مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مايو – يونيو | 2019

الأم.. الجَمَالُ اليَقِظ


رئيس التحرير

على مدى ثلاثٍ وسبعين سنة من حياته، أحبَّ الروائي فلاديمير نابوكوف، أحد رموز الأدبين الروسي والأمريكي، صيد الفراشات ودراستها، بعد أن أذهله جمالها، وحيَّره تكوينها. وقبل سنوات قليلة، صدر كتاب بعنوان “خطوط دقيقة”، عرض كثيراً من رسومات نابوكوف التشريحية للفراشات وشرحاً لعلماء متخصِّصين عنها. يقول هذا الأديب المُتمكن من بناء الحبكة المعقَّدة وتوظيف الرموز والمجازات: “الأدب والفراشات هما أجملُ شغفٍ عرفه الإنسان”.
تمثِّل الفراشات في رفرفتها رمزاً للرقة، وفي أجنحتها وتنوُّع ألوانها عنواناً للجَمَال. فمنذ القدم لم ينظر الإنسانُ إلى جناحي الفراشة بوصفهما وسيلة للطيران والهروب، بقدر ما رآهما عرضاً لأجمل الألوان وأدق الأنماط الهندسية في الطبيعة.
وإن كان العلم يولد شعوراً عميقاً بالدهشة والجَمَال من الطبيعة وكائناتها، فالجَمَال كان ولا يزال محرِّكاً أساساً للاهتمام بالعلم، لأن النفس البشرية تميل إليه بطبيعتها، والإنسان يسعى دائماً نحو ما يثير في نفسه البهجة والسرور. والجَمَالُ جائزة لمن يبحث عنه بشغف، أو كما جاء في وصف جبران خليل جبران “إن الجَمَالَ نصيب المتأملين”. أما إن تعثَّر الوصول إليه فقد يكون مصدراً للخوف والريبة، مثلما حذَّر شكسبير أحدهم قائلاً: “احذر من ذاك فإنه لا يتذوَّق الجَمَال”.
وفي حين أخذت المخلوقات نصيبها الفطري من الجَمَال؛ في أشكالها وأنماطها وألوانها، فقد سعى الإنسان منذ بدء التاريخ إلى حظ أوفر منه من خلال التجمّل بالحُلي والمجوهرات الثمينة، يرتديها أو يضعها على ثيابه، مستجيباً إلى حاجته في تأكيد الذات، تلك الحاجة التي تقع في قمة هرم الحاجات الإنسانية لعالم النفس أبراهام ماسلو، ولتكون المجوهرات عبر العصور جزءاً أساساً من مكونات الأناقة والجمال في كل الثقافات في العالم.
وفي هذا العالم الجميل، ثَمَّة من يتحدث عن جَمَالٍ مثالي، جَمَالٌ ينبع من داخل الروح، ويتزيّن بعطاءٍ لا يتوقف. وهنا نسأل: من هو صاحب هذا الجَمَال المثالي؟ وأين هو ذلك الإنسان على هذه الأرض الذي يمكن أن يعطي بلا انقطاع؟ إنها الأم. الأم التي يصف مصطفى صادق الرافعي عطاءها المثالي، بتشبيه يدها بيد طفلة نائمة وكفَّها على أخيها بقوله: “يا إلهي نامت ويدها مستيقظة!”. الأم. هي ذاتُ الجَمَال اليَقِظ الذي لا يخبو ولا ينام.


مقالات ذات صلة

لكل موضوع تنشره القافلة، كما لكل مشروع تُشرف عليه حكاية. وأساسات الحكاية تضرب جذورها إلى ما قبل نحو سبعة عقود من الزمن.ففي عام 2004م، عندما عرضت بعض أعداد القافلة على كوكبة عريضة من المثقفين والأدباء الخليجيين، تلمست حنيناً مشتركاً عندهم إلى أيام الشباب، حين كانت القافلة زادهم الثقافي، كما كان حالي وحال معظم أبناء جيلي […]

من ضمن ما حمله البريد إلينا في الآونة الأخيرة، رسائل يسأل أصحابها عن شروط الكتابة في القافلة، كما تردنا في بعض الأحيان رسائل من كتّاب يعاتبوننا على عدم نشر مقالات أو تقارير بعثوا بها إلينا، ومنهم من سبق له أن تعاون مع القافلة، كما أن منهم من هو صاحب موهبة حقيقية في الكتابة. والواقع أن […]

لغتنا تستحق هذا الدعم عرضت القافلة في عددها السادس من عام 2020 لشهري نوفمبر/ ديسمبر لورشة عمل بعنوان “اللغة العربية رقمياً.. تجارب معاصرة ورؤى مستقبلية”، شارك فيها من كان له دور كبير في دعم اللغة العربية من خلال البرامج الإلكترونية، كمؤسس ورئيس شركة صخر الأستاذ محمد الشارخ، الذي تحدث عن جهود الشركة في تعزيز المحتوى […]


0 تعليقات على “الأم.. الجَمَالُ اليَقِظ”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *