مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
سبتمبر - أكتوبر | 2018

“أهم أعماله بالفعل”
حديقة مونيه في جيفرني


عبود عطية

حديقة جيفرني من أهم مصادر إلهام مونيه

عندما يدور الحديث عن الانطباعية والانطباعيين تقفز إلى الذهن مجموعة أسماء لأساتذة كبار شبه متساوين على صعيد المكانة التاريخية. ولكن عندما يكون الحديث حول الأماكن التي أثَّرت في الانطباعية وتاريخها، فما من اسم ينافس قرية “جيفرني” الفرنسية الصغيرة التي دخلت تاريخ الفن يوم أصبحت مقصداً ثقافياً قبل قرن ونصف قرن من الزمن، ولاحقاً مقصداً سياحياً عالمياً، بفعل بيت واحد وحديقته: بيت الرسام كلود مونيه وحديقته.

الأمر غير مألوف في تاريخ المعارض الفنية. ومع ذلك، فإن حديقة، وتحديداً “حديقة مونيه في جيفرني” شكَّلت محوراً واحداً من أضخم المعارض في العاصمة الفرنسية قبل سنوات قليلة، استضافه متحف “مارموتان” في باريس على مدى ستة أشهر. الأمر الذي يعني أننا أمام حديقة استثنائية لعبت دوراً استثنائياً في تاريخ الفن.
الدور الذي لعبه كلود مونيه في تاريخ الانطباعية معروف لدى الجميع. ويكفي للدلالة على أهميته التذكير بأنه صاحب لوحة ” انطباع، شمس مشرقة” التي رسمها في العام 1872م، وعرضها عام 1874م، فاستقى من اسمها الناقد لوي لوروي تعبير “الانطباعية” الذي صار اسماً للمدرسة التي غيَّرت مسار تاريخ الفن. ولكن ماذا عن حديقة مونيه التي صارت مقصداً سياحياً يستقبل سنوياً نحو نصف مليون زائر خلال الأشهر السبعة التي تُفتح فيها أمام الزوار؟ وأين تكمن أهميتها التي يتوقع أن تجذب أكثر من ثلاثة ملايين زائر إلى المعرض الخاص بها؟

الاستقرار في جيفرني
أعجب كلود مونيه ببلدة جيفرني أولاً، عندما شاهدها من نافذة القطار، فقرَّر الانتقال للسكن فيها، وكان ذلك عام 1883م، فاستأجر بيتاً هناك، تُحيط به حديقة تبلغ مساحتها نحو 8100 متر مربع. وبدأ فوراً بترتيب الحديقة وفق مزاجه الشخصي.
قطع أشجار الصنوبر التي كانت تحفّ بالممر الرئيس الموصل إلى البيت، ولم يترك منها غير اثنتين نزولاً عند رغبة زوجته، ونصب مكانها أقواساً معدنية لتحمل الورد المتسلِّق. ولأنه لا يحب الحدائق المهندسة بشدة، ولا تلك الفوضوية تماماً، اكتفى بزراعة الأزهار في «مفارش» عديدة وفق تناسقها اللوني. وتركها لتنمو بحرية من دون تشذيب. وبمرور الوقت، راح يزداد ولعاً بعلم النبات والنباتات النادرة. فصار يدفع مبالغ طائلة ثمناً لبعض الأنواع، ما دفعه إلى القول لاحقاً: «إن كل أموالي ذهبت على حديقتي. ولكنني أعيش نشوة فيها».
في النصف الثاني من ذلك العقد، كان الرسام قد بدأ يتمتع بشهرة كبيرة. وبسبب وجوده في جيفرني، تحوَّلت البلدة إلى مقصد لكل أصدقائه من الانطباعيين الفرنسيين مثل رينوار وسيسلي وديغاس وصولاً إلى كثير من الرسامين الأمريكيين الذين قصدوا جيفرني وأقاموا فيها لبعض الوقت لجمالها الطبيعي، ولوجود الأستاذ فيها. ومن هؤلاء نذكر ويلارد ميتكالف، ولويس ريتر، وتيودور ويندل، وليسلي بريك، وغيرهم… وكلهم تقريباً رسموا بشكل أو بآخر بيت مونيه وحديقته، وأكثر من مرة في بعض الأحيان. فتحولت هذه البلدة الفرنسية الوادعـة التي لم يكن عـدد سكانها يزيد على 280 نسمة، إلى ما يشبه القطب العالمي للانطباعية.

الحديقة تصبح حديقتين
في العام 1890م، كان مونيه قد صار يملك ما يكفي من المال لشراء البيت والحديقة، بفعل الترويج الكبير لأعماله الذي قام به التاجر الفرنسي بول دوران روييل ففعل. وبعد ذلك اشترى قطعة أرض مقابلة تقع على الجهة الأخرى من الطريق، ليحوِّلها إلى «حديقة يابانية». فالرسام الذي لم يسافر كثيراً خارج فرنسا، ولم يزر اليابان على الإطلاق، كان شغوفاً بالفن الياباني، ويمتلك مجموعة مهمة من الرسوم اليابانية يزيّن بها جدران بيته هذا.
يخترق قطعة الأرض هذه جدول صغير يُعرف باسم «رو»، فاستفاد منه الرسام لينشئ بحيرة اصطناعية ضمن أرضه. وعلى الرغم من اعتراضات المزارعين من جيرانه، وافقت البلدية على ذلك. فزرع زنابق مائية في هذا المستنقع، وأنشأ جسراً ياباني الطراز فوق الجدول وأحاطه من الجهتين بشجر الصفصاف. وعندما اكتملت هذه الحديقة قال عنها: «إنها أهم أعمالي الفنية على الإطلاق».
عاش مونيه في هذا البيت وهذه الحديقة بقسميها نحو 43 سنة. ومن يطَّلع على مجمل إنتاج هذا الفنان، ستدهشه كمية الرسوم واللوحات التي أنجزها في هذه الحديقة. وكثير منها تم إنجازه مباشرة أمام هذه الزنابق المائية أو أمام هذا الجسر الصغير والشهير. إذ إن اختراع أنابيب الألوان الزيتية في تلك الفترة، مكَّن الفنانين من العمل في الهواء الطلق، بعد أن كانت مساحيق الألوان التي يجب خلطها بالزيت تعيق ذلك.

في تفسير مكانة هذه الحديقة
قامت فلسفة مونيه الفنية على دراسة تغير مظاهر الطبيعة بأشيائها المختلفة بتغير الضوء الساقط عليها. ولهذا وجد في حديقته، وبشكل خاص في الزنابق والطحالب التي تطفو على سطح المستنقع مادة فريدة من نوعها في هذا المجال، بسبب غناها اللوني وشفافية الماء الذي يعرض صورة معكوسة للطبيعة المحيطة به، إضافة إلى قربها من الرسام في كل أوقات النهار. ولهذا راح يرسم هذه الزنابق والطحالب بلا كلل ولا ملل، وفي كل مرة، كانت النتيجة لوحة جديدة مختلفة عن كل سابقاتها. فتحوَّلت هذه اللوحات إلى أشهر أعماله على الإطلاق، وتهافت الهواة والمتاحف من كل حدب وصوب على اقتنائها. شأنها في ذلك شأن الجسر الياباني الذي سيظهر لاحقاً في عدة لوحات لمونيه، ولرسامين انطباعيين كثر غيره.
ولو شئنا أن نلخِّص أهمية هذه الحديقة بجملة واحدة، لقلنا إنها تمثِّل الحالة الأولى من نوعها في تاريخ الفن، حيث قام فنان بصياغة المنظر الطبيعي الذي سيرسمه في أعماله. وهذه الصياغة تمت عمداً لهذه الغاية. وستبقى عملياً فريدة من نوعها لاحقاً.

إعادتها إلى ما كانت عليه
بعد وفاة مونيه عام 1926م، آلت ملكية البيت والحديقة إلى ابنه ميشال. وبعد الحرب العالمية الثانية أُهمل هذا البيت وحديقته تماماً بفعل هجره لسنوات طوال. إلى أن كان العام 1966م، حين تبرَّع ميشال مونيه بالبيت وحديقته بقسميها إلى أكاديمية الفنون الجميلة التابعة للدولة.
وفي العام 1977م، تم تعيين قيِّم على المكان يُدعى أندريه دوفيليه. واستعان هذا ببستاني شهير يُدعى جورج تروفو كان في شبابه مقرباً من مونيه، لإعادة الحديقة إلى ما كانت عليه.
تطلَّب إعادة تأهيل الحديقة نحو عشر سنوات من العمل. فأعيد زرع الزهور نفسها في الأماكن نفسها، وأعيد تعميق المستنقع وزرع بالزنابق نفسها. وبفضل تبرعات جُمعت في أمريكا، أمكن ترميم واجهة المبنى والمفروشات وطلاء الجدران الداخلية كما كانت. حتى مجموعة الرسوم اليابانية الثمينة التي كان مونيه يملكها، أعيد تعليقها حيثما كانت معلَّقة في زمنه. وبشهادة كل من عرف بيت مونيه في حياته، فإن كل شيء قد عاد إلى ما كان عليه، وأن إعادة التأهيل كانت في غاية الأمانة. وعندما تقرر لاحقاً فتح هذه الحديقة أمام الزوار، قرَّر القيِّمون عليها تحديد مسارات هؤلاء بالممرات الجانبية بحيث يمكنهم أن يشاهدوا كل الحديقة ومن مختلف الزوايا، من دون ولوج الممر الرئيس فيها، ولا الاقتراب من الزهور، خشية الرغبات الجامحة الموجودة حتماً في نفوس محبي الانطباعية بقطف زهرة من حديقة مونيه، والاحتفاظ بها بوصفها «شيء من تاريخ الفن”.

 


مقالات ذات صلة

حين نشرت صحف ووسائل إعلام قبل نحو ستة أشهر نص وصية حنا مينة، لم يدرك أغلبها أنها في الواقع تعيد نشر ما كتبه بخط يده قبل نحو عشر سنوات، ونشرته وقتها بعض الصحف السورية. وفي المرتين، لم يعتن أحد بالبحث في الأسئلة التي يثيرها نص الوصية التي كانت عبارة: “لا تذيعوا خبر موتي” أبرز ما […]

كفعلٍ حيويّ، تحريضيّ، مندفع أو حذر، يعدّ الإبداع شأناً ذاتياً. وحين نتحدّثُ عن “الذاتي” فإنّنا نشير، مثاليّاً، إلى “شخص” المبدع، ككاتب أو فنان؛ إلى “ذاته” الشخصية وذاته الخبرويّة التي هي نتاج الحياة أو شريحة منها. إنّ النصَّ الإبداعي، الأدبي كما الفنّي، ينضوي فيه أو في مستوى من مستوياته، مقتطفٌ من تاريخ صاحبه وشريطٌ من جغرافيّته، […]

نادرون هم الذين لا يحتاجون إلى دليل خبير ليقودهم عبر عوالم حلمي التوني الثرية والمتنوعة والمدهشة؛ والملغزة في بعض الأحيان. ربما تكون حَنان وأمها خير دليل. إنهما شخصيتان في قصة ألَّفها التوني ورسمها، وحملت عنوان “عَرُوسَةُ حَنَان”، والقصة بصفحاتها القليلة، ورسومها الدالّة، تصلح كمفتاح للشفرات المستعصية على الفك في عوالم التوني، كما أنها تحمل في […]


0 تعليقات على “حديقة مونيه في جيفرني”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *