مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
نوفمبر – ديسمبر | 2018

في موسم إثراء للإبداع
صناعة المشروعات التراثية وإيصالها إلى العالمية


رحاب أبو زيد وعبدالوهاب العريض

إحدى نشاطات “تنوين”

قدّم مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) مطلع شهر أكتوبر الماضي موسمه الإبداعي الأول بعنوان “تنوين”، في دعوة إلى تطوير النظرة إلى العملية الإبداعية، والترحيب بمفهوم “الزعزعة” الإيجابي لإعادة النظر في رؤيتنا إلى التراث الثقافي والعلوم والابتكار. وهنا عرض لمجريات ورشتي عمل حول تطوير النظرة إلى التـراث الثقافـي الذي يمكنه أن يكون مصدراً لأفكار جديدة تشكِّل بدورها أسس مشروعات ثقافية، تغني الحياة الاقتصادية والاجتماعية محلياً، وتكون مصدراً للتواصل الثقافي عالمياً، يتخلله عرض بانورامي حول مفهوم الموسم الإبداعي كما تجلّى من خلال مختلف نشاطات برنامج “تنوين”.

هناك فرق شاسع بين الفوضى والعبث. وإعادة الأشياء إلى مبتدئها بعد عاصفة من “الزعزعة” يمكن أن يكون أصل التقدُّم. فالعبث لا يقود إلَّا إلى عبث، في حين يمكن للفوضى أن تتحوَّل إلى إعمار وإعادة ترتيب. ولطالما كان مسعى البشرية التغيير منذ عَهِد الإنسان أن الحركة والانتقال من موضع إلى آخر سيوفِّر له الغذاء والحياة الرغيدة. وقد يتفاوت رغد العيش من كوخ يقي من مطر ودب مفترس إلى منزل يتكلم مع صاحبه وقابل للطّي. وفي هذا الوقت من القرن الحادي والعشرين، يوظَّف الإنسان “الذي يملك حساً جمالياً” التقنية بكل أساليبها وموجاتها في “صناعة” الجَمَال، والفن، والفكر، واللذَّة. ونميل إلى التخمين أنه إنسان يملك حساً جمالياً أكثر من القول إنه فنَّان، لأن ذلك يشرِّع الأبواب أمام تعدّدية المهام التي يقوم بها هذا الشخص، وأمام غرائبية الأفكار المحفِّزة للأعمال الفنية.
“تنوين”، الاسم الذي لفت الانتباه مجدداً إلى الجرس والنغم في المفردة المنوّنة والازدواجية الرنَّانة للطبيعة، أثار تساؤلات حول ما إذا كان الصدى قد يكون أقوى رجيعاً من الصوت، أم أن الظلال تفترش مساحات أعمق وقعاً من الجسم الثابت، وحول انعكاسات ذلك على فعاليات هذا الموسم وتأثيراتها على استدعاء عاجل لنوعية مختلفة من التلقي والتفاعل، وهو تماماً ما نحاول هنا سبر أغواره، وما كاد أن يفعله نقاش حول مفهوم “الزعزعة” في الفن وفي اللغة، وحتى في التعاطي مع الموروث التراثي وإعادة تفسير الأشكال الهندسية وفن صياغة الحروف، وكيف سخّرت التقنية نفسها لخدمة الفنون بأشكالها المألوفة وغير المألوفة، في تزاوج مدهش بين العلم والفن.

25 ورشة عمل خلال 17 يوماً
وضع برنامج “تنوين” الأول لهذا العام رؤية لتأسيس منصة لتبادل وجهات النظر، وتداول المعرفة، وأوجد فضاءات للإلهام والتفاعــل الإيجابي والملموس معه، وذلك من خلال “زعزعة” كل ما له علاقة بالعلوم الإنسانية والإبداعية، بهدف تسليط الضوء على المواهب الوطنية ودعمها. وقُدّمت في هذا الإطار نحو 25 ورشة عمل، أدارها 33 مدرِّباً عالمياً ومحلياً. وحضرت القافلة بعض هذه الورش التي تركَّزت حول ابتكار المشروعــات الثقافيـة وطرق إيصالها إلى العالم.

