مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
سبتمبر - أكتوبر | 2018

هيروشيجي
والطريق إلى كيوتو


عبود عطية

يُعدّ الفنان أوتاغاوا هيروشيجي (1797 – 1858م)، واحداً من أكثر الفنانين اليابانيين تأثيراً على الفن الحديث، ليس في بلاده فحسب، بل أيضاً في أوروبا والعالم الغربي. وقد رسم نحو 8000 لوحة، معظمها كان معداً للطباعة بواسطة حفرها على الخشب، إما لتكون ضمن كتب، وإما كأعمال منفردة ومستقلة، كانت تسمى في اليابان “أوكيو- إي”. ومن أشهر أعماله على الإطلاق في هذه الفئة الأخيرة، المجموعة المسماة “المحطات الثلاث والخمسون على توكايدو”.

ينحدر هيروشيجي من أسرة مرموقة ضمت الكثيرين من المحاربين الساموراي، بدأ دراسة الرسم قبل أن يبلغ الأربعة عشر عاماً، وكان اسمه آنذاك توكاتورو، وبعد ذلك بسنة أو اثنتين، بات مسموحاً له أن يوقِّع رسومه باسم فني، فاختار اسم هيروشيجي.
أما “توكايدو”، فهو الاسم الذي كان يُطلــق على الطريق الساحلي الذي يربط “إيدو” (طوكيو حالياً) التي كانت عاصمة الديكتاتورية العسكرية “الشوغون” بمدينة كيوتو، عاصمة الإمبراطورية فيما مضى. وعلى طول هذا الطريــق، كانت هناك ثلاث وخمسـون محطة لاستراحة المسافرين وتزويدهم بالمؤن ومستلزمات السفر.
في عام 1832م، سلك هيروشيجي هذا الطريق ضمن بعثة رسمية كانت تنقل مجموعة من الخيول هدية من الشوغون للإمبراطور، عربون اعتراف بزعامته الدينية. ولأن الرحلة كانت سيراً على الأقدام، فقد منحت الرسام الوقت الكافي للتأمل، وتركت مشاهداته خلالها أثراً عميقاً في نفسه، فرسم خلال الذهاب والإياب مجموعة رسوم تحضيرية لمناظر هذه المحطات وما يجاورها.

جزء من ثلاثة أجزاء من اللوحة الأشهر لهيروشيجي “المحطات الثلاث والخمسون على توكايدو”

سنوات المجموعات الكبيرة
خلال ذلك الوقت، كانت مجموعة الرسوم التي أنجزها الفنان هوكوزاي بعنوان “36 رؤية لجبل فوجي”، قد خرجت للتو من المطبعة، لتلاقي نجاحاً كبيراً، ولتأسر هيروشيجي بفكرة رسم مواضيع متقاربة في مجموعة واحدة. فما إن عاد إلى إيدو حتى راح يحول الرسوم التحضيرية التي أنجزها على الطريق إلى رسوم نهائية معدّة للطبع بواسطة حفرها على ألواح من الخشب. وأضاف إلى المحطات الثلاث والخمسين لوحتين أخريين تمثلان نقطة الانطلاق في الرحلة ونقطة الوصول، واكتملت المجموعة بين عامي 1833 و1834م.
تعاونت اثنتان من دور النشر في “إيدو” على طبع هذه المجموعة. وكانت النتيجة رواجاً هائلاً، جعل من هيروشيجي أهم أساتذة الفن الانطباعي في اليابان خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي. حتى إنه نفسه استساغ تكرار التجربة، فرسم لاحقاً “المحطات التسع والستون على طريق كيزو كايدو”، ما بين عامي 1835 و1842م، وقضى العقد الأخير من حياته وهو يرسم “مئة مشهد شهير في إيدو”.

وقعها العالمي
بفضل طباعة هذه الأعمال بأعداد كبيرة، وصل كثير منها إلى أوروبا، حيث أطلقت صيحة “اليابانية”. ويجمع المؤرخون على أنه كانت لأعمال هيروشيجي أثرها الكبير في ظهور الحركة الانطباعية. فقد اقتنى فان غوخ مجموعة من رسوم محطات توكايدو، ونسخ اثنتين منها. وتأثر بها أيضاً كل من سيزان ومونية وويستلر. وكانت هذه المجموعة وراء ظهور تيار في الفن الروسي الحديث عُرف باسم “مير أسكوتسفا”. وفي كتاب بعنوان “الفن الياباني” نُشر في باريس عام 1883م، ذهبت الناقدة والمؤرخة لويز غونز، إلى حد وصف هيروشيجي بأعظم رسام مناظر طبيعية في القرن التاسع عشر.
وفي أمريكا، كان المعماري العالمي فرانك لويد رايت، من كبار المتحمسين إلى اقتناء رسوم هيروشيجي، وتولى بنفسه تنظيم معرض تذكيري شامل لأعمال الفنان الياباني في عام 2006م، في معهد الفنون في مدينة شيكاغو.
ومؤخراً، في عام 2012م، سافر الفنان البريطاني كارل راندال، إلى اليابان، ليسير على خطى هيروشيجي على الطريق توكايدو الحديث، وليرسم ما صادفه من أناس ومناظر في خمس عشرة لوحةٍ عُرضت في عام 2013م في “ناشيونال بورتريت غاليري” في لندن، تحت عنوان طريق توكايدو السريع وصورة اليابان الحديثة.

 


مقالات ذات صلة

يقول الممثل روبرت دي نيرو، إن فن التمثيل هو “ذلك العالم الذي يتيح لك أن تحيا حياة الآخرين، من دون أن تكون مضطراً لأن تدفع الثمن”. وبفعل عيش حياة الآخرين ودراسة شخصياتهم في العمق، تتكوَّن لدى بعض السينمائيين وجهات نظر وأفكار على مستوى من دقَّة الملاحظة والحِكْمة يرى البعض أنها ترتقي إلى مشارف الفلسفة.

رغم انتشار ترجمات معلّقات الشعر الجاهلي وشهرتها في الثقافات الغربية، واعتبارها مصدراً للشعر العربي والغربي، إلا أن هناك عدداً قليلاً من الترجمات الكاملة والمتسقة لهذه المعلَّقات، بل لا تخلو هذه الترجمات من بعض الملاحظات السلبية، كعدم تمكُّن المترجم من الوصول إلى معنى النص أو بقائه في حيز أكاديمي بحت.

يقع متعلِّمو اللغة الإنجليزية أو اللغة العربية على كلمات يألفونها ويودّون لو يستخدمونها في أحاديثهم وكتاباتهم ولكنها لا تجري على ألسنتهم أبداً! مثلاً، يُصادف متعلِّم اللغة العربية (وهذا ينطبق على الإنجليزية) كلمات من قبيل (يعدل عن قراره) أو (يرتاد المقاهي)، ولكنه لا يستطيع أن يوظّف كلمتي (يعدل عن) أو (يرتاد) في لغته الخاصة رغم معرفته لمعانيها؟ فما المشكلة المتسببة في ذلك؟ وما الطرائق لحلها؟


0 تعليقات على “هيروشيجي”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *