مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مايو – يونيو | 2019

مقالتان للدكتور زكريا إبراهيم
حول العلم والفن


الدكتور زكريا إبراهيم (1924 – 1976)، مفكِّر عربي معروف حاز شهادة الدكتوراة من جامعة السوربون، وكانت أطروحته حول الفيلسوف الأمريكي “وليم أرنست هوكنج”، وعاد بعد ذلك إلى مصر، حيث عمل أستاذاً للفلسفة في جامعة القاهرة. لم يتجاوز من العمر 52 عاماً تقريباً. وعلى الرغم من هذا العمر القصير، إلا أنه كتب وألَّف أكثر من 35 كتاباً في موضوعات شتى.
توفي في نهاية السبعينيات الميلادية، من دون أن يحوز الشهرة، بل ومن دون معرفة واسعة به بين عموم المثقفين، ربما بسبب تكو ينه النفسي، أو لموته المبكر نسبياً.
كتب الدكتور زكريا إبراهيم منذ بدايات الستينيات حتى نهاية السبعينيات من القرن العشرين لمجلة “القافلة”. وكانت مقالاته عبارة عن أبحاث فلسفية تضيء على تفاصيل النفس البشرية وعلاقتها بما ينتجه البشر نتيجة تطوّرهم وتقدّمهم الفكري والعلمي، وتحديداً في الفن والعلوم.
وهنا نعرض لمقالتين من مقالاته، الأولى نشرت في عدد (جمادى الآخرة 1394هـ – يونيو/يوليو 1974) بعنوان “العلم لا يصنع الإنسان”، والثانية في عدد (جمادى الأولى 1395هـ – مايو/يونيو 1975) بعنوان “الفن ومستقبل الإنسان”.

أين سيصل العلم والإنسانفي رحلتهما؟
بعد وصفه مظاهر التطوُّر العلمي بحسب الأدوات العملية التي نستعملها يومياً من السيارة إلى الهاتف إلى المصعد وغيرها، يكمل الدكتور إبراهيم واصفاً أهمية العلم لرفاهية الإنسان كاتباً:
“ليس من قبيل الصدفة أن تزداد ثقة الإنسان المعاصر في العلم، فإن الفتوحات الكثيرة التي حققها العلماء ورجالات التقنية العلمية في مضمار الذرة والأسلحة النووية والأجهزة الإلكترونية وشتى الوسائل التكنولوجية الحديثة، قد عملت على ربط الجهد العلمي بضرب من الإيمان القوي بالنجاح حتى أصبح “العلم” شعار الإنسان المعاصر في سعيه المستمر نحو مزيد من التقدّم في ميادين الصحة والرفاهية والسعادة.
ولم تعد مهمة العلم قاصرة على توجيه حياة الإنسان في مضمار العمل والصناعة والتخطيط، بل اتسعت مهمته، فأصبحت تشمل وسائل التسلية وتزجية أوقات الفراغ وأجهزة الإعلام وشتى مرافق الحضارة البشرية. ومن هنا فقد أصبحت النزعات المضادة للعلم علَماً على الروح الجامدة المتشائمة التي لا تؤمن بالتقدُّم ولا تثق في قدرة العقل على فهم الكون ولا تتسم بأي سمة من سمات الصحة النفسية. وحينما قال بعضهم إن اليأس من العقل يأس من الإنسان فإن العقل عندهم لم يكن يعني سوى “العقلية العلمية” التي تسعى إلى إدراك الكون وتعمل على اكتشاف الطبيعة، ولا تألو جهداً في سبيل السيطرة على العالم الخارجي.
والحق أننا كثيراً ما ننسى أن الإنسان هو الذي صنع العلم وليس العلم هو من صنع الإنسان، فالعلم مثله كمثل الفلسفة أو الفن أو غيرهما من الأنشطة البشرية، مجرد لغة إنسانية اصطنعها البشر لفهم الواقع والتحكّم في التجربة”.
وفي مكان آخر من مقالته يطرح الدكتور زكريا السؤال التالي:
“هل يستطيع العلم أن يخلع معنى على الوجود البشري؟” ويجيب عن سؤاله كاتباً:
“بعد أن أصبح العلم هو محور ارتكاز الحضارة البشرية المعاصرة لم يعد في وسع أحد أن ينادي بالاستغناء عن التقنية، أو يدعو إلى الانتكاس نحو مرحلة من المراحل السابقة على العهد الصناعي، ولكن الإنسان المعاصر لا يزال يملك القدرة على حق تقرير مصير “الشخص البشري” في وجه شتى المحاولات التي يراد من ورائها الهبوط بالذات إلى مستوى الموضوع، ومعنى هذا أن الثورة على أسطورة “الأخلاق العلمية”، ليست سوى مجرد نقد أصيل لشتى القيم من أجل العمل على تنظيمها جميعاً بالنظر إلى الوجود الإنساني نفسه. وحين يقع في ظن بعض المتحمسين للوضعية العلمية أن العلم سيصنع الإنسان مستقبلاً، فلا بد من أن نذكّر أمثال هؤلاء الواهمين الحالمين بأن الإنسان هو الذي يصنع العلم وليس العكس”.
ثم ينهي الدكتور إبراهيم مقالته بعد استطراد بقدرة الإنسان على الإحاطة بالعلم واستغلاله لصالح عيشه ورفاهه وسعادته، فيكتب: “إن الإنسان المعاصر الذي أصبح يجد نفسه مهدداً بالتحوّل إلى مجرد وحدة إحصائية، لا يزال يفعل المستحيل من أجل استعادة طابعه الإنساني واكتشاف ملاءة البُعد البشري. وهو حين يرفض شتى الدعوات التي تناديه إلى الخضوع لسيطرة التكنولوجيا الحديثة إنما يؤكد مرَّة أخرى أنه هيهات للعلم أن يصنع الإنسان وأنه هيهات للتقنية أن تضفي معنى على الوجود البشري”.

الفن ومستقبل الإنسان
ويتناول الدكتور زكريا إبراهيم في مقالته الثانية موضوعاً قد يبدو بعيداً عن مضمون المادة الأولى، لكن هذا الاعتقاد ليس صحيحاً، إذ يوجد خيط واضح يربط بين المادتين بتخصص الدكتور إبراهيم واهتماماته الفلسفية، ألا وهو مستقبل الإنسان. فيبدأ مقالته تلك كاتباً:
“هل سيشهد المستقبل كما زعم هيجل موت الفن؟ أو هل صحيح أن المرحلة الجمالية لا تمثل سوى مرحلة جزئية، تاريخية، عابرة؟
أراد أفلاطون أن ينفي الشعراء من جمهوريته وأن يحرّم على النشء حفظ أشعار هوميروس مراعياً في ذلك منطق فلسفته العقلية التي كانت تحرم المحاكاة، والتي ترى في الفن مجرد محاكاة من الدرجة الثانية (أي محاكاة المحاكاة)، ونجد أن هيجل أيضاً يساير منطق مذهبه في “الروح المطلق” فيعلن موت الفن وينادي بانحلال الروح الجمالية في نهاية المطاف.
ليس في وسع أحد أن ينكر أن الأنظمة الاجتماعية الراهنة قد أسهمت في انتشار نوع خاص من الثقافة الفنية، ولكن من المؤكد أن إنسان القرن العشرين قد أصبح أقدر من أسلافه على اقتناء روائع الفن، ومشاهدة النماذج المطبوعة المصورة لأشهر الأعمال الفنية وشراء الطبعات الشعبية لأرفع ضروب الإنتاج الأدبي، إن لم نقل بأنه قد أصبح في استطاعته الوصول إلى كافة الفنون بمجرد إدارته لمفتاح الراديو أو التلفزيون أو بمجرد دخوله إلى محل من المحلات العامة.
والحق أن الشعبية التي أصبحت تتمتع بها الفنون في ظل الأنظمة الحضارية الراهنة، إنما هي الدليل القاطع على أن الفن لم يلق حتفه كما تنبأ هيجل، بل هو على العكس من ذلك تماماً، قد عرف إحياء لا نكاد نجد له نظيراً في كل تاريخ الحضارة البشرية. وربما كان السبب في ذلك أن الإنسان المعاصر لم يعد يرى في الفن مجرد صورة باهتة من صور الفكر أو المعرفة أو الفلسفة كما توهم هيجل، بل أصبح يرى فيه مظهراً للحاجة إلى تنمية المخيلة والحساسية وشتى القوى الإبداعية لدى الموجود البشري. والظاهر أن الإنسان المعاصر على استعداد اليوم لإفساح المجال أمام التربية الجمالية القائمة عل الاهتمام بالمخيلة.
وأخيراً، قد يكون في وسعنا أن نقول إذا قدِّر للتربية الجمالية أن تسود في مجتمع الإنسان المقبل فسيجد الإنسان في مبدعات الفن نداءً مستمراً يهيب به أن يقيم حواراً شيِّقاً بينه وبين أهل الإبداع من رجالات الحاضر والماضي، وعندئذ قد يجد في كبريات الأعمال الفنية ما يدفعه إلى تحدي الحاضر، والعمل على رفض الواقع من أجل الوصول إلى ما هو أسمى من كل ما استطاع بلوغه حتى الآن.
وماذا عسى أن يكون الفن في النهاية إن لم يكن هو تلك الصرخة التي تنادي بالإنسان أن يكون حراً، وأن يكتشف الإنسان الباطن فيه، أعني ذلك الموجود المبدع الكامن في أحشائه؟ فهل من عجب بعد ذلك في أن تكون الصلة وثيقة بين “الفن” و”مستقبل الإنسان”، ما دام الفن في صميمه هو هذه الدعوة الحارة إلى صقل الإنسان الجديد وإبداع “المخلوق المنتج؟”.


مقالات ذات صلة

ما من روائي قرَّر أن يكتب رواية إلا وفكّر كثيراً في صياغة العبارة الأولى لروايته وكيف يكون استهلاله لها. وغالباً ما يقوده هذا التفكير إلى عديد من الخيارات والطرق في كتابة تلك الجملة الأولى التي يعتقد أنها افتتاحية مُثلى، قادرة على جعل القارئ يتعاطى مع النص الروائي بوضوح وتناغم. إن الجملة الأولى في الروايات تُكتب […]

حتى وقت قريب، كان القاموس الصديق اللصيق للطالب والكاتب والمثقَّف، ومن المستلزمات التي لا غنى عنها في أية مكتبة شخصية مهما كانت صغيرة. أما اليوم، فثمَّة ظن عند البعض أن الترجمة الإلكترونية قضت أو ستقضي على القاموس الورقي التقليدي. والأمر غير صحيح. إذ إن للقاموس ميزات خاصة به وتختلف تماماً عن مواصفات أية مطبوعة قابلة […]

لأكثر من خمسة وأربعين عاماً، وعبدالرحمن السليمان يحفر في عالم الفن. فالتلميذ الصغير الذي كان شغوفاً بفن الرسم في المدرسة الابتدائية، لم يحد يوماً عن انشغاله بعالم الفن التشكيلي إنتاجاً وتنظيماً للمعارض وخدمة الناشئين من الفنانين الشباب. ونضج فنه الذي راح يحصد الجوائز المحلية والعربية، ولمع اسمه في لجان التحكيم، وباتت لوحاته تباع في المزادات […]


0 تعليقات على “مقالتان للدكتور زكريا إبراهيم”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *