مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
2023

عين وعدسة

ميناء العقير

تأويل الرمل والماء


فريق التحرير، تصوير: عبدالله الشيخ

تتناثر الذكريات عند ساحل العقير، الذي يمثّل شرفةً تُطلّ بها محافظة الأحساء في المملكة العربية السعودية على الخليج العربي؛ هذا المكان الذي يمتلك حضورًا تاريخيًا كبيرًا وغائرًا في القدم، والذي تختلف المدونات التاريخية في وصفه، وتحديد بداياته، بل حتى في شرح اسمه ورسمه، غير أنه يبقى عنوانًا رئيسًا لتواصل أبناء الجزيرة مع العالم الخارجي، فالجمرك الذي ما زال ماثلًا على الأرض يروي بظلاله قصصًا من سيرة المراكب التي كانت تحمل الأقمشة والزينة والكساء والتمور والتوابل وباقي سلة الغذاء عبر طرق التجارة المعروفة.

زائر العقير اليوم يقف أمام مبنى الخان ذي الشكل الأسطوري وبواباته الخشبية، والسوق التي طالما لازمته، وفي جوار ذلك باحةٌ تزينها الأعمدة الأسطوانية القصيرة بأطوالها، والعملاقة بآثارها المتجذرة من العمارة المحلية والإسلامية، وكأنها على صمتها تختزن أصوات الباعة في زحام السوق قديمًا. هنالك الحصن أيضًا، بأبراجه وجدرانه الرفيعة، مجاورًا مبنى الإمارة، الذي برهن تاريخه على ضخامة القيمة الإستراتيجية لهذا الميناء الواصل بين دول العالم والجزيرة العربية؛ ما جعل من التحكم فيه امتيازًا سياسيًا واقتصاديًا في آنٍ واحد. فهو البوابة الشرقية للجزيرة ونافذتها على العالم، كما يعتبر خط الدفاع الأول الذي يوفر الحماية الأمنية للمنطقة في مواجهة أي اعتداءات بحرية، في تقليد شائع على امتداد ساحل دول الخليج العربي.

هكذا تكلم الميناء بعد صمت طويل.

حياةٌ ذات مد وجزر

فيما يبدو، لم يعرف ميناء العقير حياة دائمة مستقرة، رغم بعض الإشارات التاريخية المتفرقة الدالة على وجود تجمعات بشرية في حقب زمنية غابرة. فلم تكن البلدة مأهولة، في أقل تقدير، خلال القرون المتأخرة على خلاف الموانئ التي اعتادت أن تكتب سيرة حياة اجتماعية حولها.

هناك مساحة واسعة من كثبان رملية تحيط بالعقير، وترسم الحدود بينها وبين واحات الأحساء. ولكن عيون الماء التي غابت عن هذا الساحل غيّبت معها النخيل، فغابت التجمعات البشرية. ولعل هذا ما يفسر طبيعة التباين في مدونات الرحالة الذين زاروا المكان في مطلع القرن الفائت؛ إذ كانت الحياة معلقة بجداول المراكب والسفن المحملة بالبضائع، وكلما اقتربت من الساحل اقترب الناس منها، ودبت فيها الحياة، لتقطع البضائع طريقًا بريًا غير آمن غالبًا في تلك الحقب، وذلك بسبب قطاع الطرق وهجمات بعض القبائل التي مثّلت تحديًا كبيرًا للتجارة حتى نهاية الدولة العثمانية.

برج أبو زهمول بشكله الأسطواني، شاهد آخر على الهواجس الأمنية؛ إذ تشير الدراسات إلى بنائه قبل العهد العثماني في أواخر القرن الثالث عشر الهجري، ليكون برج مراقبة وحارسًا لبئر الماء التي بداخله، إذ يعز الماء العذب في المنطقة المحيطة. والأخبار تحمل إشارات واضحة إلى تعدد أبراج المراقبة خلال تلك الحقبة على امتداد طريق القوافل التجارية، بهدف حماية العملية الاقتصادية من أعمال النهب والسلب المتكررة، التي كانت تمثل مصدر قلق للقوافل وللسلطة السياسية التي كانت تراهن على هذا الميناء ونشاطه التجاري.

لون الزوردي باهر كان وما زال يبتكر الحياة هنا.

عقبة المياه الضحلة

يتسم ساحل العقير بضحالة مياهه، مما كان يضطر السفن التجارية الكبيرة إلى الرسو في البحرين وبندر بوشهر والبصرة، لتنقل بضائعها لاحقًا بواسطة قوارب شراعية صغيرة قادرة على الرسو في المياه الضحلة. لقد تركت هذه السمات الطبيعية أثرها على نشاط الميناء، وتكاليف نقل البضائع إليه، وهو ما حرض العثمانيين على التفكير غير مرة في تعميق مرسى السفن، غير أن ذلك لم يحدث لأسباب مالية في الأغلب.

ورغم كل ذلك تمكن الميناء من المحافظة على امتيازاته كمزود رئيس للجزيرة العربية. فهذه مذكرات الرحالة الأمريكي زويمر تصف لنا حياة الميناء مع الشحنات المتدفقة والكميات الهائلة من البضائع، إذ يقول فيها: “أمَّا ميناء العقير، فرغم أنه غير عميق، فإنه محمي ضد رياح الشمال والجنوب، وبالتالي هو مرسى جيد لإنزال الكميات الهائلة من الأرز والبضائع الأخرى التي يجري شحنها من البحرين إلى الداخل، حيث تغادر العقير قافلة أسبوعية مؤلفة من 200 إلى 300 جمل”.

استمر الميناء في المحافظة على قيمته الاقتصادية والسياسية، حتى شهد أحد أهم الأحداث التاريخية بمنطقة الخليج، وهو ما عُرف لاحقًا بمعاهدة العقير، التي تضمنت في عام 1922م ترسيمًا للحدود بين الدولة السعودية والكويت والعراق، ليُسهم ذلك في رسم رحلة الاستقرار السياسي التي أعقبها تسارع في التحولات الاقتصادية في هذا البلد، بالتزامن مع دخولها في حقبة التنقيب عن النفط، ووصول الجيولوجيين الأوائل عبر ميناء الجبيل عام 1933م من أجل عمليات الاستكشاف، والبدء في معالجة المعضلات اللوجستية لبدايات النفط.

في تلك الفترة، قامت أرامكو ببناء “فرضة الخبر” لتسهيل عملية نقل موظفيها من البحرين وإليها، إضافة إلى نقل البضائع والسلع اللازمة. كما جرى تصدير النفط أول مرَّة من هناك، قبل أن تقرر حكومة المملكة بناء ميناء آخر في موقع إستراتيجي يمتاز بالعمق على أطراف ساحل الدمام؛ لتشهد المنطقة ولادة ميناء الدمام في مطلع الخمسينيات ليواكب عملية التحديث والصناعة النفطية، ما أفضى إلى انخفاض الأهمية الاقتصادية لميناء العقير التاريخي تدريجيًا، حتى أطبقت الصحراء برمالها على أخبار الميناء، بلا أنشطة تجارية تذكر، وانتهت مهمته كوسيط بين الجزيرة العربية والعالم، فيما استكملت عملية البناء لموانئ بديلة أخرى قادرة على استقبال السفن والبواخر الكبيرة، وقادرة على ضمان تدفق البضائع والسلع من المملكة وإليها.

احتفظ الميناء بالمعالم التاريخية الخاصة به، وظل صامدًا أمام التحولات، كشاهد على تاريخ عصي على النسيان، يجابه رياح المواسم في شموخ كبير، في انتظار دوره الجديد كمعلم سياحي ومتنزهٍ طبيعي بعد أن هبت رياح التغيير والتطوير.

اليوم، يقصد الزوار الميناء ليستمتعوا بانعكاسات الشمس على صفحة الماء المزهو بزرقته البهية ورماله الناعمة الذهبية، وليستعيدوا ذكريات المباني الأثرية وخصائصها العمرانية، وليستكشفوا طبيعة الإنسان والعمران في ذاك الزمان، وطبيعة المكان الذي جمع بين البحر والصحراء، في علاقة استثنائية لن تدركها إلا حين توغل أكثر في تفاصيل المنطقة المحيطة بالعقير؛ فثمة بحر من الرمال يستحيل كثبانًا رملية شاهقة، تطوق المكان، وتهبه امتيازاته الطبيعية. لم يعد هناك صوت الباعة في السوق، ولا صدى مأموري الجمارك، ليس سوى موج الخليج الذي يداعب رمال السواحل وأقدام الزوار الذين اعتادوا زيارة العقير للتنزه أو لممارسة هواية الصيد.

برأسمال يقدّر بـ17 مليار ريال سعودي، تعمل شركة تطوير العقير على تحويل هذا المنفذ البحري التاريخي إلى وجهة سياحية كبرى تنافس المواقع السياحية والتراثية العالمية.

وقد شهد العقير خلال الفترة القريبة الماضية خطوات تطويرية ملحوظة، تستهدف جعل المنطقة وجهة سياحية واعدة، بدأت مع عمليات ترميم مباني الميناء وتأهيلها، وإطلاق مشروع الشاطئ المعياري لميناء العقير بمعايير بيئية صارمة، ومسرح روماني مكشوف بمساحة 50 ألف متر مربع كمنصة للأنشطة الفنية والترفيهية. بالإضافة إلى تحسين البنية التحتية للطرق المؤدية إلى المنطقة، لجذب المزيد من السياح، ودفع عجلة السياحة فيها، وفي مقدمتها طريق الظهران (العجير) سلوى الذي يشارف على الانتهاء، ومن المنتظر أن يختصر الوقت اللازم للتنقل بين المنطقة الشرقية ودول مجلس التعاون الخليجي؛ مما يتيح لأبناء هذه الدول فرصة الوصول بسهولة إلى شاطئ العقير التاريخي والاستمتاع بالمواقع والمرافق السياحية.

ثمة مسافة بين الأمس واليوم حتمًا، يعرفها كل من كان يقصد شاطئ العقير قديمًا للتنزه أو حتى للاستكشاف، يوم كانت رغبة الاستثمار السياحي غائبة عن وجه المكان. كان كل شيء يصف ذاكرة مهملة، وساحلًا منسيًا، حتى جرى الاستدراك وإعادة الدفة بالاتجاه الصحيح ، ليتوّج ذلك بتأسيس شركة تطوير العقير برأسمال يقدّر بـ17 مليار ريال سعودي في نموذج استثماري يجمع ما بين القطاع الخاص والقطاع العام، ليكون بمنزلة الرافعة لذلك الحلم الكبير، بتحويل هذا المنفذ البحري التاريخي إلى وجهة سياحية كبرى، تحوي من المرافق والخدمات ما يهبها الجدارة للتنافس مع المواقع السياحية والتراثية العالمية.

ما زال أمام العقير، القرية والميناء، الكثير من المشاريع الطموحة، لتصبح علامة فارقة على مستوى الوطن، من خلال المراكز الترفيهية والتعليمية والفنادق والمتنزهات والمجمعات التجارية الموعودة، التي ستجلب المزيد من فرص العمل فيها، وتدفع باتجاه عودة الحياة للمكان. لكن هذه المرة في صورة مدينة عصرية، تتنفس التاريخ، بمثل ما تتنفس الحاضر والمستقبل، مُستلهمة عزيمة الوطن الذي يترجم الأحلام إلى حقائق واقعية على الأرض.

ما زال أمام العقير، القرية والميناء، الكثير من المشاريع الطموحة، لتصبح علامة فارقة على مستوى الوطن.

مقالات ذات صلة

“من الخصائص المميزة للبشر أنهم يبحثون أولًا عن أسباب الأحداث التي يرونها، بعضهم يفعل ذلك بشدة، وبعضهم بشدة أقل، ولكنهم جميعهم يفعلون ذلك؛ كي يظهروا فضولهم بحثًا عن أسباب حظهم السعيد أو السيئ”.

رغم دخول مفهوم “مدرب الحياة” إلى المشهد العالمي في ثمانينيات القرن الماضي، ليصبح شكلًا معتمدًا من أشكال العلاج بالكلام، ومن ثَمَّ انتشاره في عالمنا العربي بشكل واسع منذ زمن ليس ببعيد؛ تبقى هذه المهنة غير واضحة المعالم وغير مفهومة بالنسبة إلى شريحة واسعة من الناس.

عند الحديث عن الروابط الاجتماعية في الأوساط العلمية، ينحصر التركيز على أهمية العائلة والأقارب والأصدقاء، باعتبارهم مصدر الرفاه والسعادة والاستقرار العاطفي، ولكن نادرًا ما يظهر اهتمام بشبكة المعارف الأوسع المكونة من الأشخاص الذين يقعون في مساحة ما بين المقربين والغرباء، والذين يكون التفاعل معهم أقل تواترًا وبدرجة أدنى من الترابط العاطفي.


رد واحد على “ميناء العقير”

  • ميناء العقير يستحق هذا الاهتمام والتطوير ولا يقتصر عليه بل يمتد إلى جزيرة الزخنونية (الزعنونية) ودوحة سلوى وبئر النعائم الواقعة غرب العقير ، المنطقة سياحية وذات طبيعة وشواطىء رائعة وكذلك منطقة غوص. http://www.gmc.com.sa


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *