مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
سبتمبر – أكتوبر | 2021

من اللوحة الزيتية إلى النحت على الحجر والرخام الأبيض
رجاء الشافعي: تشكيليّة ونحّاتة.. بمعايير صارمة


عبدالوهاب العريض

فنانة سعودية، بدأت مسيرتها الفنية في عام 1998م، حصلت على عدد من الجوائز، وشاركت في عديد من المعارض الجماعية على مدى عشرين عاماً، قبل أن تأخذ خطوتها الجريئة والمستحقة، لتستقل بمعرضها الشخصي. إنها الفنانة رجاء عبدالله الشافعي، من مدينة سيهات شرق المملكة العربية السعودية، بدأت باللوحة والألوان الزيتية، وأصبحت اليوم نحَّاتة تشارك في الملتقيات المحلية والدولية، وكانت آخر مشاركاتها في النسخة الثالثة من “سمبوزيوم طويق الدولي للنحت” إلى جانب 20 فناناً سعودياً وعالمياً.

بدأت الفنانة السعودية رجاء عبدالله الشافعي، مسيرتها التشكيلية، منذ عام 1998م، بالرسم على لوحات بسيطة مستخدمةً الألوان الزيتية، ومنطلقة نحو طموحها الكبير من مدينتها الصغيرة “سيهات”، شرق المملكة العربية السعودية، حيث شاركت في كثير من المعارض الفنية المحلية والدولية، واستطاعت بإصرارها وتميزها الفني حصد عديد من الجوائز.

وتحدثت الشافعي للقافلة عن بداياتها، مشيرة إلى أن موهبتها الفنية ظلت مهملة ومنسية في أعماقها لسنوات طويلة، على الرغم من أنها كانت فخورة بتميّزها الفنيّ وجمال رسوماتها إبّان دراستها الابتدائية، حيث كانت معروفة بين قريناتها بأنها “رسّامة المدرسة”، و”صاحبة الخط الأجمل.. التي لا غنى عنها”، وأضافت أنه “مع التقدُّم في سنوات الدراسة، اعترضت موهبتي الفنية طموحات أخرى بعيدة عن مجال الرسم، بالإضافة إلى شحّ المصادر والمعلومات التي تشجعني في ذلك الوقت على سلوك المسار الذي أبرع فيه، فلم أكترث كثيراً لصقل موهبتي وتنميتها، إضافة إلى دخول معترك الحياة والانشغال بالزواج وإنجاب الأطفال الذي لم يترك لي وقتاً للتفكير في موهبتي وتنمية مهاراتي”.

رحلة العودة إلى الشغف
وتضيف رجاء “مع مرور الوقت، كانت تخطر لي كثير من الأفكار التي لها علاقة بالرسم والأعمال الفنية، ولكني لم أكن أعرف خطوط البداية، ولم تتضح في مخيلتي خطة معينة بعد، فكانت رحلة بحث جميلة، تخللتها دورات في أعمال الفخار، وتنسيق الزهور، وعدة دورات تتعلق جميعها بالفنون اليدوية وأعمال الديكور، حتى وصلت إلى قناعة بأنها جميعاً لا تناسبني، ولم أشعر برغبة الاستمرار فيها”.

“الرسم وحده كان ضالّتي”.. هكذا عبّرت الفنانة رجاء عن شغفها الذي بحثت كثيراً قبل أن تعود إليه، لتختار الاتجاه إلى الفن التشكيلي وألوانه وعوالمه، تقول “كان الرسم فعلاً هو عالمي، وما زال حتى الآن، فكانت بداية عودتي إليه عبر بضع لوحات اشتغلتها بعيداً عن الأنظار على مدى سنوات ثلاث، قبل أن تبدأ مسيرتي مع المعارض الفنية في أول عرض لي عام 1998م”.

20 عاماً مشاركات جماعية
وحول الفترة الزمنية التي استغرقتها في المشاركة عبر المعارض الجماعية، قبل أن تدشِّن معرضها الشخصي الأول، تقول رجاء الشافعي إن “التأخير جاء نتيجة الحرص على بعض المعايير التي كنت متمسكة بأخذها بعين الاعتبار عند إقامة المعرض الشخصي، وهي ما أبقتني في مرحلة طويلة من التفكير والتخطيط، فبعد عشرين عاماً من المشاركات الداخلية والخارجية، ونيل بعض الجوائز هنا وهناك، كان لا بد وأن أقدِّم ما يليق بحجم الآراء والانطباعات المكوَّنة عن رجاء الشافعي طيلة هذه السنوات، إذ كنت في حالة قلق وإحساس بثقل المسؤولية، بالإضافة إلى تنقيح وفرز ما أنوي تقديمه بما يرضي المتلقي ويحترم ذائقته البصرية، إذ في اعتقادي أن التعجّل بإقامة معرض شخصي لمجرد وفرة عدد كافٍ من الأعمال وبعض الثناء عليها، هي عناصر غير كافية لنجاح أي معرض شخصي، بل ربما تضر بسمعة الفنان لمدة طويلة، فالفنان عليه أن يبني سمعة جيدة على الساحة التشكيلية، فنحن نتعامل مع جمهور واعٍ ومثقف، ولا ينسى العرض السيئ بسهولة، وهذا ما أؤكد عليه دائماً”.

وبسؤال الشافعي عن أبرز أعمالها الفنية، التي قدَّمتها قبل عام 2018م، أوضحت أنها لا تستطيع تحديد أعمال بعينها، ومشيرة إلى أنها مدركة لما يجب أن تكون عليه أعمالها، وأنها “الناقد الأول والأكثر قسوة” على نفسها وعلى أعمالها، وأنها “شديدة الانتباه إلى الملاحظات التي تُعطى لي سواء إيجابية أم سلبية”، وأضافت “أعتقد أن ما ينبئ بالوصول إلى درجة من النضج، هو استرسال الأفكار بهدوء وتوالدها، بمعنى أن يمتلك الفنان ثقافة فنية ومعرفية كافية ليكون بياض اللوحة ساحة لسردها، حيث يضع ألوانه بهدوء ودراية ويراعي كافة عناصر العمل بدقة وحرفية، يطبِّق جميع ما درس وما قرأ على اللوحة، يعبِّر عن مشاعره وأفكاره بحرية وصدق، ومع مرور الوقت قد يحدث هذا كله بغير وعي وإدراك من الفنان، وكأنما يمارس فعلاً عفوياً معتاداً”.

المرسم.. قصة بعمر 23 عاماً
تَعدُّ الفنانة رجاء الشافعي مرسمها بمثابة ملاذ لها ومصنعاً لتجسيد أفكارها، فهو بحسب تعبيرها “حكايات تُسرد مع لوحاتي، ومغامرات أخوضها على مساحاتها البيضاء، وعوالم أكتشفها بين خطوطها وألوانها”، وليس غريباً أن يبدأ أي تشكيلي مسيرته الفنية بمرسم صغير ومتواضع، غير أن ما يميّز تجربة الشافعي، أن معملها كان في ركن عام وسط المنزل، وكان بحسب تعبيرها “مَعبَراً لجميع الذاهبين والقادمين في المنزل، مكان صغير في زاوية متواضعة، يضم طاولة تحتوي ألواناً بأحجام صغيرة، حتى فرش الرسم كانت محدودة، ولم تكن ذات جودة”، لكن الإصرار والذائقة الفنية التي تتمتعان بها الشافعي، أحالت تلك الزاوية الصغيرة إلى منبع لأعمال فنية متميزة، استحقت لاحقاً أن تنال من خلالها عديداً من الجوائز والتكريمات.

تضيف رجاء الشافعي “أصبح معملي اليوم، بعد أن زادت واتسعت مساحته، يحكي بمحتوياته قصة 23 عاماً، فهو تاريخي الفني الخاص، وأرشيف أعمالي الذي تكدَّست فيه اللوحات من كل الأحجام، وتزينت جدرانه ببعضها، رفوف الكتب والأوراق التي اجتهدت في اقتنائها بغية الوصول إلى العمل المثالي، رفوف أخرى تتزاحم عليها محاولات التجارب ورسومات أقلام الرصاص الأولى، وكتيبات المعارض التي أصبحت ذكرى لأحداث جميلة عشناها، وضيوفاً التقيناهم، والتي حينما أتصفحها أشعر وكأني أسمع أصوات الزوار، وحكايات الفنانين، وأشم رائحة القهوة”.

عُزلة وهدوء.. ومعزوفات موسيقية
لا توجد طقوس معيَّنة للرسم لدى رجاء الشافعي، ولكن عادة ما تفضل العزلة والهدوء مع بداية أي عمل، تمزج عزلتها بالاستماع إلى معزوفات موسيقية تساعدها في الوصول إلى منطقة الاسترخاء والهدوء، لتبدأ مشروعها الجمالي بأقل قدر من التوتر والقلق، الذي عادة ما يخالج مشاعرها مع بداية كل لوحة ترسمها، وكأنه مولود جديد تترقب خروجه للحياة، لتتعرف على ملامحه، أو كشخص جديد تلتقيه لأول مرَّة.

وعن فكرة لوحاتها، وما إذا كانت تبدأ خارجها قبل الشروع في رسمها أو من خلالها، قالت “عادة ما أطرح الفكرة على اللوحة مباشرة، وقد تكون في لحظتها غير مكتملة، لكنها تظهر وتتبلور أكثر أثناء العمل عليها، كما أن الفكرة نفسها قد تتغير بشكل كلي خلال العمل، وهذا من الأشياء والمفاجآت التي تظهر بشكل جميل، فينحو العمل منحًى مختلفاً، وقد يحدث هذا أحياناً من غير وعي من الفنان، أو لنقل بتنازل منه، فيتماهى مع اللوحة لتأخذه إلى استكشاف عوالمها السرية”.

المعرض الشخصي الأول
قدَّمت الشافعي من خلال معرضها الشخصي الأول، ما يقرب من 33 لوحة فنية، وسمَّته “مقامات”، وأشارت في حديثها للقافلة إلى أن الاسم فرض نفسه تلقائياً مع التجربة والفكرة، وأضافت “لطالما انتابني ذات الإحساس عندما أقف أمام اللوحة الحروفية أو اللوحة التشكيلية، فكلتاهما معزوفتان وإن اختلفت أدواتهما، فهما تتشاركان ذات الإيقاع الموسيقي، فالخط بحركاته الانسيابية الرشيقة ما بين الصعود والنزول والالتفاف والسكون، واللون بتدرجاته السلسة تارة والصاخبة تارة أخرى بين مقاماته الباردة والدافئة، يشكلان معاً إيقاعاً موسيقياً بصرياً، ربما صامتاً، ولكن تطرب له العين والروح”.

وعما إذا كان معرضها الأول يعدّ بمثابة نقطة تحوُّل لمسيرتها، قالت “لا أعتبر معرضي الشخصي نقطة تحوُّل، وإنما نقطة انطلاق أخرى لتجربة جديدة، فهو محطة تختتم رحلة امتدت لسنوات، قررت سلفاً أن أنهيها، وأن أبدأ العمل على تجربة أخرى”، مؤكدة أنها ليست ممن يعشقون البقاء في المنطقة نفسها طويلاً.

“المركز العاشر” حافز على العودة
حصلت رجاء الشافعي خلال مسيرتها الفنية على عديد من الجوائز، أبزها جائزتان حصلت عليهما في معارض أقيمت تحت رعاية الرئاسة العامة لرعاية الشباب، حيث حازت جائزة المركز الأول في المعرض العام للمناطق عام 1425هـ، وجائزة المركز الثاني في معرض المسابقة السنوية للفنون التشكيلية للعام 1425هـ، كما حصلت على المركز الرابع في معرض نظمته جمعية الثقافة والفنون بالمدينة المنورة احتفاءً بزهرة المدائن (القدس)، إلا أن أقرب تلك الجوائز إلى قلبها، بحسب رأيها، تلك التي حصلت عليها في المعرض السادس للفنانات التشكيليات السعوديات عام 1436هـ، وهي جائزة المركز العاشر، مشيرة إلى أنها حصلت عليها بعد انقطاع دام بضع سنوات، حيث شاركت بأعمالها خلال المعرض الذي عُقد في العاصمة الرياض، إلى جانب 270 عملاً لفنانين من مختلف مناطق المملكة، وأضافت “كانت تلك مشاركتي الأولى في المعرض، لذا جاءت الجائزة محفِّزة ومشجِّعة للعودة إلى ممارستي الفنية”.

رحلتي مع النحت
شاركت رجاء الشافعي في معرض “سمبوزيوم طويق الدولي للنحت”، إلى جانب عشرين فناناً سعودياً وعالمياً، وعن بداياتها مع النحت قالت “بدأت رحلتي مع النحت في العام 2007م، وكانت أول منحوتة بعنوان (أمومة) وهي ترمز لي شخصياً، تم عرضها مع أعمال ثلاث فنانات أخريات، في المعرض الجماعي (قواسم)، الذي أقيم على صالة مركز الخدمة الاجتماعية بمحافظة القطيف السعودية عام 2009م، وكانت ردود الأفعال عليها من النقَّاد والزملاء الفنانين وزوار المعرض، جميلة وغير متوقعة، وكانت هناك تعليقات ما زالت راسخة في ذهني حتى الآن، وقد شكَّلت لي دافعاً وأعطتني كثيراً من الثقة”.

وأضافت “في العام 2011م قررت التوقف عن المشاركة بأعمال النحت، بعد أن لاحظت أن الأعمال تعود إليّ مكسورة أو متضررة، إذ كانت المادة المستخدمة آنذاك الحجر الصناعي، وهو حجر هش قابل للكسر، ولكنه كان المتوفر في ذلك الوقت، فارتأيت أن أتوقف إلى حين إيجاد مواد أكثر متانة وصلابة، إلى أن عدت قبل أربع سنوات بجهد مكثف للتعويض عما فات”.

وحول التعامل مع الأحجار الكبيرة والجهد العضلي الذي يحتاجه النحات، قالت رجاء “لم أفكر يوماً في صلابة الحجر وصعوبته ومدى ملاءمة هذا النوع من الفن لي كامرأة، إذ أعتقد أنه لا شيء صعب على المرأة ولا حدود لقدرتها، وما يصلح للرجل وما يصلح للمرأة هو من الأفكار المجتمعية النمطية التي بدأت تتبدد شيئاً فشيئاً نتيجة واقع متغير فرضته تجارب النساء الناجحة”.

شاعرية المكان في منحوتة “علاقات”
وعن تجربتها في ملتقى طويق، قالت الشافعي “قدَّمتُ عملاً بارتفاع مترين و80 سم، وعرض متر و25 سم، وعمق 70 سم، من الرخام الأبيض العماني، على قاعدة رخامية باللون الأسود، بارتفاع 30 سم، وعرض متر و40 سم، وعمق متر واحد، واخترت له عنوان (علاقات)، وهو عمل يلائم عنوان الملتقى لهذا العام، وهو شاعرية المكان، فقد جسدْتُ من خلاله علاقة الإنسان بالمكان، فما المكان إلا بقعة أو فضاءً جغرافياً جامداً، وتفاعلنا معه ونسج أحداثنا اليومية فيه ومن خلاله هو ما يضفي عليه الشاعرية واللطف، بعيداً عن كونه مكاناً راقياً أو متواضعاً، جميلاً أم غير ذلك، فهو يغدو شاعرياً وجميلاً لأصحابه وقاطنيه، فمهما ابتعدنا أو زرنا من أماكن عديدة، سواء أكنا عابرين أم مستقرين، فلمحة صغيرة هنا أو هناك، رائحة، صوت أطفال يلعبون، صرير باب دكان قديم، تأخذنا بعيداً لتلك الذكريات المختزلة والمخبأة في زوايا الذاكرة”، وأضافت “كان العمل الذي قدَّمتُه عبارة عن حلقتين متصلتين، إحداهما الدائرة، وهي الجزء السفلي من العمل، والتي شكَّلت المكان بثباته وديمومته وإن اختلف روَّاده وساكنوه، والحلقة العلوية المتموجة، التي ترتبط بالحلقة الدائرية ارتباطاً وثيقاً، فترمز إلى الإنسان ومشاعره الدفينة والدائمة، أو الطارئة أحياناً أخرى، لتلك الأماكن التي فارقها، وتشدّه إليها حنيناً وشوقاً”.


مقالات ذات صلة

تمثل مفاوضات الملك عبدالعزيز – يرحمه الله – مع شركات البترول التي سعت قبل قرن من الزمن إلى التنقيب عن الزيت في المملكة، واحدًا من أهم الفصول في تاريخ المنطقة الحديث، إن لم يكن أهمها على الإطلاق، لما كان لسير هذه المفاوضات من نتائج لاحقة على مسار التنمية في المملكة وحتى على مسار الاقتصاد العالمي. […]

إنه نوع خاص من الأدب.. ذلك الأدب الذي يشمل أنواع الكتابة والإنتاج الأدبي الموجَّه للأطفال، والذي يتميَّز بأنه ذو مواصفات تتطابق مع حاجات الأطفال النفسية، ويحاول التناسب مع مدركاتهم، ويرسم أدواراً لهم في الاتجاهات المرغوبة ضمن عملية التربية، ويسهم بشكل فاعل وإيجابي في التكوين النفسي والمعرفي والعقلي في مرحلة الطفولة. فالكاتب المعني بالكتابة في أدب […]

إن “أنسنة المدن” مفهوم حيوي مستجد، جاء ضمن التفكير الجدي في حل الأزمات التي أوجدها التطوّر المتسارع وغير المتحكَّم به للمدن، ونشوء أمراض كما التوسعات (السرطانية) التي تمادت في النأي عن فحوى مفهوم المدينة باعتبارها فضاءً للعيش، هدفه جعل المدن أكثر ملاءمة للإنسان بما يضفيه من حميمية وألفة وشعور بالألق والمشاعر الطيّبة، ويطبع في خاطره […]


0 تعليقات على “من اللوحة الزيتية إلى النحت على الحجر”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.