مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
يناير – فبراير | 2020

مكتبة الحمار


تقع بلدة لاغلوريا الصغيرة في مقاطعة ماجدالينا في ريف كولومبيــا على بُعــد حوالـــي 600 كم شمال العاصمة بوغوتا، وهي بلدة فقيرة تعتمد على صناعتين رئيستين، هما صيد الأسماك وإنتاج زيت النخيل، وتضم حوالي 14,000 نسمة. وفي تلك البلدة شخص يدعى لويس سوريانو بوركيز، حدَّد لنفسه مهمة فريدة كان يستعين على تنفيذها بمجموعة من الكتب وبأحد حماريه المسميين ألفا وبيتو.
كرَّس بوركيز نفسه لحمل عدد من الكتب على ظهر أحد الحمارين ليجول بها في المناطق النائية المجاورة لقريته، حتى يتمكّن الأطفال في تلك المناطق من القراءة والتعلم، لا سيما وأن سنوات طويلة من النزاعات المسلحة هناك حالت دون حصول الأطفال على التعليم المناسب، إذ جعلت من ذهاب الأطفال إلى المدرسة أمراً صعباً ومحفوفاً بالمخاطر، وصرفت الآباء عن دعم تعليم أطفالهم. وفي بعض الأحيان، دفعت الظروف الأطفال إلى الانخراط في أعمال العنف والجريمة.

كان بوركيز عاشقاً للكتب، ويعرف كثيراً عن طبيعة التعليم في الريف الكولومبي البعيد. وهو الذي كان قد حصل على شهادة جامعية في الأدب الإسباني بمساعدة أستاذ كان يزور بلدته لاغلوريا مرتين في الشهر، ومن ثم عمل مدرّساً في إحدى المدارس الابتدائية. فكان يعرف صعوبة الحصول على الكتب ويعرف التأثير القوي الذي كانت تحدثه في طلابه.

بناءً على ذلك، قرَّر بوركيز تخصيص عطلة نهاية كل أسبوع للتجول بحماره المُحمّل بالكتب على الطرق الوعرة. وهكذا بدأ ما بات يعرف بمكتبة الحمار أو (Bilioburro)، كما سمَّاها هو بنفسه عندما خط هذا الاسم بالأحرف الزرقاء على الجراب الموضوع على حماره. وكان يستطيع أن يحمل في الجراب حوالي 120 كتاباً لكل رحلة في رحلات تصل إلى 11 كم ذهاباً وإياباً، وتستغرق أكثر من ثماني ساعات.
بدأت مكتبة بوركيز بـعدد متواضع من الكتب لم يتعدَّ السبعين كتاباً. لكنها تطوَّرت ببطء لتصل إلى ما يقرب من 4,800 كتاب. والجدير بالذكر هنا أن بوركيز لم يكن يستطيع الوصول إلى هذا العدد لولا نقطة تحول أساسية حصلت معه، عندما استمع ذات يوم إلى صحافي وكاتب كولومبي يدعى خوان جوسين وهو يقرأ مقتطفات من رواية له على الراديو. ولما أعجب بما سمعه كتب إلى السيد جوسين يطلب نسخة من الرواية لتضمينها في مكتبة الحمار الخاصة به، ولكن هذا الأخير لم يقم بمجرد إرسال نسخة من كتابه فحسب، بل قام بحملة دعائية على الراديو، وأخبر العالم عما كان يقوم به بوركيز مما حفَّز عدداً كبيراً من المؤلفين الآخرين للإسهام بدورهم بمجموعات متنوّعة من الكتب.
ولا شك في أن مكتبة الحمار هذه تحمل رسائل ملهمة حول التعليم ومستقبل كولومبيا، إذ كان بوركيز واثقاً من أنه يستطيع من خلال مكتبته المتواضعة أن يعلِّم الأطفال “حقوقهم وواجباتهم والتزاماتهم، وأن يبني الكولومبيين المثقفين والمنفتحين على العالم الذين يستطيعون أن يقولوا لا للحرب”.


مقالات ذات صلة

في عام 1995م، صنّف عالم الأنثروبولوجيـا الفرنسي مـــارك أوج المطـــار بأنــه “لا مكـان”. واللا أمكنة وفق مفهوم أوج، موجودة في كل مكان من العالم بوصفها هياكل موحَّدة منعدمة الهوية، تبقى هي نفسها بغض النظر عن مكان وجودها، لأنها مصممة لغرض محدَّد دون سواه. وهذا الغرض في نموذج المطار هو نقل الأشخاص بكفاءة من مكان إلى […]

لماذا يتوجب علينا أن نستيقظ كل صباح ونسحب أنفسنا من أسرَّتنا الوثيرة ونتوجَّه إلى أعمالنا البعيدة؟ قد يبدو هذا السؤال من البداهة بمكان بحيث لا يستحق أن نتطرَّق إليه بحثاً ونقاشاً. فطالما أن هناك أفواهاً يجب إطعامها، واحتياجات تتطلَّب أموالاً لتلبيتها، فمن الغريب أن نتساءل عن دوافع العمل لدى الإنسان. ولكن هل العمل هو مجرد […]

بحلول عام 2050م، تشير الإحصاءات إلى أنه من المتوقَّع أن يبلغ إجمالي سكان العالم الذين سيعيشون أكثر من 60 عاماً نحو ملياري نسمة، مقارنة بعدد 900 مليون في عام 2015م. وإن كانت الحياة الأطول تجلب معها الفرص الأكثر، ليس فقط لكبار السن وأسرهم، ولكن أيضاً للمجتمعات ككل، ولكنها تعتمد بشكل كبير على عامل واحد، وهو […]


0 تعليقات على “مكتبة الحمار”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *