2005، صارت محتويات موسوعة الشخصيّات هذه متوافرة على شبكة الإنترنت. وهي لا تزال تعتبر، عالمياً، مرجعاً موثوقاً وموضوعياً بسير الشخصيات التي تتضمنها.

شكلها وخطابها في الكاريكاتير
تفرض علامة الاستفهام نفسها على فن الكاريكاتير، يساعدها في ذلك عدد من العوامل الشكلية والضمنية، نذكر منها ما يأتي:
1 – بساطة الشكل الذي تسهل قراءته وكأنه حرف أبجدي.
2 – خصوصية الشكل المؤلف من جزأين (قوس ونقطة)
3 – تعبيرها بحد ذاتها عن غياب الجواب عن السؤال، ورمزيتها للجهل والحيرة والشك (وهي صفات غالية على قلوب الساخرين من الرسامين).
وفي هذه العينة المختارة من الرسوم، يمكننا أن نقرأ عدداً محدوداً من أنماط ظهور علامة الاستفهام في هذا الفن.
1 – «سوق الأسهم»: تؤدي علامة الاستفهام دورها التقليدي هنا من خلال ظهورها على شكل لوحة في متحف، لتعبر بشكل واضح عن الغموض الذي يحيط باتجاهات الحركة في سوق الأسهم (التي يبدو أنها تحير الناس في الغرب كما هو الحال عندنا).
2 – «صور علامة الاستفهام»: على الرغم من بساطة شكلها، يؤدي رسم علامة الاستفهام بشكل لوحة زيتية تحمل اسمها، إلى أداء الوظيفة المحددة لفن اللوحة، فينعكس موضوعها سؤالاً واضحاً على وجه المتطلعين إليها.
3 – «خداع بصري»: يستغل هذا الرسام شكل علامة الاستفهام لتقديم صورة سوريالية، نرى فيها القوس المنحوت من حجر عالقاً في الهواء، وتحته النقطة فقط ملتصقة بالصخر على الأرض.
4 – «الحزم»: كما هو حال الرسم السابق، يستغل الرسام هنا شكل علامة الاستفهام، ولكن للإدلاء بخطاب يتجاوز اللعبة البصرية. فالشخص الحازم يجلس هنا بين القوس والنقطة، أي أنه بادعائه لنفسه الحزم واليقين، يجب عليه أن يعلم أن هذا الحزم هو أصغر من السؤال، وأنه لا يستطيع الإفلات من الشك طالما أنه محتوىً فيه.
5 – «علامة التعجب تطارد علامة الاستفهام»: خطاب كامل وبسيط، يؤكد العلاقة الديناميكية ما بين السؤال من جهة والتعجب أو الدهشة من جهة أخرى. وغالباً ما يكون السؤال الباحث عن جواب نتيجة ضغط عامل التعجب
6 – «الأطباء والمرضى ينحنون أمام الجهل»: يقتصر دور علامة الاستفهام هنا على رمزها للجهل. فتتخذ شكل ملك جالس على كرسي الملك وبيده صولجانه (رمز النفوذ والقوة)، وأمامه مرض (رمز الضعيف)، وطبيب (رمز المتعلم) انبطحا أرضاً تعبيراً عن خضوعهما له.

أنا علامة التعجب
علامة التعجب، شقيقة علامة الاستفهام, وكثيراً ما تظهران معاً مثل التوائم، لا سيما في الكتابة الأدبية التي تفترض الإعراب عن مشاعر مختلفة.
ولأن علامة التعجب «اختراع» أوروبي، استوردناها مثل كثير من المخترعات الأوروبية، فلا بد من متابعة قصة ولادتها وسيرتها عبر القرون من مصادرها الأوروبية، مسقط رأسها.
بطاقة الهوية:
علامة تعرب عن الانفعال أو الاستغراب أو التعجب في آخر الجملة إجمالاً. وقد تكون ختاماً لعبارة قصيرة: يا سلام! أو نقطة إنهاء لأمر: قف! أو: تعال! أو إعراباً عن تعجب لمضمون الجملة التي سبقت علامة التعجب: لقد وجدوا المال في داخل كيس القمامة! بعض الكتاب يكررونها، لتشديد التعجب أو الاستنكار: لقد كسروا المقاعد في الملعب الرياضي!!!

السيرة:
ظهرت علامة التعجب أول ما ظهرت في نصوص إنجليزية، قرابة العام 1400م. أي انها بلغت اليوم عامها الستمئة. لكنها كانت تسمى: علامة الإعجاب، لا التعجب. وظلت على هذه الحال، حتى منتصف القرن السابع عشر. ولم تظهر في اللغة الألمانية حتى أواخر القرن الثامن عشر، سنة 1797م.
غير أن الآلات الكاتبة لم تعترف بها إلا في سبعينيات القرن الميلادي العشرين، حين درجت على لوحات مفاتيحها، وصار بإمكان الطابع أن يكتبها في النصوص. وكانوا من قبل يطبعون نقطة، وقبلها فاصلة مقلوبة (‘.).
واستخدمت شركات علامة التعجب في علاماتها التجارية، وظهرت نقطة التعجب أيضاً في عناوين مسرحيات في الغرب، مثل: Oklahoma!، أو Oh! Calcutta!. بل ان في بريطانيا مدينة اسمها الرسمي: Westward Ho!، وفي كندا في مقاطعة كيبك، مدينة اسمها الرسمي: Saint-Louis-du-Ha! Ha!.
واستعار عدد من اللغات علامة التعجب من الأوروبيين، منها العربية والصينية والكورية واليابانية. وفي الفرنسية يستخدمون علامة التعجب للِّحاق بفعل الأمر: (تعال !) ويسبقها فاصل، يبعدها عن الكلمة التي قبلها. ولا يستخدم الإنجليز علامة التعجب لهذا الغرض. أما الألمان، فيستخدمونها بعد ذكر اسم المخاطَب في الرسالة (عزيزي يورغ!). كذلك يستخدمها الألمان في اللافتات: (ممنوع التدخين!) أو بعد جملة تعرب عن طلب: (تعالَ في الصباح!). أما الإسبان فيضعون علامة التعجب مقلوبة في أول الجملة التي تنتهي بعلامة التعجب، تماماً مثلما يفعلون بعلامة الاستفهام.
وتوسع استخدام علامة التعجب في كثير من النصوص العلمية والتقنية في علم الصوت واللغة الإلكترونية وإشارات السير، لا سيما التي تنطوي على تنبيه من خطر ما. ولعلامة التعجب معنى مخصوص في الرياضيات، حين تستخدم بعد رقم ما، أو في الحواسيب.
في الموسيقى، اتخذت فرقة مقرها ساكرامنتو، في كاليفورنيا ثلاث علامات تعجب !!! اسماً لها. وأما لفظ هذا الاسم، فاتُفق على أن يكون: تشيك تشيك تشيك، أو: بو بو بو، أو: بَنْج بَنْج بَنْج، تقليداً للصوت الذي يصدر عن الآلة الكاتبة حين نطبع علامة الاستفهام ثلاث مرات متتالية. بل ان ثمة أغنية أمريكية سميت: !، ويَلفظ المستمعون اسمها: بنج.
وظهرت علامة الاستفهام في كثير من الرسوم الكاريكاتورية، وفي أفلام الرسوم المتحركة، للإعراب عن استنكار أو استغراب أو عن صداع بعد ضربة على الرأس أو ما شابه. وفي الشطرنج، تعبِّر علامة التعجب ! في أدبيات اللعبة عن تحريك جيد، والعلامتان !! عن تحريك ممتاز. كذلك في أدبيات لعبة البيزبول، حين يصفون لعبة دفاعية جيدة.
أما وضع علامة التعجب بين هلالين (!)، فغالباً ما يعبِّر عن استهجان أو تهكم.
لكن أغرب ما في سيرة هذه العلامة، أن الأبحاث أثبتت أن المرأة تستخدم علامة التعجب أكثر بكثير من الرجل. فهل لهذا الأمر علاقة بصفة علامة التعجب ووظيفتها، وسيلة للإعراب عن المشاعر على اختلافها؟
علامة استفهام!

أضف تعليق

التعليقات