مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مايو – يونيو | 2019

أنثى
هِـزَبْر محمود


..وبالتالي كلهن أنثى واحدة
يطفح به الوجد بعد أنْ أضنى سكونه بالذهاب والإياب، يتجوّل في فناء الروح ملوّحاً أنه مستعد للخروج من ذاته إذا كان ذاك يرضي عطر وروده الزكي أو ضمير أشواكه التي ظلّت تزعم أنها حين توخز، فإنما هي بذلك تمارس فطرتها الكونية في الدفاع عن نفسها، أو مَن كُلّفت بالدفاع عنه. يتجاهل إذا كان ذاك حقيقياً وينتصر للتساؤل: إذا كنتُ أنا لسان حالي غزلاً وعتاباً فمَنْ للجهة الأخرى من القلب؟
ويواصل التساؤل: كنتُ مع نفسي دائماً بشكل قد يكون تجاوز الحد، فهل أستطيع أن أكون ضدَّها بنفس القدر؟!
طيب، أليس مقدار أن يكون ضدها فعلاً سوف يكون عنصر النجاح الأهم لنجاح القصيدة، وبالتالي هو في حقيقة الأمر إنما يقدِّم ذلك خدمةً لنفسه بالنهاية؟!
قرَّر في النهاية أن تكون مقارنته بين التفاح والنارنج على لسان التفاح، حتى يقترب أكثر من تأنيب أشواكه حين يعترف ضمناً أن فاكهته المظلومة بلا وخز قبالة أشجار الوخز، متجاهلاً أمراً آخر ينص على أن هذا التشبيه – رغم منحه صفة الفاكهة الأولى – قد يمنح نفسه صفة السيد الأول حين تكون الفاكهة الأولى إشارة إلى السيدة الأولى، التي اكتسبت هذه الصفة من اقترانها به، كما هو حال لقلب السيدات الأُوَل في العالم، هذا من جانب. ومن جانب آخر، هو جردها من القدرة على الوخز بالخلق، حيث التفاح خُلق بلا شوك!
كل تلك الإشاعات التي اشترك ببثها القلب والضمير لم تكن لتمنع القصيدة من الظهور.
ففي النهاية، يبقى التأريخ شاهداً على أمر واحد، هو أنه لم يكتب سيدته فقط، بل كتب كل سيدات التفاح في عصره، وربما في كل العصور المقبلة. وبالتالي، كلهن أنثى واحدة.

أنثى
هزبر محمود

وبالتالي أَنا أُنثىٰ!
بمعنىٰ إِنَّ قولاً مِنْكَ يزرعني
وقولاً مِنْكَ يقطفني
وَصَمتاً مِنْكَ يَجعلُني أُعيدُ حسابَ أَجنحتي
ومرتفعي
بمعنىٰ إِنَّ لي قلقاً ينزُّ رجاءَ أَسئلتي
وَلكنْ حينَ أَسألُها
أَرىٰ عينَيكَ تجتاحانني ردَّا!
فَأَعلمُ عِندَها – إِني كَأُنثىٰ – لَمْ أَعُدْ نَدَّا
لِما مَحبوبُها أَخفىٰ وَما أَبدىٰ
وَتدري إِنني أَدري بما أَخفىٰ وَما أَبدىٰ
أَجلْ أَدري بِأَنَّكَ دائمُ التَّجوالِ في غيري
وَأَنكَ كلما سَافَرْتَ بٱمرأَةٍ،
رَجَعتَ إِليَّ مُعترفاً بِأَنَّكَ لَمْ تَجِدْ أَحلىٰ
وَلا أَوفىٰ
رَجَعتَ إِليَّ معترفاً بِأَنَّ مَزارعَ التفاح في قلبي
هيَ الأَندىٰ
وَبالتالي أَنا أُنثىٰ
أُسامحُ مرةً أُخرىٰ
وأَنسىٰ مرةً أُخرىٰ
وَترجعُ مرةً أُخرىٰ الىٰ التَّجوالِ في أُخرىٰ


أَتَذكرُ كيفَ كانَ الصُّبحُ صحرائي
وَأَنتَ تُعَبِّئُ الأَيامَ أَسماءً
وَكنتُ أَنا يسارَ الصَّبرِ أَنتظرُ ٱنتهاءَكَ؟!
حينَ تَنْهضُ مُعلناً للبيتِ،
للقمرِ الذي سَامَرْتَ
لِلْشَّمسِ
خلوَّ الوقتِ من نَفَسي وَمِنْ لَمسي
وَأَرجعُ مرةً أُخرىٰ علىٰ زمني، علىٰ نَفْسي
علىٰ زَيفِ الهوىٰ أَحتَجْ
فيا ٱبنَ البرتقالِ الغَضِّ!
ما زالتْ نعومتُهُ علىٰ شَفَتيكَ
كيف، إِذنْ تغادرهُ إِذا ما لَوَّحَ النَّارنجْ؟!
أَتفهمُ حُرقَةَ التفاحِ لَحْظةَ يسخرُ النَّارنجْ؟!
وَتقسمُ لي بِأَنَّكَ لم تَعِشْ حُبَّاً سوىٰ حبي
و َنكَ كنتَ تقصدني بكلِّ قصائدِ الغَزَلِ
ولا أَدري!
تُضَيِّعُني بِخَلْطِ الجَدِّ بِالهَزَلِ
وَتقسمُ لي بِأَنَّكَ تلتقي بالبحرِ في عينيَّ
وَالأَمطارِ في كَفَّيَّ
أَنكَ تجمعُ الأَضواءَ مِن ضَحِكي
وَأَنَّكَ تصهرُ الدنيا علىٰ إِيماءةٍ منِّي
وأَنَّكَ تقتفي أَثَرَ السماءِ علىٰ جبيني
وَهْيَ تقطعهُ وتَقرأُهُ
فتفهمُ من كواكبِها
بِأَنَّ سواكَ لم يتركْ بِهِ قَدَرا!
جبيني ذلكَ الأَعلىٰ، الذي لم يعتنقْ
في العمْرِ مُنحدرا!
وَإِنَّكَ ذلك الأَعلىٰ
وَجَدْتُكَ تَزرَعُ المَنفىٰ قناديلا
فَأَحْبَبْتُ ٱرتجافَ يَدَيكَ
حينَ الليلُ يَغتابُ القناديلا
سَهِرْتُ بعينِ ناعورٍ
يُراقبُ رَجْفةَ الأَغصانِ
خوفَ يباسِ لَذَّتِهِ إِذا سَكَنَتْ
وَلا أَبكي
وَأَدري أَنَّ يومَ الدَّمْعِ حين يغيبُ يغتالُ المناديلا
وَأَنتَ مرامُ لَفْظِ ٱسمي
مرامُ الصَّحْوِ من نَومي
مَرامي
أيُّها المأخوذُ مِن صِغَري
وَمِمَّا كانَ من عُمُري
وَيا وَزْنَ الهوىٰ المأخوذِ مِن أَثَري

هِـزَبْر محمود علي
مواليد مدينة ديالى/العراق عام 1973.

  • خريج كلية الهندسة (قسم الهندسة المدنية) في جامعة الموصل عام 1998.
  • عضو اتحاد الأدباء العراقيين.
  • له مجاميع شعرية: أثر على الماء (2010)، والقاهرة “أروقة” (2015)، وتركتُ البابَ رَهواً (2015)، وحبيب الشمس “سوق عكاظ” (2016).
  • يكتب الشعر العمودي وشعر التفعيلة.
  • حصد جائزة ولقب شاعر عكاظ من المملكة العربية السعودية بدورتها التاسعة لعام 2015.
  • حاصل على الجائزة الثالثة في مسابقة (شاعر العرب) على قناة المستقلة التي استمرت لسنتين وانتهت عام 2009 من بين 1280 شاعراً عربياً.
  • حاصل على عدة جوائز عراقية في الشعر، أبرزها: المركز الثاني على شباب القطر العراقي عام 1997، والمركز الأول في مسابقة جامعة الموصل الإبداعية السنوية لثلاث مرات وغير ذلك من الجوائز.

مقالات ذات صلة

الحكايات الخرافية من أكثر أنواع الأدب شيوعاً. وتنبع أهميتها من كونها تتضمَّن ما يمكن وصفه تجاوزاً حقائقَ عالمية وقيماً اجتماعية محلية في الوقت نفسه. كما أنها موجَّهة في الغالب إلى فئة عمرية مهمة، وهي فئة الأطفال، رغم أن أكثرها لم يكن مقصوداً للأطفال في الأساس كما يقول الباحثون. واستحالت عبر الزمن أعمالاً كلاسيكية تشكّل مصدراً […]

تستند آداب المائدة على مشاطرة النعمة وتقاسم البركة، و“بارك الله في طعامٍ تزاحمت عليه الأيدي”. لكنّ لكل قاعدة استثناءً. والاستثناء يتمثل في مهنة “الذوّاق”، الـذي كان يتذوق الطعام وحده، قبل الآخريــن ومن دون مشاطرتهم إياه. وهو لم يكن يفعل ذلك عن أنانية أو نزعة فردية، فهذه كانت مهنته ومهمته القديمة، طوعاً أو قسراً. إذ كان […]

يقصد بــ “التضاد اللغوي” أن تحمل المفردة الواحدة المعنى وضده في الوقت نفسه، ويبقى السياق هو الفيصل في تحديد المراد. وتزخر لغة الضاد بكثيرٍ من هذه المفردات، وهي ليست بدعاً من بين اللغات الإنسانية في هذا الجانب، فكثير من اللغات الحيَّة تتضمَّن هذا الأمر ومنها الإنجليزية والإيطالية والفرنسية وغيرها. وقد حظيت ظاهرة التضاد اللغوي باهتمام […]


0 تعليقات على “أنثى”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *