مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
يناير – فبراير | 2019

يوسف شاهين والإسكندرية


ناصر كامل

يصعب الفصل بين يوسف شاهين والإسكندرية الحديثة عند الحديث في مجالات عدَّة: التاريخ، والفن، والسيرة الذاتية. وأصبحت بعض الحوارات السينمائية في عدد من أفلامه تُذكر كمراجع عن تاريخ المدينة وأحوالها، كما هو الحال في كتاب “ثلاث مدن مشرقية- سواحل البحر الأبيض المتوسط بين التألق والهاوية”، الجزء الثانى، تأليف: فيليب مانسيل.

عاش يوسف شاهين (1926-2008م) طفولته ومراهقته وشبابه الباكر في الإسكندرية التي كانت تشهد تحوُّلات كبيرة وجذرية، مع المحافظة على طابعها “العالمي”. وحضرت هذه المدينة في عناوين ثلاثة أفلام من إخراجه: “إسكندرية ليه؟ (1979م)، “إسكندرية كمان وكمان” (1990م)، “إسكندرية نيويورك” (2002م)، وبإضافة فِلْم “حدوته مصرية” (1982م)، يتحدث بعض المؤرخين والنقَّاد السينمائيين عن “رباعية” يوسف شاهين، التي هي في منظورهم رباعية سيرة ذاتية، وفي قلبها سيرة الإسكندرية كمدينة وتاريخ وثقافة متمايزة. لكن المؤكد أن فِلْم “صراع في الميناء” (1956م) لابد أن يكون بداية أي تناول لتلك العلاقة الكثيفة والمركبة بين سيرة يوسف شاهين وعالمه ورؤيته السينمائية وبين مدينته المحببة. ففي هذا الفلم تتجلَّى كل المعاني التي عرضها مانسيل عن مدينة الإسكندرية: “الوطنية” ومصارعتها الخلاقة مع “الكوزموبوليتانية”، الصراع الطبقي، مع مزيج من الذائقة المصرية الفنية وتفضيلها للملمح الميلودرامي مع رومانسية، وأخيراً رؤية شاهين “الذاتية”، وتأثره البالغ بمخرج “متوسطي” المولد والجذور هو إيليا كازان، وفلمه الرائع “على رصيف الميناء” (1952م).

حُب المدينة يغالب صراعاتها
في المشاهد الأولى من الفلم، وأثناء ظهور عنوانه وتفاصيل العاملين فيه، نرى الحضور الطاغي للميناء والمدينة والناس، الكلمة الأولى هي: “إسكندرية… وصلنا إسكندرية”، يقولها من يبدو عليه أنه عامل على سفينة؛ ونعرف بعد مشاهد قليلة أنه “رجب” العائد بعد غربة دامت ثلاث سنوات (غاب شاهين أيضاً نحو هذا العدد من السنوات للدراسة في أمريكا). يرنو رجب من طاقة في السفينة إلى الميناء بشغف وحب باديين، حين يهبط إلى الرصيف يسأله أحد عمال السفينة: راجع معانا، فيجيب: “لا”. يرحب به الجميع على رصيف الميناء، أما هو فكان يقول لهم إنه لا يعرف ما إذا كان سيعود إلى البحر مرة أخرى أم سيستقر.
ولع رجب بمدينته وهو عائد إليها قد يكتسب معنى مركباً، إذ يستعيد، مانسيل في حديثه عن الإسكندرية بعضاً من تحولاتها الجذرية في تلك الفترة: فيقول “في مارس 1946م، قُتِل أربعة وعشرون طالباً (بعض التقديرات تؤكد أن الرقم أكبر) في مصادمات على الكورنيش بين الطلاب من جانب والشرطة المصرية والقوات البريطانية من جانب آخر، حيث كان الطلاب يحتجون على الوجود البريطاني. وكانت الاحتجاجات في الإسكندرية أعنف منها في القاهرة: “ليرحل الإنجليز! ليرحل الجنود الأجانب! الجلاء!”… بعد عام 1956م، كانت المدينة تحوي فيلات تشبه السفن المهجورة: مغلقة بمصاريع، وخاوية على عروشها، وقد تركت الصور العائلية على الطاولات..
شهدت الإسكندرية بعد عام 1954م أزهى سنواتها…وكانت أوروبا في أضعف لحظاتها، بفعل الاضطرابات السياسية التي تلت الحرب العالمية الثانية والقلق مما يمكن أن تؤول إليه الحرب الباردة التي تلتها. ومع ذلك فقد قرَّر كثير من شبان إسكندرية أن يغادروا مدينتهم إلى القارة الخربة التي تترنح على حافة المجاعة… يتوق البطل في فِلْم يوسف شاهين “إسكندرية ليه” الذي تدور أحداثه في عام 1945م إلى أن يغادر “هذا القبر المسمى الإسكندرية إلى الولايات المتحدة ليجد عملاً جيداً”.

عرض “صراع في الميناء” في عام 1956م، أي فترة زمنية حاسمة من التاريخ المصري الحديث، يمكن وصفها بأنها كانت “المشهد الختامي في رحلة التمصير الطويلة”، رحلة عبّر عن فصلها الافتتاحي الأبرز نجيب محفوظ بالقول: “إن المصريين قبل العام 1936م كانوا يَعُدُّون الإسكندرية “مدينة أوروبية، تُسمَع فيها اللغة الإيطالية أو الفرنسية أو اليونانية أو الإنجليزية أكثر كثيراً مما تُسمَع فيها اللغة العربية. كانت المدينة جميلة ونظيفة جداً حتى أن الواحد كان يمكن أن يأكل من الشوارع…لكن ذلك كله كان للأجانب. ولم يكن باستطاعتنا إلا أن نراقب من بعيد… إلى أن جاءت معاهدة 1936م التي أخضعت الأجانب للقانون نفسه الذي يخضع المصريون له…وعندما ألغيت الامتيازات، اضطر الأجانب في الإسكندرية إلى تغيير موقفهم. فِلْم يعودوا يملكون البلد، ولم نعد نحن المصريين مواطنين من الدرجة الثانية. فأدركوا أنهم وإيانا سنقف أمام القضاة أنفسهم، وهو ما أعطانا شعوراً بالثقة. وظلت مظاهر الحياة الأوروبية حاضرة بقوة، لكن عندما الغيت الامتيازات، أصبحت متاحة لنا نحن أيضاً”.
الذاتية تبدو خفية ومطمورة تحت مشاعر وعلاقات أخرى في “صراع في الميناء”، لكنها تبرز بقوة في فِلْم “إسكندريه ليه؟”؛ ذاتية تتحسب لردود فعل على تعرية الذات والعائلة والمجتمع، فيسجل في ختام التقديم للفلم: “شخصيات وأحداث الفلم ليست نسخة طبق الأصل لواقعها التاريخي. ولكنها رؤية شخصية”. وتدور المشاهد الأولى أمام وداخل دار عرض سينمائي في عام 1942م؛ والإسكندرية مهدَّدة بالغزو الألماني. من هنا يمكن أن نرصد أن “صراع في الميناء” هو فِلْم الإسكندرية الشاهيني، حيث الشخصيات والعلاقات والصراعات فيه هي بقايا عصر يلملم مؤثراته، حيث “الذات” متخفية، وأن الرباعية هي إظهار الذات في خضم تكشفها عبر الفن والتاريخ وتحولاتهما.


مقالات ذات صلة

ثمــة أفـلام في السينمـا السعوديــة الحديثــــة لا يمكن تجاهلها، رغم ما قد يشوبها من تحفظات على السيناريو أو مآخذ على اللغة السينمائية أحياناً، وإن كان يصعب الحكم عليها بمقاييس سينمائية خالصة كتلك التي نحكم بها على أي فلم عالمي، أو أي فلم عربي من دولة لها تاريخ في صناعة السينما. إذ يصعب أن نطبِّق على الأفلام السعودية القصيرة، وحتى الطويل القليل منها، أياً من تلك المقاييس من دون الالتفات إلى الظروف التي أحاطت بإنتاجها.

بيوت الفنَّانين هي مداخل لفهم علاقاتهم بالأمكنة وخياراتهم الفنّية، ومعايير التذوّق والتلقّي التي سادت في عصرهم. هنا في بيت رامبرانت في أمستردام، مسقط رأسه، تلتقي تشكيلات المجتمع وطبقاته. البنّي هو سيّد الألوان التي تمتزج بشجاعة، وتجتذب الدفء والضوء في هولندا المنخفضة، حيث يتناغم كل شيء مع الأوراق المتساقطة على أرصفة المدينة بحزنٍ رومانسي.

لو قدِّر لك أن تسأل المتذوقين من الجماهير المحبَّة للبيان والأدب، شعره ونثره، وهم يطربون لإلقاء شاعر يعزف حروفه لحوناً شجيَّة، أو خطيب مفوّهٍ يلقي شظايا كلماته، ليلهب قلوب مستمعيه: ما الذي يجعل المبدع بليغاً؟ وما البلاغة؟


0 تعليقات على “يوسف شاهين”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *