مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مارس - أبريل | 2020

ملاكُ الشُّرفَة


محمد أبو شرارة

لطفولتي ذاكرة الشمس، والظل، والمطر، والأزهار، والحقول، وتفتّح الصباح، واستيقاظ العصافير ذاكرتي محمَّلة بقهوة أمي وريحانها، محملة بالقرية وأهلها، ومزارعها، وثغاء أغنامها، وهديل حمامها، وحين ألامس ذكريات الطفولة، وأفتح جرار شذاها؛ أذهل، وتصيبني سكرة، لا أفيق منها إلا مضمخاً بالطيوب.
ما زلت أربّي الحمام، وأمزج له السكر مع الماء، وأتودَّد إليه، وأربِّي فيه ذلك الطفل الذي لا أريد أن يكبر، وأعيذه من إجحاف المعرفة، وقسوة الحقيقة، ولأن تحط حمامة على يدي، أحب إليّ من كل متع الأطفال ولعبهم.
لا تزال أمي توقظني كل صباح، رغم رحيلها المر، أسمع صوت المهراس وهي تعد لنا قهوة الصباح، وأشم رائحة خبزها، هي لم تمت إلا في الأوراق الرسمية، إنها معي الآن تملؤني عطراً، وتحمّلني أمانة الريحان الذابل، وأحواض البرك المنسية.
ليست حمامة هذه الواقفة على غصن الصباح، إنها فاجعة الهديل التي تنهمر:

أُمِّي 
وينهمرُ البُكا .. يا أمِّي
لا تترُكي قلبي لوحشِ الهمِّ

كنتِ الأمانَ لهُ 
فلِمْ ألقيتِهِ في اليمِّ 
والأهوالُ ملءُ اليمِّ

أمِّي 
وأعلمُ أنَّ روحَكِ لمْ تَزَلْ حولي 
ولكنْ لا سبيلَ لضمِّ

هذي حمامتُكِ التي أرسلتِها
رَفَّتْ على عينيَّ 
تحرُسُ حُلمِي

خضراءُ 
ليستْ كالحَمامِ 
جناحُهَا ريحانةٌ 
تُسقَى بماءِ الغيمِ

لا قهوةٌ 
في الفجرِ يعبِقُ هالُها 
فالدلةُ ( الرسلانُ ) 
بنتُ اليُتْمِ

..

أمِّي 
على حافاتِ هذا المنحنَى 
كانتْ مَواسمُ شملِنا الملتَمِّ

في حِجْرِكِ الميمونِ 
كان مَلاذُنا 
مِن وَحشةِ الأحلامِ 
عِندَ النومِ

لِلبُنِّ في ( المِهراسِ ) 
رَقصةُ عاشقٍ 
إيقاعُها المشبوبُ 
يَصنَعُ يومي

لا تُفْزِعِ الأغنامَ 
إنكَ طائشٌ 
ما هكذا تُرعَى صِغارُ البَهْمِ

خُذْها بحِلمِ الأنبياءِ لِكيْ تَرى 
كيفَ النفوسُ تَقُودُها بالحِلمِ 

لا أسبِقُ العصفورَ 
كفُّكِ بَيْدَرٌ 
وبكلِّ أُنْمُلَةٍ سحابةُ وَسْمِي

صُبِّي وصاياكِ 
الفَتَى مُتشوِّفٌ 
لحكايةِ البنتِ التي في الكَرْمِ

كنْ فارسًا أَحبِبْ 
وعِفَّ 
وكنْ لها سيفًا
وكنْ دِرْعًا لبنتِ العَمِّ

الحبُّ
ما ملأَ النفوسَ كرامةً
لا يلتقي شرفُ الغرامِ 
بلؤمِ

..

أمِّي .. 
وصاياكِ التي هَدْهْدتِهَا 
كبِرَتْ مَعِي 
والآنَ تَصْنعُ إسْمي

أنا صورةٌ مِن أمنياتِكِ لم أحِدْ 
حتى أُزَفَّ على مشارفِ نجمِ

مازالَ حُلمُ فتاكِ يَكْبَرُ 
والرُّؤى بنتُ النُّبوءةِ 
والنُّبوءةُ قِسمِي

محمد أبو شرارة
من مواليد قرية باشوت، جنوب المملكة العربية السعودية.

جوائز ومشاركات:
• ضيف شرف افتتاح مهرجان عمون الشعري الأول في الأردن، 2015م.
• ضيف شرف مهرجان الخرطوم للشعر العربي والإفريقي، 2017م.
• ضيف الافتتاح في مهرجان أبي تمام للشعر العربي في الموصل، العراق، 2018م.
• مثَّل المملكة العربية السعودية في برنامج أمير الشعراء الموسم الخامس، 2013م.
• له عديد من الأمسيات الشعرية داخل المملكة وخارجها.
• حاصل على جائزة جامعة الإمام محمد بن سعود للشعر، 1998م.
• حاصل على جائزة كليات المعلمين للشعر، 2000م.
• حاصل على جائزة جامعة أم القرى للشعر، 2001م.
• حاصل على جائزة عجمان للشعر “العمودي”، 2004م.
• حاصل على جائزة عجمان للشعر “الحديث”، 2005م.

إصداراته:
• ديوان شعر (اعتراف في حضرة الـ أنا)، صادر عن أكاديمية الشعر في أبوظبي.
• ديوان شعر (السماوي الذي يغني)، صدر عن مؤسسة الانتشار العربي بلبنان.


مقالات ذات صلة

كان “الشرق” بالنسبة لأوروبا حتى نهاية القرن الثامن عشر هو تلك الرقعة الجغرافية الممتدة جهة الشرق والجنوب ناحية البحر الأبيض المتوسط، أي بلاد العرب والأتراك بشكل رئيس. وتعود هذه الصورة بأصولها إلى الماضي ما قبل الإسلامي عندما نظرت الحضارتان الإغريقية والرومانية إلى بلاد الشام والأناضول ومصر على أنها بلاد الشرق (Oriens). ولكن هذه الصورة لم تكن واضحة تماماً في أذهان المعلقين الكلاسيكيين والبيزنطيين، حيث كانت لمفهوم الشرق معانٍ مختلفة، وكانت حدوده دائمة التغيُّر حول حوض البحر الأبيض المتوسط تبعاً لتغير حدود الإمبراطورية، وانضمام الشعوب الساميّة إلى الحركات الحضارية الفاعلة: الهلينستية، الرومانية، والبيزنطية.

السينما ليست أداة ترفيه فقط وإنما هي مسؤولة عن الحفاظ على ذاكرة شعب جنباً إلى جنب مع الكتاب.فعندما يستعرض كاتب تاريخ أرضه، فإنما يحاول الحفاظ على ذاكرة الأرض وبالتالي على ذاكرة الشعب. وأتت السينما لتوثق ذلك عن طريق الصورة والصوت، وتغرس في كل فلم جزءاً من ذاكرة المكان أو الزمان في سياق السرد العام.
لذا، تنبع أهمية السينما السعودية ليس فقط من مناقشة العادات والتقاليد وتعريف العالم بالمملكة وأهلها، وإنما أيضاً من المحافظة على ذاكرة الشعب السعودي من خلال أفلام اجتماعية أو سياسية أو تراثية أو حتى غنائية أو خيالية.

اللغة العربية لغة عالمية بعدد الناطقين بها، وعدد المحتاجين لها من غير العرب، يتعلَّمُونها لأسباب متعدِّدة كالسياسة، والأمن، والاستثمار في التجارة والاقتصاد، وهذا ما أعطاها مكانة مرموقة ضمن اللغات الرسمية للأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها، وتحتل حالياً مرتبة لا بأس بها على محركات البحث العالمية.


0 تعليقات على “ملاكُ الشُّرفَة”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *