مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
سبتمبر - أكتوبر | 2018

يوسف عبدالعزيز
أرض الحَيرة الكُبرى


لعلّ السفرَ في تلك الأرض الملغّزة، أرض الشعر، هو نوعٌ من المغامرة غير محسوبة النتائج. أما هذه المغامرة فتقوم بها المخيّلة في العادة.
إنّ الشاعر حين يبدأ بكتابة قصيدته، لا يفكّر في الكيفية التي ستنتهي بها هذه القصيدة. من لحظة ألم ما، أو مسرّة ما يبدأ، ولكنّه سرعان ما ينفتح على تلك الأجواء الحلميّة المدهشة، التي لا يطالها في الواقع العياني. وكحالم، يستسلم لتلك الإشراقات التي تنبجس في طريقه، وتلوّح له من بعيد وتغويه. فالقصيدة هنا كائن يرتعش ويتنفّس، وينمو بالطريقة التي تناسبه. لكأنّ القصيدة تكتب نفسها. وكأنّ الشاعر ما هو إلا وسيط ما بين الشعر والناس.
ثمّة شبه كبير بين الشعر والحب، كما يقول الشاعر المكسيكي أوكتافيو باث، في كتابه “اللهب المزدَوَج”: “الشعر يجعلنا نلمس ما لا يُلمَس، ونسمع دوار السكون مغطِّياً مشهداً دمّره السّهاد. الحواس من دون أن تفقد قدرتها، تتحوّل إلى خوادم طيّعات للمخيّلة، فتجعلنا نسمع ما لا يُسمَع، ونرى ما لا يُدرَك بالحسّ. أَوَ ليس هذا علاوة على ما تبقى، هو ما يحدث في الحلم؟”
ثمّة علاقة ما أيضاً تجمع بين الشعر والتصوّف. لحظة الكتابة هي لحظة كشف وتجلٍّ. شيئاً فشيئاً أصبح الشاعر يتحلّل من تلك الموضوعات الجاهزة والشعارات الرّنّانة، باتجاه ما هو سرّاني وبعيد. هنا وبين يدي هذه النصوص، سوف يعثر القارئ على مزق من خرقة الشاعر المتصوف، وسوف تنبهر عيناه في تلك الأمداء البعيدة، وهو يسافر في أرض الشعر، أو أرض الحيرة الكبرى.

يمشي،
فتمحو الرّيح خطواته.
يمشي،
ويرفُّ على الحجارةِ والأشجار،
مثل ورقةِ دمعٍ طويلة.

***

فوقَ رأسِهِ يتقشَّرُ
طلاءُ السّماء،
ويئنُّ خشبها السّميك.
مِن أين لقميصِهِ
بكلِّ هذه النَّيازك!

***

صامتٌ
وفي رأسِهِ شلالُ موسيقى.
جسده يرتجف من البرد،
وبين أصابعه شتلةُ نار.

***

في التخوم البعيدة
تخفق قامته مثل سروةٍ عالية
فيما يتبعُهُ
حشدٌ هائلٌ من الظّلال.

***

يكتب،
ويدسُّ الكلامَ في جيوبِ الورقة،
لكأنَّ لهُ شمساً تتوسَّلُ العتمة.

***

أعمى بعينيه،
وأصابعه الكثيرة،
أعمى بحواسه الخمس
وضحكته المجلجلة
الملغومة بالصّمت.

***

كلّ ليلةٍ
يفتح النّافذة
ويتأمّل المشهد
هوَ، بأغصانه الكثيرة
يرقصُ مع رتلٍ هائلٍ من الأشجار.

***

حين التقاها
قال لها بشغف:
لقد انتظرتُ طويلاً
باقةَ وردكِ الولهان،
لتحطَّ في مزهريّتي
مزهريّتي المخرومة بثلاث رصاصات
سدّدَها إليّ القاتل
مزهريّتي التي هي
قلبي.

***

لنورسين صغيرين ملفوفين
بورق السّوليفان المهذّب،
قدّم اعتذارَهُ.
وتمنّى لو يرجعان إلى البحر.

 

يوسف عبدالعزيز
شاعر فلسطيني. مواليد قرية بيت عنان 1956م. يقيم في عمّان منذ 1967م. حاصل على الليسانس في الأدب العربي. يعمل محرراً في مجلة الروزنة الأردنية، التي تُعنى بالفكر النِّسوي، صدر له: (الخروج من مدينة الرماد 1980م)، (حيفا تطير إلى الشقيف 1983م)، (نشيد الحجر 1984م)، (وطن في المخيّم 1988م)، (دفاتر الغيم 1989م)، (قناع الوردة 2008م)، (ذئب الأربعين بيروت 2009م)، و(الأعمال الشعرية النّاجزة/ رام الله 2013م). حصل على جائزة الدولة التشجيعية عن ديوانه دفاتر الغيم 1990م، جائزة عرار عن مجمل أعماله الشعرية 1994م، جائزة التفرّغ الإبداعي 2007م، جائزة الدولة التقديرية عن جميع أعماله الشعرية 2017م.


مقالات ذات صلة

تمثل مفاوضات الملك عبدالعزيز – يرحمه الله – مع شركات البترول التي سعت قبل قرن من الزمن إلى التنقيب عن الزيت في المملكة، واحدًا من أهم الفصول في تاريخ المنطقة الحديث، إن لم يكن أهمها على الإطلاق، لما كان لسير هذه المفاوضات من نتائج لاحقة على مسار التنمية في المملكة وحتى على مسار الاقتصاد العالمي. […]

إنه نوع خاص من الأدب.. ذلك الأدب الذي يشمل أنواع الكتابة والإنتاج الأدبي الموجَّه للأطفال، والذي يتميَّز بأنه ذو مواصفات تتطابق مع حاجات الأطفال النفسية، ويحاول التناسب مع مدركاتهم، ويرسم أدواراً لهم في الاتجاهات المرغوبة ضمن عملية التربية، ويسهم بشكل فاعل وإيجابي في التكوين النفسي والمعرفي والعقلي في مرحلة الطفولة. فالكاتب المعني بالكتابة في أدب […]

إن “أنسنة المدن” مفهوم حيوي مستجد، جاء ضمن التفكير الجدي في حل الأزمات التي أوجدها التطوّر المتسارع وغير المتحكَّم به للمدن، ونشوء أمراض كما التوسعات (السرطانية) التي تمادت في النأي عن فحوى مفهوم المدينة باعتبارها فضاءً للعيش، هدفه جعل المدن أكثر ملاءمة للإنسان بما يضفيه من حميمية وألفة وشعور بالألق والمشاعر الطيّبة، ويطبع في خاطره […]


2 تعليقات على “يوسف عبدالعزيز”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.