تقرير القافلة

التحولات الطارئة عليها في مواجهة الإنترنت

الصحافة في عصر التكنولوجيا الرقمية

taqreer 2اقتحمت الصحافة الرقمية عالم الأخبار والمعلومات والصور في الكرة الأرضية، وانتزعت من الصحافة التقليدية، كثيراً من جمهورها، حتى بات بعض المحللين والمطوّرين يتنبأون بزوال الصحافة الورقية قريباً.
لفهم هذا الموضوع، لا بد من معرفة واقع الحال اليوم، وماذا أضافت الصحافة الرقمية، على الكمبيوتر والألواح الإلكترونية والهواتف الجوالة، حتى تتفوّق على الصحافة الورقية، وهل صحيح أن هذه الأخيرة إلى زوال؟
ثمة رأي يطرح المشكلة، ويشير على الصحافة الورقية، بالعمل للتكيّف مع البيئة الإعلامية الجديدة، التي صارت ترزح فيها تحت ضغط مزاحمة الصحافة الرقمية؟
وثمة آراء تقول إن الصحافة الورقية موجودة لتبقى، لأن الصحافة الرقمية أنتجت طوفاناً هائلاً من المعلومات والروابط، تجعل لزاماً على الصحافة الورقية أن تغربلها، وتفرز الغث عن السمين منها، لتقدِّم لقرَّائها، الذين لن يقرؤوا كل شيء بالتأكيد، زبدة ما في العالم من أخبار ومعلومات وتحليلات وتحقيقات.
وهذا هو رأي هذا التقرير، الذي وضعته الخبيرة فينيت كاول (Vineet Kaul, DAIICT University, India)، من «معهد ديروباي أمباني للإعلام والاتصال والتكنولجيا» في الهند، ونشرته على الصحيفة الرقمية لتكنولوجيا الاتصالات والإعلام.

أنشأ عصر المعلوماتية تحدّيات عديدة لكل المهن. وفي حال مهنة الصحافة، أدى اعتماد تكنولوجيا المعلومات إلى تغيّر كبير في كثير من معالم المهنة. لقد أحدثت ثورة التكنولوجيا المتطورة، تبدّلاً في الطريقة التي يتلقَّى فيها الجمهور الأخبار والمعلومات، وحَرمت الصحافة الورقية من الاحتكار الذي كانت تنعم به. يبحث هذا التقرير في مجالات التقاطع بين الإعلام الجديد والصحافة والتكنولوجيا، من أجل تحسين إدراكنا لأثر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، لا سيما تكنولوجيا الإنترنت، في الصحافة التقليدية.

لقد كان الإعلام وممارسة الصحافة بطيئَين في التكيّف مع الإنترنت والفروع العديدة التي نشأت من تكنولوجيا المعلومات الجديدة. ففي العقود الماضية، استفاد الصحافيون والعالم الغربي من النمو السريع في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وفي السنوات الأخيرة استطاعت هذه التكنولوجيا أن تخترق بلدان العالم النامي، وأتاحت انتشار الكمبيوتر، والإنترنت، والهاتف الجوّال فيه. وقد يسَّر هذا التطوّر ربما أساليب العمل الصحافي في هذه البلدان، غير أن الصحافيين في العالم لا يزالون يفصلون «الوطني» عن «الأجنبي»، فيما أخذ جمهورهم يتحادث عبر الإنترنت مع العالم أجمع عبر القارَّات.

اليوم تستمدّ مؤسسات الإعلام بانتظام موادّها من المصادر الرقمية المختلفة. ويبحث هذا التقرير في اعتماد تكنولوجيا المعلومات، وفي دور الصحافة في العصر الرقمي، وكيف يستخدم الصحافيون الأدوات الجديدة لتطوير مهنتهم، ودور الإنترنت، وما هي الذيول الأمنية والأخلاقية في هذا الميدان الجديد، وما إذا كانت حرية الصحافة تعني بالضرورة حرية الوصول إلى المعلومات، وما هي أوجه الالتباس التي تُحدثها التكنولوجيا الرقمية، والقوة والسرعة والمنفعة التي تترتب على الكتابة الرقمية ونشرها وتلقّيها.

ومع أن المنصّات الرقمية تنشئ تحدياً قوياً للصحافة التقليدية، إلا أن هذا التقرير يرى أن الخصائص والمهارات الأساسية في مهنة الصحافة ستظل ضرورية مع الأدوات الجديدة.

ملامح العالم الجديد
في مجتمعنا المتطور بسرعة اليوم، ينصرف مزيد من الناس إلى الكمبيوتر، والهاتف الخلوي، وأجهزة «البلوتوث»، للنظر في «الفيسبوك» أو معرفة آخر أخبار الطقس. ومع «الانفجار» الذي أحدثته وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية، أصبحت التكنولوجيا المصدر الأول لتلقّي المعلومات. ولهذا الأمر حسنات، مثل الحصول الفوري على الخبر، والاطلاع المستمر على ما يجري في المجتمع في غضون ثوانٍ. ونظراً لأهمية الاتصال في كل الحضارات، فإن طريقة هذا الاتصال لا بد من أن تتكيّف بأساليب عيش الشعوب.

في الماضي كان الإعلام في الغالب، مطبوعاً، حين كان معظم الناس يأخذون وقتهم في قراءة الصحف. اليوم، ومع انكفاء الناس إلى الإنترنت، سعياً وراء المعلومات، تُزاح الصحافة المطبوعة جانباً، شيئاً فشيئاً، حتى إن البعض يرى أن هذه الصحافة مآلها إلى الموت. ويستدلّون على هذا بالانخفاض في مبيعات الصحف. وعلى كليات الصحافة في العالم أن تعيد النظر في وسيلة تعليم الصحافة؛ لأن ما كان متَّبعاً قبل 15 سنة لم يعد كذلك اليوم. فالمشهد الصحافي يتبدّل كل يوم، مع ظهور تقنيات ووسائل تعيد تنظيم العلاقة بين وسائط الإعلام وجمهورها. وبسبب طبيعة النفس الإنسانية، فإن بعض الناس يخشون التغيير، فيما يعتنقه آخرون بشوق. البعض يتحمّس لفرص الاستفادة من الظروف المتغيّرة، لكن غيرهم يخافون خوض غمار «السابقة الخطرة»، ويعملون بمبدأ ألا يكونوا يوماً البادئين في اختبار أي شيء.

في عالمنا اليوم، يستحيل على أي كان، أن ينجو من آثار التغيير الكاسح، وينطبق هذا الأمر خصوصاً على العاملين في الصحافة والاتصالات. لقد كانت الصحف الوسيلة الأكثر انتشاراً للإعلام، منذ أيام الحمام الزاجل، حتى جاء عصر «الواي – فاي». لكن التطوّر اليوم ليس تغيّراً نسبياً، بل إنه تبدّل كامل للاتجاه. إننا نواجه تحدياً وفرصة، لنفعل الأشياء بطريقة مختلفة. فالتكنولوجيا الحديثة تعيد تشكيل كل مظاهر نظام الاتصالات الأساسية. ونحن مضطرّون إلى إعادة النظر في معظم مفاهيمنا الجوهرية، حول أساليب جمع المعلومات ونشر الأخبار. وهذا يطرح علينا الحاجة إلى فهم المشهد الذي ينتظرنا، ويَطرح علينا كذلك مجموعة من الأسئلة الصعبة، ما دامت الصحافة وآثارها في المجتمع تهمّنا.

التكنولوجيا وأساليب العمل الصحافي
taqreer 1في ربع القرن الأخير، حدثت تطوّرات تكنولوجية دراماتيكية، في إنتاج الصور ومعالجتها ونشرها، على نحو بدَّل الأساليب في الصحافة والترفيه والإعلان، وفي البيئة البصرية نفسها أيضاً. وفي هذا العصر الإعلامي الشامل، لم تكن صناعة الخبر يوماً في حال أفضل مما هي عليه اليوم. فبكبسة زر نحصل على الأخبار حيثما شئنا.. ومع التبدّل الكبير في البيئة والتكنولوجيا الإعلامية، يلحّ علينا بشدة السؤال عن طبيعة صحافة الخبر، في تعريفنا لاهتمامات الجمهور اليوم. فالمسألة غاية في الأهمية، لا من حيث مستقبل الأخبار فقط، بل أيضاً من حيث ممارسة الديمقراطية أيضاً. والمفهوم الأساسي هو أن الصحافة التقليدية كانت فعّالة جداً في تسليط الضوء على مشكلات ذلك اليوم وتطوّراته. لكنها، لأسباب مختلفة، غالباً ما كانت تفشل في أن تضع الخبر في سياق يجعله مفهوماً تماماً. وأحد أهم الأسباب، هو تكنولوجي. ثم إن الصحافة التقليدية تعمل عموماً في اتجاه واحد، من الصحافي إلى الجمهور. هذا المفهوم للجمهور المتلقّي وضع حدوداً لانخراط القرَّاء في الصحافة والعمل العام.

لقد أعادت المبتكرات التكنولوجية تشكيل المشهد، وجعلت من «صحافة» العام 2014م شيئاً لم يكن الكثير يتخيّلونه. ولذا طرح العمل الإعلامي الجديد مجموعات من التحديات المهنية. وفي كل يوم تنزل إلى الميدان أجهزة جديدة، بسرعة مدهشة، فتأتي بخيارات متنوعة وعديدة، قد لا يكون الصحافيون وجمهورهم قادرين على توقعها. لقد أغنت هذه الحدود المفتوحة، مصادر الأخبار والإعلام، وأعادت ترتيب ما كان ملكاً للصحافي التقليدي ومذيع الأخبار ووكالات الأنباء. والتحدي المطروح هنا، هو استخلاص أقصى فائدة من الإنترنت والإعلام الرقمي، دون أن نُلحق أي ضرر بالحريات المدنية.

أساليب عمل خاصة
ثمة ما لا يُحصى من الوسائل التي استطاعت من خلالها التكنولوجيا الرقمية، أن تؤثر في ممارسة الصحافة، بدءاً بأسلوب جمع المراسلين المعلومات وتقديمهم الأخبار، مروراً بكيف تكوّن مؤسسات الأخبار بنياتها الخاصة، وصولاً إلى سرعة تطوّر التقنيات الإعلامية، على نحو جعلها تخترق النسيج الاجتماعي بأشكال وإمكانات جديدة في دنيا الاتصال. لقد أصبح النص الاستطرادي (hypertext)، وإعلام الوسائط المتعددة (multimedia)، والإعلام الاستطرادي (hypermedia)، جزءاً من روتين الكثرة الغالبة من المهنيين، وهي تستدعي تغيّر أساليب التعليم والتعلّم في المعاهد. فإذا نظرنا إلى المستقبل، فبإمكاننا أن نتوقع مشهداً إعلامياً يسيطر عليه جمهور مجزأ جداً، لكنه حيوي. وبإمكاننا أن نتوقّع أيضاً منافسة إعلامية شديدة، وقلة في موازنات الإعلان. وبإمكان الإعلام المهني، إذا اعتمد التكنولوجيا الجديدة، أن يحتفظ بدوره، بصفته مصدر إعلام حيوياً، فيواصل العمل أداةً لديمقراطية ناجحة.

taqreer 3في مطلع عصر المعلومات (والصحافة الإلكترونية) تبدّلت مهام الصحافيين من نقل المعلومات، إلى معالجة المعلومات. ويقول مارشال ماكلوهان (الكندي الرائد في دراسة نظرية الإعلام، 1911 – 1980م)، إن كل وسيلة من وسائل الإعلام تختص بتجربة محسوسة مختلفة. ولذا، فليس مفاجئاً أن تبدأ مؤسسة الصحافة في التبدّل، مع ظهور الوسيلة الجديدة –الإنترنت- ذلك أن وظائف الإنترنت التفاعلية والإعلام المتعدّد الوسائط، تفرض تطوراً مهماً في ثقافة الصحافة. إذ إن المهمة الأساسية الملقاة على عاتق المخبر الصحافي، تطوّرت إلى الوسيلة الرقمية، ووفرت تكنولوجيا الشبكة الدولية مجالات لمصادر واسعة وجمهور مشارك في الإنتاج الجديد. لقد بدأ الباحثون بتسمية المخبرين الصحافيين «مراقبي البوابات»، و«ملاحظي» المعلومات، وهم يصرّون على أن هؤلاء يمارسون بإرادتهم سلطة معيّنة. إن عبارات مثل «صحافة الشبكة» و«إعلام المجتمع»، تنم عن فهم بعض الناس لتكنولوجيا الشبكة الدولية، على أنها فرصة لحدوث ثورة صحافية، حيث يكون على المواطن أن يدلي بدلوه، ويشارك في المضمون، ويعارض التيار الغالب في مواضع افتراضية. وبذلك ينشأ نموذج جديد على الشبكة لإنتاج الأخبار، يأخذ في الحسبان دينامية صنع المعلومات، ونشرها، واستهلاكها، على الشبكة.

لا حواجز جغرافية
العالم متواصل اليوم بشكل لا يعرف الانقطاع ومن دون حدود ولا حواجز جغرافية. والقارئ هو الذي يقرِّر ماذا ومتى وكيف يقرأ، بالإضافة إلى أن له صوتاً بتكلفة زهيدة، بعيداً عن التدخل الخارجي. لقد أقامت الثورة الرقمية في الإعلام والاتصال، منصة لتدفّق حرّ للمعلومات والأفكار والمعرفة في الكرة الأرضية، وكثيراً من الطرق التي تصل منها التبدّلات والتحدّيات، إلى موفّري الأخبار ومستهلكيها. ونعتقد أن الصحافي ليس جنساً مهدداً بالانقراض، لكن مهامّه وعاداته تتغيّر تغيّراً كاسحاً.

فالآن، يمكن للموقع الإلكتروني أن يكون منصّةً يقول فيها المواطنون آراءهم، ويطرحون أسئلتهم بشأن الإصدارات الصحافية التي تهمهم. والصحافة «الحوارية» هي صيغة أكثر تحرراً لإنتاج الأخبار. والمضمون في الوسيلة الإعلامية الجديدة، يتولّاه صحافيون متفاعلون مع المواطنين. والعضو المشاهِد، أو المتلقّي، يلعب دوراً فاعلاً في الصحافة. وتطرح هذه النماذج الجديدة، في جوهرها، تبدّلات عميقة للصحافيين، في دورهم وفي إشرافهم النهائي على الأخبار. وتتطلب التكنولوجيا الرقمية جهداً أكبر من المخبر، إذ غالباً ما يفرض عليه أن يتعلّم عدداً من تقنيات التشغيل، والعمل في الوقت نفسه منتجاً ومحرراً ومنفّذاً. وكانت كل هذه المهام في الماضي موزّعة على قطاعات مختلفة.
numbersFacts
مهام الإعلام الجديد
وبمعزل عن طوفان المعلومات المتاحة للتوزيع، تُمكِّن التكنولوجيا الجديدة نماذجَ الأحداث والقضايا المتشابهة، من أن تتشارك فيها مجتمعات مختلفة. ولم تعد حلول المشكلات المحلية محصورة في داخل مجتمع ما، بل إن الجماعات المهتمّة تتولاها، فيتلقّاها العالم كله، على أنها نماذج وأمثال. وقد بدأت صحف العالم التي استثمرت في وسائل إعلامية متعدّدة، تلمّس الحسنات والمصاعب الناشئة من اجتماع الوسائل المختلفة، التي يجمعها الإنترنت، والتي سيكون مستقبلها المباشر الاندماج الكامل لأخبارها وعملياتها التجارية المتعددة الوسائط. ومع صيرورة التكنولوجيات إلى مزيد من التعقيد، فإن مهام جمع الأخبار وإنتاجها وبثها، صارت تتطلب مزيداً من المهاراتِ في المخبر الصحافي، لكنها زادت أيضاً السرعة الضرورية للنشر، مع السرعة الفائقة المطلوبة في الكتابة الفورية في أي وقت من الليل أو النهار. وقد يجد قدماء الصحافيين أن التبدّل الذي تحدثه التكنولوجيا غير مألوف ولا مريح في البدء، لكنهم يُحسنون صنعاً بالتعامل مع ما لم يعد منه بدّ. ويمكننا القول إن الروقمة جعلت الصحافي متخصصاً، لا في شيء معيّن على الخصوص، بل في الأساليب الفعّالة في ممارسة الصحافة وإنتاج الصحيفة وجعلها متاحة بسرعة.

حكم مؤجّل!
لا صحف عربية مطبوعة أغلقت أبوابها بسبب الإعلام الإلكتروني، بل العكس، هناك صحف توسَّعت ولديها قرَّاء خارج نطاق الحدود، بسبب الإعلام الإلكتروني، وهناك مؤسسات استثمرت الملايين في الإعلام الجديد، وهناك عائد يضاف إلى عائد الإعلان الورقي، ألا وهو عائد الإعلان على شبكة الإنترنت.كذلك ما زال من المبكر جدًّا الحديث عن تأثيرات ملموسة يمكن إحصاؤها، لا سيما وأننا في منطقة لا تزال فيها الصحافة المطبوعة هي السائدة، عكس ما في دول أخرى مثل الولايات المتحدة؛ حيث أغلقت مؤسسات ورقية عريقة جداً، ربما بسبب كبر المساحة الجغرافية للبلد، ووصول شبكة الإنترنت إلى أغلب الناس. لكن في آسيا مثل سوق الهند والشرق الأوسط، لا تزال الصحافة الورقية تحافظ على وضعها، بل إن هناك زيادة في الطباعة سنوياً من 2 إلى %10، وهذا يدل على أن هناك قرَّاءً جُدداً، مهتمون بالصحافة المطبوعة.لكن التأثير المباشر قد يكون بعد 10 سنوات حينما يتوسع الإنترنت ويصل إلى دول الشرق الأوسط بنسب عالمية.

http://www.alukah.net/culture/0/50101/#ixzz3B0WVv4NZ

لقد أزال الإعلام الجديد التلقي السلبي لدى جمهور الإعلام، بتمكينه الاستقبال المتزامن والتعديل وإعادة نشر المواد الثقافية. وأخرج فعل الاتصال من الحدود الوطنية، وأتاح الاتصال العالمي الفوري. والصفة المهمة في الإعلام الجديد، هي أن النصوص الإعلامية متحرّرة من أسر المادة، أي إنها منفصلة عن شكلها المادي المطبوع. فالنصوص يمكن أن تُضغَط في حيز صغير جداً، ويمكن تناولها بسرعة فائقة.

ومع تصاعد عمليات بحث جمهور الإعلام الجديد عن المعلومات في مصادر جديدة، يبدو أن الإعلام في العموم، يتجه نحو العمل للاحتفاظ بجمهوره، بالتحوّل شيئاً فشيئاً إلى الشبكة الدولية، من أجل توفير الأخبار والمعلومات. ويبدو الجمهور منقسماً بين جانب يبحث عن عناوين عريضة ونتفاً من المعلومات المفيدة، وجانب آخر يريد وثائق وتقارير في العمق. وثمة ناحية نوعية في الإنترنت، هي أنه يتيح الفرصة الفريدة بتوفير الروابط المفضية إلى مصادر المعلومات.

والرواية الرقمية للخبر تسمح لنا أن نفهم فهماً أفضل أحداث العالم (الاحتباس الحراري، مشكلات الهجرة، الأزمات الاقتصادية…) من خلال الرسوم البيانية وشهادات الناس الشفهية، والمحادثات والصور والفديو، من أنحاء العالم كله. وتسمح الصحافة الرقمية بالاطلاع البصري الذي يتحوّل إلى معرفة. ولا يشمل هذا التطورات الآتية وكيف ستُغني الإعلام.

مصير الصحافة المطبوعة
تستطيع الصحافة أن تنهض من جديد. ولن تكون نقطة القوة فيها القدرة على إنتاج المعلومات، بل ستكون مهمتها غربلة «تسونامي» معلومات العالم. سيكون هناك تركيز أكبر على التصنيف والاختيار والتحرير وجمع عناصر المعلومات عن الأحداث والأفكار والناس. والصحف الفضلى ستوفر أفضل المعلومات في الوقت المناسب، للذين يحتاجون إليها. إننا نراهن على نشوء صحافة محسَّنة، أكثر شفافية وتواضعاً في مهنتها وأعمالها وتحقيقاتها ومصادرها واتصالاتها…

ولإنجاز هذه المهمة، سيكون على الصحافة أن تعيد إنتاج نفسها. الجميع يتلمّس الوضع، لكن الوقت لن يطول حتى يتساءلوا إن كانوا سيَدَعون القطار يفوتهم، أو يُبقون إحدى القدمين على الأرض. وقد حان وقت التجديد من أجل التحوّل. لقد كان ثمة زمن كانت فيه الصحافة التقليدية رافضة للرضوخ لمقتضيات العصر الرقمي. أما الجمهور والمعلنون فهم أكثر تقدماً في مجال التكنولوجيا، وسيذهبون ببساطة، إلى مكان آخر.

إن ثمة أملاً أن تظل الصحافة تلعب دور الناقل الأساسي للأخبار الجدية؛ لأن الصحافيين أفضل تجهيزاً لكي ينجحوا بفاعلية في جمع الأخبار والمعلومات وتصنيفها وتحريرها وربطها، في طيف من الأدوات الجديدة. وثمة أمل في مكافحة الاستبداد الانتقائي وطوفان المعلومات على الشبكة الدولية، وهما أمران ينذران بانهيار التنبّه العام.

إنه زمن ملائم للصحافيين الذين يُبدون يقظة فيما العالم يتغيّر. فليس ثمة زمن مضى كان فيه النّهَم إلى المعلومات مثلما هو الآن. والعصر الرقمي عصر مثير للصحافيين والمحررين الثوريين. فالصحافي لا يمكنه أن يظل متفرجاً في الثورة الحاضرة، حيث يمكن للمرء أن يصبح عدوّ نفسه.

لقد كان رد فعل الصحافيين، مثل الآخرين، بطيئاً. لكن، الواضح أن عليهم أن يعيدوا اختراع دورهم. وإلا فإن الجمهور سيقرر أي مضمون يهمّه، وما هو البديل.

تنافس أم تكامل
هل العلاقة بين الصحافة الرقمية ووسائل الإعلام التقليدية، هي علاقة تنافس، أم علاقة تكامل؟ وإلامَ نحتاج لتمكين البيئة الصحافية من التكامل بين الاثنين؟ كيف سيتمكّن الصحافيون التقليديون في الصحافة المطبوعة والإذاعة والتلفزة، من استعمال الأدوات الجديدة في جمعهم وتوزيعهم الأخبار؟ الجواب هو أن الإعلام الجديد يتيح فرصة لتحويل الوضع، بتمكين المراسلين الصحافيين من فعل خمسة أفعال في الوقت نفسه.

فأولاً الأخبار يمكنها أن تُطِل على روابط بواسطة الإنترنت أو الإعلام الاستطرادي (hypermedia)، وهي الوسائل للاتصال بالنسيج العالمي على الشبكة الدولية. فمن خلال الروابط يستطيع الصحافيون أن يُغنوا خلفيات أخبارهم ويعمّقوها. وهذا أمر ضروري للأخبار التي تبقى في الإعلام يوماً بعد آخر، أو بضعة أسابيع أو أشهراً، أو حتى سنوات. فكثيراً ما ينسى القرَّاء أو يجهلون قصة الخبر من أوله، أو ينسون بعض الأسماء أو العبارات. في الصحافة التقليدية، لا يملك الصحافي متسعاً ليعيد ذكر خلفية خبره في كل مرة، لكن الروابط يمكنها أن تُحيل القارئ على ما ينقصه.

taqreer 3ثانياً، يمكن للصحافة الجديدة أن تكون تفاعلية. وبذلك يمكن للقرَّاء أن يتفاعلوا فيما بينهم، أو مع المراسلين أو المصادر، لينخرطوا في حوار. وبدلاً من أن يجلس القرَّاء، ويكتفوا بالقراءة أو المشاهدة، يمكنهم أن يشاركوا في سجال جماعي على الشبكة، وأن يرسلوا الرسائل الإلكترونية إلى الصحافي. وبذلك قد يتاح للصحافي أن يكتسب إضافة قيمة على روايته للخبر أو التحليل. وإذا ما حصل خطأ، فبالإمكان تصحيحه على الفور. ويستطيع المتحاورون أن يتبادلوا بعض النصوص أيضاً، أو أن يشاهدوا الفديو، إذا وُجد. ثم في إمكانهم أن يضغطوا على «نقطة ساخنة» (hot spot) ويحصلوا على معلومات أو نصوص أو تسجيل أو فديو إضافية، يزيدهم معرفة بعناصر الخبر.

ثالثاً، يتيح الإعلام الجديد استخداماً أوسع أو أغنى لأشكال الاتصال. الكلمات، المحكية أو المكتوبة، والخلفية الصوتية، والصور، والرسوم، والرسوم المتحركة، وغيرها، كلها ممكنة في البيئة الرقمية على الشبكة الدولية. كل هذه الأشكال، في مضمون الاتصال، تجهِّز الصحافي بأدوات متعددة، وتروي القصة وتقدِّم شرحاً أوفى للمشاهدين، بمخاطبتها أكبر عدد من الحواس لديهم. وتدلّ الأبحاث على أن الانتباه والفهم وحفظ المعلومات، كلها تزداد عند استخدام أشكال أكثر في مضمون الاتصال. وليس من سبب ليكون الأمر مختلفاً في الصحافة الرقمية.

رابعاً، يمكن للمضمون أن يكون ديناميكياً أكثر، في البيئة الرقمية. ويمكن تحديثه وإبقاؤه صالحاً في وسيط مثل الإنترنت، أو في وسائل البث الرقمية. وإضافة إلى هذا، يكون المضمون متوافراً عند الطلب، ويتحرّك باستمرار من المصدر إلى المتلقي، وبالعكس. ويُبقي هذا النظام المرن الجمهور والصحافي في حالة اتصال دائم، أكان المتلقي أو الصحافي في منزله، أو في غرفة الأخبار، أو في الخارج، عبر الهاتف الخلوي أو وسائل الاتصال الإلكترونية الأخرى.

خامساً، وأخيراً، تستطيع الصحافة الرقمية أن تبلغ مستوى لا سابق له من «القولبة»، وقد كان هذا متعذراً من قبل في الصحافة. لقد اجتهد الصحافيون طويلاً لإشعار القارئ بمخاطبته شخصياً، في رواية الخبر أو التحليل. وحين كان الخبر يهمّ الناس على الصعيد الوطني أو الإقليمي أو الدولي، كان الصحافيون الجيدون، يحاولون دوماً أن يُكسبوه الطابع المحلي. فكانوا يبحثون عن رابط محلي له، أو شخص ما، أو مكان، لإعطاء الإحساس بالهوية. أما الإعلام الجديد، فيمكنه أن يرفع هذا المستوى من القولبة إلى أعلى مدى ممكن. فكل خبر يمكن تحويله إلى رواية خبرية تعني كل شخص بذاته.

خلاصة
لا يتأتى الخطر الحقيقي من الشركات الاحتكارية، التي تقيم «بوابات مكوس»، على الجادّات الإلكترونية السريعة، أو من القراصنة الرقميين الذين يختطفون الملكية الأدبية. بل يتأتّى من مسؤولين رسميين ذوي نية طيبة، يحاولون حماية تكنولوجيات حالية بالية. فالتكنولوجيا الحديثة ستوفّر قريباً القدرة على تحويل بلايين «البت» الرقمية إلى مقادير بلا حدود من المعلومات المفيدة المتاحة للجميع. لكن هذه القدرة الجديدة ستخلق المسؤولية الضخمة في مجال حماية حرية كل مواطن في الحصول على هذه المعلومات، وحق كل فرد في أن يسهم في الحوار الرقمي. لقد تطوّرت أساليب عمل الصحافة التقليدية، في عصر ندرة المعلومات المتاحة. لكن القيم الصحافية لا تتوقّف على ندرة المعلومات، وهي قيم ينبغي ألا تُفسدها وفرة المعلومات. وقيمة رواية الخبر لن تتراجع لمجرد أن ثمة معلومات أولية وافرة وسهلة التناول.

ستكون آلة الأخبار في القرن الواحد والعشرين قريباً حقيقة واقعة. وستجلب معها فوائد هائلة، حتى لو أَجبَرت المجتمع على اتخاذ خيارات صعبة. وليس من شك في أن التكنولوجيا الجديدة ستغيِّر الصحافة. وعلى المجتمع أن يضمن أن يكون هذا التغيير نحو الأفضل. وإذا كان للصحافة الحرة والأخلاق الإعلامية أن تنجو من مخاطر الاحتيال على الشبكة الدولية، فسيكون على المجتمع أن يجيب عن الأسئلة الصعبة التي ستطرحها التكنولوجيا الجديدة عن دور الصحافة في مجتمع حر. فالتكنولوجيا، مهما كانت جبارة، يمكن أن تكون مفيدة ومجدية، بمقدار ما يقرر ذلك الجنس البشري.

للمزيد:
http://www.ojcmt.net/articles/31/317.pdf

أضف تعليق

التعليقات

صابر سالم

لقد استفدت كتيرا مما قدمتموه لنا ،وما اود ان اقوله ان الصحافة اليوم تعتبر شكل متكامل من الاعلام المرئي والمسموع والمتفاعل الذي تتكامل فيه دائرة الاتصال فلم يعد المرسل هو المرسل والمستقبل هو نفس المس..

omar sharaf

hi

ريم فهد

موضوع رائع , طرح شيق وبأسلوب منطقي مقنع ! شكراً على هذه المعلومات .