فكرة المدن غير المألوفة
يشجِّع تنوين الناس على فهم النتائج الإيجابية المحمودة “للزعزعــة” في حياتهم، ويحضُّهم على رؤية الأشياء من زوايا مختلفة ومن منظور آخر، وخوض مغامرات أو تجارب لم يمرُّوا بها من قبل. وبهذا يكتشفون أنفسهم أولاً، ثم الآخر، والأشياء من حولهم، وكيــف يؤدِّي التغيير إلى صناعة اختلاف مشرق.
وتركيبة المدن وأنظمتها من الأمور التي يشملها هذا التغيير. فقيل إن المدن التقليدية هي من بقايا الحقبة الصناعية. فاليوم تطلُّ المدن الذكية كمحصلة للتحالف بين الرقمي والمادي، هي التزاوج المنشود بين تحليل البيانات ونبل الأهداف! كيف ذلك؟ هذا ما بيّنه البروفيسور كارلو راتي، من معهد ماساتشوستس للتقنية، في محاضرة حول ثورة التقنية الجديدة وإنترنت الأشياء، من خلال مشروعات وتجارب لمختبر (Sensible City). وهو ما اعتمد على دراسة أنماط المدن الكبرى والسعي نحو تحسين مستوى العيش فيها.
يتمثل نبل الأهداف على سبيل المثال لا الحصر في تطويع خواص البيانات واستخراج المعلومات في ما يحقق انخفاضاً بارزاً في عدد الحوادث المرورية، بحيث تسير المركبات من دون الحاجة لإشارات مرورية. إذ ستلتقط الحسّاسات أماكن الازدحام والاختناقات، وسترى السيارة بنفسها مواضع الخطر.فالسيارة على حدِّ قول راتي “أًصبحت كمبيوتراً متحركاً على قدمين”.
وساعدت التقنية أيضاً في فحص وتشخيص أحوال الجسور العملاقة في المدن الكبرى، عن طريق دِقَّة قياس الحرارة والضغط وملاءمتها لظروف المناخ، مما يجنّب المسؤولين خيار الاستغناء عن الجسور القديمة أو تضرُّر السيارات. كما أسهمت في مراقبة الموانئ والقنوات المائية عن طريق اختراع قارب آلي يعمل على تنظيف الأنهار، إضافة إلى القدرة على تحليل النفايات الإلكترونية ومراقبة انتقال الأجهزة أو سرقتها من منطقة إلى أخرى عن طريق ملصقات ذكية توضح على خارطة العالم أماكن وجود الأشياء المراد مراقبتها.
ويزعم العلماء أن التقنية لن تسهم بشكل حيوي وصارم في تحسين البيئة فحسب، بل في تحسين السلوك الإنساني، ونحن نزعم بدورنا أن سؤالاً مهماً سيبزغ في أذهاننا بحذر: هل ستُبنى المدن الذكية على أنقـاض المدن العتيقة الأصيلة أم أنها ستتخذ مواقع جديدة على مشارف الضواحي؟

التراث والمشروعات الثقافية
في إطار البحث عن العوامل المساعدة على توسعة المساحة المتاحة للإبداع، تضمَّن برنامج “تنوين” عدداً من الورش التي هدفت إلى “زعزعة” الفكرة السائدة حول تطوير المشروعات ذات الطابع الثقافي، ومن بينها ورشة بعنوان “صناعة المشروعات بهوية تراثية”، وهي ورشة عملية تضمَّنت أهدافها إثارة الأسئلة حول ماهية التراث الثقافي، وتحويل أجوبة المشاركين كدليل لتصميم مشروعات ثقافية مستمدّة من التراث وتنفيذها على أرض الواقع، قدَّمها المصمم سامر يماني. وتكاملت هذه الورشة مع ورشة أخرى بعنوان “إيصال الثقافة المحلية إلى العالمية”، قدّمتها المدرّبة المكسيكية إليا هارو.
حضر الورشة ما يزيد على 14 مشاركاً، أغلبهم من السيدات الراغبات في تطوير مشروعات صغيرة، وتدرَّبوا على مفاهيم التراث ومفهومه من خلال تمارين تقوم على عرض مفاهيمهم للتراث، وكيفية تأسيس مشروع ثقافي، ووجوب تلمّس ما ينقص المدينة المحلية من مشروعات.

الاتفاق على تعريف للتراث
وثلاثة تمارين تفاعلية
عرّف المصمِّم سامر يماني، التراث على أنه “الإرث الذي تركه الأجداد لنا، بما فيه من أفكار وطرق حياتية كانت مبتكرة ومستخدمة في وقت من الأوقات، ويمكنها أن تدّلنا على أساليب معالجة بعض المعضلات المعاصرة. كما أنها تعطينا أفكاراً نمارس من خلالها الحنين إلى الماضي، والاحتفال بإنجازات من سبقونا وخاضوا تجارب جديدة وغنية بالمعرفة والتعامل الإنساني”.
ومن ثم طلب المدرِّب من المشاركين أن يعرِّفوا التراث بكلمة واحدة وكيف يفهمونه. فكانت إجابات المشاركين مختلفة عن بعضها بعضاً، لكنها عبّرت عن القيم التي يرونها في التراث أكثر مما كانت تعريفاً به. إذ تحدّثت إحدى المشاركات عن ماهية الشغف بالتراث بقولها: “إنه ما يجعلنا ننظر إلى التراث بطريقة تجعله متناغماً مع عصرنا الحالي”، بينما عرَّفت أخرى التـراث الثقافي على أنه الهوية التي “تمنحنا الشعور بالانتماء والخصوصية، وتميّزنا عن غيرنا”.

المشاركون ورؤيتهم في الورشة

مزون أشقر – مهندسة معمارية وأستاذة جامعية

تعلَّمت من خلال هذه الورشة طريقة تفكير جديدة ستساعدني في مشاريعي المقبلة، وكيف أستطيع تعليم طلابي التفكير في مشروع ما والخطوات التي يحتاجونها لبنائه. كما منحتني أيضاً رؤية “الإيجاز في الوقت”. فقد استطعنا خلال 6 ساعات استغرقتها الورشة بناء أفكار وتشكيل رؤية واضحة للعمل. إذ إن الصعوبات التي واجهتنا كانت خطوة البداية، وكيفية بلورتها. ومما اكتسبناه أيضاً، هو كيف نمسك الخيوط من بدايتها في المشروعات، وكيف نقوم بالاستثمار في المشروعات ذات الطابع التراثي الخاص بحضارة المنطقة وتاريخها.

فرح المزين – مصمِّمة جرافك

حضرت هذه الورشة لرغبتي في إدخال مفهوم “الزعزعة” على الرؤية القديمة للمشروعات، والبحث عن مزيج ما بين التراث والبُعد الثقافي لمشاريعي المقبلة. كانت توقعاتي قبل الورشة أنها ستكون مثل كثير من الورش التي حضرتها، ذات فائدة بسيطة. لقد أصبحت لدى كل من حضر رؤية واضحة حول أساسيات الانطلاق في مشروع من خلال دراسة الجدوى وبناء الاستراتيجية والمحتوى في المشروع.

سارة موسى – سيدة أعمال

توقّعت أن تكون هذه الورشة مجــرد أحاديث نظرية عن كيفية استلهام بناء المشروعــات، وما لم أتوقَّعه هو خروجي بفكرة قابلة للتنفيذ ومزيد من الدراسة.وتضيف سارة أن هذه الورشة منحتها طاقة إيجابية للعمل، كما غيَّرت طريقة ترتيب أولويات المشروع الذي تعمل عليه، وأنها ستطبِّق مع فريق العمل ما اكتسبته في هذه الورشة.

مكنوز: تصوُّر مشترك
لمشروع ثقافي مبتكر

تهدف ورشة ابتكار مشروعات جديدة من التراث الثقافي إلى إثارة الأسئلة وتحويل الإجابات إلى أفكار يمكن تنفيذها على أرض الواقع.

خلصت الورشة في يومها الثاني إلى طرح المشروع الثقافي الذي يمكن تطويره. فقد توزّع المشاركون على ثلاث فرق لصناعة المحتوى والرؤية والاستراتيجية والتصميم المعماري الخاص بالمشروع. فكان تفاعلهم واضحاً من خلال الرسومات البيانية التي قدَّموها للمستثمرين المفترضين الذين سيقومون بتمويل المشروع، وشرح أسباب اختيار المكان، وهو حديقة مركز إثراء، وشرح النشاطات التراثية المتنوِّعة التي ستشكِّل الحدث للعام المقبل.
ومن خلال الأطروحات التي عُرضت، استطاعت الفرق تقديم رؤية واضحة لفكرة الاستثمار الثقافي المعتمد على هوية المدن المحلية وتراثها الثقافي.

فريق المهندسين: قدَّم تخطيط المكان حسب النشاطات المختلفة ودراسة مسار الزوَّار من المواقف حتى المخارج مروراً بمختلف النشاطات. وتضمَّن المشروع زوايا خاصة بالداعمين وروَّاد الأعمال، وأمكنة مخصصة للورد الطائفي وحرف الأطفال وشاحنات الأكل المعروفة باسم “فود تراكس”، وكذلك ورش عمل الرقص الشعبي ومسرحاً وعروضاً موسيقية، بحيث يتمتع الزائر بتجربة فريدة وغنيَّة من حيث البصريات والسمعيات. فأينما كان في مساره فإنه إما يسمع عزفاً ما أو يرى عرضاً ما في الأنحاء.

فريق المحتوى: قدَّم هذا الفريق عرضاً مفصَّلاً لكثير من النشاطات في المهرجان الثقافي، تشمل الترفيه ونشاطات الأطفال والحِرَف واستخراج اللؤلؤ والغطاء النباتي والثروة الحيوانية في المملكة، ويوماً مخصصاً لروَّاد الأعمال، وورشة للعرضة، وورش لتصميم المجوهرات والأزياء التراثية، ومنتجات عائلية، وزاوية الأكل لاستضافة أحد الطهاة العالميين لابتكار مأكولات من المواد المحلية حصراً.

فريق الاستراتيجية: اختار اسم “مكنوز” لهذا المشروع الثقافي التراثي، وهو عبارة عن دمج لكنوز المملكة وعادات شعبها في مكان واحد لابتكار بيئة وتجربة فريدة. ومكنوز حدث سنوي يستمر لأسبوعين بين شهري مارس وأبريل، حين يكون الطقس ملائماً للنشاطات الخارجية. وقد أخذ المنظمون بعين الاعتبار اشتراك ماركات عالمية ومحلية في المشروع. ويكون تسويقه عبر عمل مبتكر كتركيب ضخم على الكورنيش البحري ذي سمات تفاعلية تسهل جذب الزائرين المحتملين.

فكرة التوجيه غير المألوف
شارك عدد من الفنَّانين والمصمِّمين السعوديين والعالميين بغية دمج التراثي بالمعاصر، توحُّد التقليدي بالمتمرد، والمادي بالحسّي والمنطق بالحواس، ثم التكفل بخلق ذاك التآلف بينهم لاحقاً. فقد أُطلق اسم “المنطق والحواس” على القاعة الكبرى التي عرضت فيها مجموعة من الأعمال الفنية بأساليب مغايرة وغير مألوفة، من بينها زهرة لوتس تزهر وتتفتح بفعل الحرارة المنبعثة من الأيدي القريبة، وتركيب صوتي يستفز أعصاب السمع ويجعل الزائر يتابع استجابة بقية الحواس للانهيار السمعي، على اعتبار أن ردّات فعلنا غير متوقعة إذا ما تعرَّضت إحدى الحواس لمستثيرات خارجية قوية.

 

أُطلق اسم “المنطق
والحواس” على القاعة الكبرى
أثناء موسم “تنوين”، التي عرضت فيها مجموعة من الأعمال الفنية بأساليب مغايرة وغير مألوفة.

الثقافة المحلية وطريق العالمية
وفي إطار يتكامل مع محتوى ورشة “صناعة المشروعات بهوية ثقافية”، أدارت المصمِّمة المكسيكية والمدربـة إليا هارو، ورشة “إيصـال الثقافة المحلية إلى العالمية”، التي تناولت التوجهات والمفاهيم والتقنيات والأدوات اللازمة لتصميم مشروعات إيصال التـراث الثقافـي وتطويرها وإدارتها.
تحدَّثت هارو في جلستها الأولى عن تعريف التراث الثقافي وفق الرؤية المعتمدة عالمياً من خلال منظمة اليونيسكو، التي تعرِّف التراث بأنه “ميراث المقتنيات المادية وغير المادية التي تخص مجموعة ما أو مجتمعاً لديه موروثات من الأجيال السابقة، وظلَّت باقية حتى الوقت الحاضر، ووهبت للأجيال المقبلة”.
إذ إن التراث المادي يشمل المباني والأماكن التاريخية والآثار والتحف التي تُعدُّ جديرة بالحماية والحفاظ عليها بشكل أمثل لأجيال المستقبل، فتحفظ من خلالها خصائص علمية وتكنولوجية لثقافة معيَّنة، تمثِّل ركيزة أساسية لأفكار ودلالات تسرد قصتها من خلال حفظها. كما أنها تمثل أيضاً دليلاً على الطريق الصحيح لتواصل الحاضر مع الماضي. وهنا تتبدّى لنا إشكالية يجب معالجتها بعناية فائقة ودقة بين ضرورة الحفظ من الضياع واستخدام الموروث لمشروعات ثقافية؛ حيث إن التراث الثقافي يحيا بمدى انتباه الأجيال المتعاقبة له، واستخدامه في مشروعات ثقافية هو بمثابة إنتاج تراث جديد.
من هنا تكمن أهمية شغف الأفراد بالتراث، ومعناه بالنسبة لهم. فالتراث المحفوظ جيداً، يمكنه أن يكون ملهماً لإنتاج مشروعات جديدة تهم العالم بأسره.
انطلقت المدرّبة إليا هارو بعد تلك المقدِّمة إلى عرض مشروعات ثقافية تم تصويرها لتلقي الضوء على كيفية قيام مختلف الشعوب بإنقاذ تراثهم وتقديمه من خلال مشروعات سينمائية ومعارض فنية وغيرها وهي تظهر بوضوح شغف أناس معينين بموروثهم وفخرهم بهويتهم الثقافية التي تميّزهم عن غيرهم.
وفي هذا الإطار، عرضت المدرّبة تجربة مع “مهرجان الموت” الذي يقام في المكسيك. وأوضحت أن هذا المهرجان الذي بدأ بسيطاً تحوَّل إلى كرنفال عالمي. فقد أنشئت مدينة خاصة بالمهرجان، وتم تطويرها وإدارتها لإقامة هذا الحفل بشكل سنوي ومنظَّم ليستقطب زواراً من كافة دول العالم لمشاهدة تلك الاحتفالية التي يعود عمرها إلى أربعة قـرون خلت. إذ كانت شعوب حضارة المايــا تحتفـل بذكـرى خاصة بالأموات، عبر إشراك جميع فئات المجتمع والأسر في حفل مركزي ونشاطات متنوِّعة تضفي طابعاً احتفالياً على تقليد كان يتسم بالحزن. لكن هذا الاحتفال تحــوَّل في صيغته الحديثة إلى مهرجان عالمي.

الأفكار غير المألوفة و“الزعزعة” آتية لا محالة.. التكنولوجيا تحدث تغييرات هائلة من حولنا في العمل والتواصل والطب ونظرتنا للتراث وغيرها وتفرض مفاهيم مختلفة لكثير من نواحي الحياة. فهل نخاف، نتفهم، أم ننغمس في الجديد؟

التخطيط الاستراتيجي

التصوُّر المشترك لمشروع مكنوز

وحثَّت المدرِّبة المشاركين في الورشة الذين تجاوز عددهم العشرة، على أن يعوا أهمية الطابع المحلي للفعاليات الثقافية والمهرجانات التي يسعون في إيصالها إلى العالمية، إذا شاءوا استقطاب اهتمام الشعوب التي سبق لها أن اهتمت بتطوير تراثها والدمج ما بين ماضيها وحاضرها. وأكدت أن نجاح هذه الفعاليات والمهرجانات لا يأتي إلاَّ من خلال التخطيط ورسم الاستراتيجيات لإيصال الثقافة المحلية للعالمية، مع الأخذ بعين الاعتبار عملية البحث عن التوجهات المستجدة والجمهور المستهدف ثم المفاهيم وكذلك صياغة الرسالة التي يجب إيصالها إليهم من حيث المحتوى والشكل، خاصة أن جماليات وجاذبية التصميم مهمة جداً في هذا السياق الثقافي ويجب أن تتضمَّن الخطة الاستراتيجية أفضل الوسائل المتاحة لإيصال الرسائل تلك. كما يجب على الخطة الاستراتيجية أن تتضمَّن تطوير المشروع وإدارته وتأمين استمراريته بعد وضع أهداف قابلة للقياس يجب تحقيقها، كأعداد الجمهور المستقطب ومدى تفاعلهم وغيرها.

فكرة الذوق غير المألوف
إن تفرّد كل إنسان بمعياره الشخصي للذوق الحسن يضفي زخماً على تنوُّع الآراء والإيعاز للآخرين بتجربة ما نراه مثيراً للشغف وللذَّة الحواس. الأمر الذي وضع العالم في مأزق ماتع أمام سؤال ضخم: ما هو المعيار؟ كيف نحدِّد الإطار العام للذائقة وهل يجب أصلاً القيام بذلك؟ ألن يصيب ذلك الإبداع في مقتل؟
تستخدِم كلُّ ثقافة الطعامَ كعلامة من علامات القبول أو الاحتفال. ولبعض الأطعمة هالةٌ أسطورية. وتتقاطع الكاتبة والشاعرة الأمريكية دايان أكرمان في كتابها “التذوق والتاريخ الطبيعي للحواس” مع أحد موضوعات “تنوين” وإحدى ممارسات أسبوع الموضة والتقنية، وهو الأسبوع الذي يتناول صعود صرعة أو موجة توجِّه الشعوب وتسيطر على ما يلبسون وما يأكلون. وطُرحت الفكرة على طاولة مطبخ الشيف المعروف توماس غولغر، ليقدِّم عروضه الحية في بلازا إثراء لإعداد الطعام، وإقامة جلسات تذوُّق تتيح للزوَّار شعوراً لا يُنسى. إذ إنها طوّرت لديهم وعياً حسياً ومنطقياً بالحدود الشاسعة لجماليات الطعام على سبيل المثال، وهو ما سعى توماس غولغر -مؤسس مشارك في رابطة الطبّاخين السعوديين (SARCA) ورئيس مجلسها ومدرّبها المحلي- إلى تعزيزه في جلسات الطبخ والتذوُّق التي قدَّمها في إثراء ضمن الموسـم الإبداعي تنوين.

من استراتيجية الرؤية
إلى أهمية التواصل وأدواته
شدّدت المتحدّثة هارو على ضرورة ردم الهوة في المعلومات بين ما نعرفه الآن وما يجب أن نعرفه كي ننتج محتوى جديداً. وقالت إن هذا يتم “من خلال محاورة الماضي، فعلينا أن نحاول معرفة خصائص تراثنا وما يميِّزه وما يمكن أن يشكِّله من معانٍ في بيئة أخرى غير بيئته الأصلية”.

جانب من ورشة “إيصال الثقافة المحلية إلى العالمية”

وكان محور نقاشها مع المشاركين، التساؤل عن كيفية إيصال رسالة محدَّدة إلى الجمهور المستهدف. فالوسيلة الأفضل للتعامل مع الجيل الجديد مثلاً هي استخدام وسائل التواصل الاجتماعي الأقرب إلى الجماهير مثل إنستاغرام أو تويتر أو فيسبوك.
وفي المفاهيم ركّزت المدرِّبة على ضرورة الحيادية وفهم الآخر لتطوير المشروعات الثقافية، وهنا تجدر الإشارة إلى أن أولويات التواصل تختلف حسب المادة التي نريد إيصالها ولمن. فإذا كان موضوع التراث الثقافي الذي نريد إيصاله هو عن التاريخ وإذا كان الجمهور المستهدف هم الأطفال، فهل تكون وسيلة إيصال الرسالة هو كتاب من ألف صفحة أم الأجدر أن ننتج فلماً كرتونياً من 30 دقيقة؟
وقدَّم عدد من المشاركين نماذج من مشروعات إما أنها وصلت إلى العالمية أو أنها تستحق الوصول إليها، وتراوحت بين شغف فنَّان مغربي بالخط العربي، وهو توجه رائج عالمياً، أدَّى إلى أن جعله فعالية سنوية في العاصمة الفرنسية. وكذلك تم عرض مشروع لعلاء وردي في مقطع من شريط مصوّر عن الموسيقى العربية وتطوّرها عبر الأزمنة.
ومن الأفكار التي جرى تداولها نقل خصائص تصميمية عربية في فن صناعة المجوهرات والأزياء إلى العالمية، مثل أعمال شمس العبّار وتليدة تامر وغيرهما.. وأفكار أخرى تشير إلى مسايرة توجُّهات عالمية كمطعم تراثي يحتوي على متحف تراثي وأكلات شعبية وأزياء وحرفيات. حيث إن هناك توجهات عالمية تسمى “التجربة الثقافية” يجري تطوير مفاهيمها، لتكون إضافة إلى أنماط السياحة البديلة التي تنتشر في العالم من وقت لآخر.
خلصت الورشة إلى أهمية المثابرة والاستمرارية. إذ إن نجاح أي مشروع ثقافي تراثي يكمن في استمراريته، إضافة إلى ما سبق ذكره من صياغة استراتيجية واضحة وإدارة فعَّالة.

 


مقالات ذات صلة

استيعاب القديم يجب أن يكون نقدياً فدوات علوية – ناقدة مسرحية لا شكّ في أننّا أضحينا في عصر العلوم والفنون التي لا يستطيع أحدنا التخلف عنها. وبما أنّ هذه التّطوّرات تأتي عادةً وليدة الجيل الجديد، فإنّ الأجيال السّابقة مجبرة على تبنيها بغية تسهيل أمورها الحياتيّة، مثل الإنترنت وغيرها ممّا أصبح في متناول الجميع. ولكي يتمكّن […]

كتب عربية البدايات الصحفية في المملكة العربية السعودية المنطقة الوسطى تأليف: محمد عبدالرزاق القشعمي الناشر: مركز حمد الجاسر الثقافي، 2018م يغطي هذا الكتاب البدايات الصحافية في المنطقة الوسطى من المملكة العربية السعودية، منذ صدور أول مجلة، وهي مجلة “اليمامة” التي أصدرها الشيخ حمد الجاسر في عام 1372هـ، ومن ثم مجلة وزارة الزراعة، ومجلة كلية الملك […]

“العلامة التي تدل على التقدّم الحقيقي في كل عمل إبداعي هي اللذة التي نحصل عليها أثناءه، ومن ثم نرى أن العمل وحده هو الشيء الممتع، وهو وحده يكفي”. يشير أرسطو في عبارته هذه إلى مفهوم تناوله الفلاسفة عبر قرون متتالية، لكونه شغل الفرد منذ الأزل، ألا وهو معنى “السعادة” التي تتأتى من خلال “اللذة”، و”المتعة”. […]


0 تعليقات على “في موسم إثراء للإبداع”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *