مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
يوليو - أغسطس | 2018

نفق الجاذبية


حسن الخاطر

الحركة التوافقية البسيطة، هي أشبه بحركة بندول الساعة

يبلغ عمق بئر كولا في روسيا نحـــو اثني عشر كيلومتراً، وهي أعمق حفرة استطاع أن يحفرها الإنسان حتى الآن. ولو قمنا بإسقاط حجرٍ في هذه البئر، فإنه سوف يصل إلى القاع في فترة وجيزة وبسرعة هائلة جداً. فهل يمكننا أن نبتكر طريقاً مختصراً يهدف إلى تقليل وقت السفر بين نقطتين على الأرض، وذلك عن طريق حفر نفق يخترق مركز الكرة الأرضية ونستخدمه كوسيلة مواصلات في المستقبل؟

فكرة نفق الجاذبية
ولدت فكرة نفق الجاذبية في القرن السابع عشر الميلادي حين ناقش العالم البريطاني روبرت هوك في رسالة كتبها إلى إسحاق نيوتن إمكانية حفر نفق داخل الأرض كوسيلة مواصلات سريعة بين نقطة وأخرى. والفكرة نفسها عاودت العالِم الرياضي موبرتيوس والفيلسوف فولتير في القرن الثامن عشر الميلادي، وتم تقديمها كمشروع تقني في القرن التاسع عشر إلى الأكاديمية الفرنسية للعلوم. وفي عام 1909م، كتب عالم الفلك الفرنسي كميل فلاماريون مقالاً في مجلة “ستراند”، وهي مجلة مهتمة بالخيال العلمي، ناقش فيه هذه المسألة. وبعد عدة عقود، أعيدت مناقشتها مجدداً كمشروع علمي مستقبلي من قبل عالم الفيزياء بول كوبر الذي نشر بحثاً عام 1966م في المجلة الأمريكية للفيزياء بعنوان “عبر الأرض في أربعين دقيقة” (Through the Earth in Forty Minutes) يشير فيه إلى أن قطارات الجاذبية مشروعات نقل مستقبلية.

السرعات داخل النفق
إذا افترضنا أن هذا النفق الخيالي بات موجوداً بالفعل، فكيف سينتقل جسم ما عبره؟
إذا تجاهلنا مقاومة الهواء وتأثيرات دوران الأرض، وتعاملنا مع الأرض على أنها كرة دائرية تماماً وذات كثافة موحدة مثل قطعة الرخام، فسوف يسقط الجسم بسرعة ابتدائية مقدارها الصفر، وفي هذه الحالة تكون طاقة وضع الجاذبية أعلى ما يمكن، وهي طاقة كامنة ناشئة عن ارتفاع الجسم عن مركز الأرض وسببها قوة الجاذبية، بينما تساوي الطاقة الحركية صفراً. ثم يبدأ الجسم بالتسارع تحت تأثير قوة الجاذبية نحو مركز الأرض، حيث يتم تحويل طاقة الوضع إلى طاقة حركية. وسوف يصل هذا الجسم إلى المركز بسرعة تبلغ حوالي ثمانية كيلومترات في الثانية، وهي سرعة كبيرة تجعل من توقفه في المركز أمراً مستحيلاً. وفي تلك اللحظة، تكون الطاقة الحركية للجسم أعلى ما يمكن، بينما طاقة وضع الجاذبية تساوي الصفر، وبعدها سوف يتباطأ لأن قوة الجاذبية تحاول شده إلى الخلف، ذلك أن التسارع هو في الاتجاه المعاكس بالنسبة للمسار. وسوف تتحوَّل الطاقة الحركية المكتسبة إلى طاقة وضع، حتى يصل الجسم إلى الطرف الآخر بسرعة مقدارها الصفر، إذ إن السرعة المكتسبة ستكون كافية لإلغاء التباطؤ بالضبط، ثم يعود الجسـم مرة أخـرى يتأرجــح مراراً وتكراراً بين الطرفين إلى ما لا نهاية بناءً على قانــون حفظ الطاقة الميكانيكية.
تعرف هذه الحركة باسم الحركة التوافقية البسيطة، وهي أشبه بحركة بندول الساعة. وإذا استطعنا أن نتحكم في التوقف بين الطرفين فسنكون قادرين على السفر من خلال الأرض تحت تأثير قوة الجاذبية فقط، ومن دون الحاجةإلى أي وقود!

كم تستغرق الرحلة؟
يُعرف الزمن الدوري للحركة التوافقية البسيطة بأنه الزمن اللازم لعمل دورة كاملة. وبالرجوع إلى قانون الزمن الدوري، نلاحظ أن الزمن الدوري في حالة المثال الذي نحن بصدده يساوي 84 دقيقة، بمعنى أن زمن الرحلة سيكون 42 دقيقة فقط! وهذه المدة الزمنية قصيرة جداً مقارنة بالساعات الكثيرة التي تستغرقها الطائرة لتقطع نصف الكرة الأرضية. ولو افترضنا أن النفق يعمل بشكل مستقيم بين نقطتين دون المرور بمركز الأرض، ففي هذه الحالة نلاحظ أن قوة الجاذبية على طول الطريق ستكون أضعف لوجود زاوية بين النفق ومركز الأرض مما سيطيل وقت الرحلة، لكن المسافة ستكون أقصر، وهذا يعني أن المدة الزمنية ستكون أقل، وهذان التأثيران يلغيان بعضهما بعضاً، وإذا قمنا بتطبيق معادلات الحركة، فستكون النتيجة مدهشة أن وقت اجتياز أي نفق مستقيم عبر الأرض يربط بين نقطتين 42 دقيقة! بصرف النظر عن طول النفق! فتخيَّل أنك تسافر في نفق يربط بين مدينتي لوس أنجلس ونيويورك في مدة زمنية قدرها 42 دقيقة! وهي المدة نفسها التي ستستغرقها بين مدينتي هيوستن ودالاس! وبين مدينتي الرياض وطوكيو! بمعنى أنك تستطيع أن تسافر من الرياض إلى أي مدينة في الأرض في 42 دقيقة فقط!

نفق الجاذبية بين الواقع والخيال
شكَّل مشروع نفق الجاذبية أرضاً خصبة لكتّاب الخيال العلمي، وكمثال على ذلك، كتب جول فيرن في القرن التاسع عشر الميلادي روايته المشهورة رحلة إلى مركز الأرض يتخيل فيها وجود نفق في جزيرة أيسلندا البركانية يصل إلى مركز الأرض.
كذلك تم التطرق للفكرة نفسها من قبل لويس كارول في روايته الفنتازية “سيلفي وبرونو”. وعلى الرغم من جمال المشروع، فهناك تحديات تقنية وهندسية وجيولوجية لتنفيذه. فدرجة حرارة باطن الأرض هي نفسها درجة حرارة سطح الشمس، وتبلغ ستة آلاف درجة مئوية! والضغط في مركز الأرض يبلغ 360 جيجا باسكال وهذا يعادل 3.6 مليون مرة من الضغط الجوي على سطح الأرض! كما أن اللب الداخلي للأرض يتألَّف من الحديد والنيكل، وهو عند النواة جامد على الرغم من حرارته الشديدة بفعل الضغط الهائل عليه، فنحن بحاجة إلى مواد قادرة على مقاومة هذه الظروف القاسية في باطن الأرض من ضغط وحرارة لتغليف نفق الجاذبية بها.

تستطيع أن تسافر من الرياض إلى أي مدينة في الأرض في 42 دقيقة فقط!

إن إمكانية حفر نفق الجاذبية صعبة جداً. فأطول نفق استطاع الإنسان أن يحفره لا يزيد طوله على 12.262 كم، بينما يبلغ طول قطر الأرض 12742كم، وهذا يعني أن النسبة هي واحد من ألف! وإذا افترضنا أن المشروع الهندسي لبناء النفق من خلال مركز الأرض قد اكتمل، فهناك مهمة تقنية صعبة جداً وهي تفريغ النفق من الهواء! كذلك مسألة الاحتكاك بين قطار الجاذبية والسكة التي يمشي عليها! وفي هذه الحالة سوف نلجأ إلى استخدام الموصلات الفائقة لتجاوز ذلك.
وإضافة إلى ذلك، هناك مشكلة جيولوجية تحتاج إلى حل، فالصفائح التكتونية للأرض هي في حركة دائمة، وهي السبب الرئيس في تكوّن التضاريس وحدوث الزلازل والبراكين، مما يعني أن نفق الجاذبية سيكون معرضاً للانهيار في أي وقت!
إن التقنيات المتاحـة في يومنـا هذا أبعد ما تكون عن تجاوز هذه التحديات. ولذلك، فإن السفر عبر نفق الجاذبية سيتحقق في خيالنا فقط. وعلى الرغم من ذلك، فإن مشروع نفق الجاذبية يبقى ممكناً وليس مستحيلاً، وربما يكون إحدى وسائل النقل للجيل القادم ولو بشكل جزئي على مستوى المسافات القصيرة.


مقالات ذات صلة

شهد قطاع التعلّم والتعليم خلال السنوات الأخيرة تطوُّرات ملحوظة بفعل تطوُّر التكنولوجيا. وأصبح البحث على شبكة الإنترنت جزءاً من التعلّم المدرسي، كما حلّت الأجهزة اللوحية محل الكتب أو بعضها في المدارس “الطليعية”. ولكن كل هذه التطوُّرات التي أدهشتنا بالأمس القريب، قد تفقد بريقها أمام ما هو مُرتقب من دخول الذكاء الاصطناعي قطاع التعليم، الأمر الذي بدأ يطل برأسه فعلاً، واعداً بتحوُّلات غير مسبوقة في مجال هذا القطاع.

كيف يمكننا تحديد عمر أحفورة أو مستحاثةٍ أثرية؟ أو عمر الفراعنة؟ أو عمر تلك المخطوطات التي وجدت في البحر الميت؟
في عام 1960م، مَنحت الأكاديمية السويدية للعلوم جائزة نوبل في الكيمياء لعالِم أمريكي يدعى ويلارد ليبي، لاكتشافه طريقةً لتحديد عمر مثل هذه الأشياء القديمة تسمى “التأريخ بالكربون”.

لا أحد منا لم يُصَبْ ذات يوم بجرح -سواء كان سطحياً أم عميقاً- في جزء ما من أجزاء جسمه، في أثناء قيامه بشؤون معاشه وحياتــه اليوميــة. ومثل هذا النوع من الإصابات في حقيقته ظاهرة مألوفة، والإنسان -صغير السن كان أو كبيراً- اعتاد أمراً كهذا وخبره، ولاسيما أنه محاط من جميع الجهات بمصادر مختلفة ذات طبيعة مؤذية، تجعله عُرضة لمثل تلك الإصابات.


3 تعليقات على “نفق الجاذبية”

  • حتى لو قلنا إنها خيال إلا إنها خضعت كفكرة للنقاش العلمي وربما يحصل من تصادم هذه النقاشات تولد أفكار جديدة تعطي نفس النتيجة بوسائل أسهل .
    دمت موفقا وإلى الأمام

  • عندما تبدأ قراءة المقال فإنك تعيش عالم آخر.. عالم الخيال الذي يفتح آفاق واسعة تجعل من المستحيل ممكنا.
    فكثير من المستحيلات اصبحت بمرور الوقت واقعا وليس خيالا..
    وقد أبدع الكاتب في خلق صورة ذهنية جميلة لما قد نصل إليه لو سمحنا لخيالاتنا العلمية أن تبحر في واقعنا

  • الفكرة جميلة جدًا ، رغم التحديات و العوائق التي طرحها الكاتب في المقال يظل هناك أمل كبير في تحقيقها بشكل أو بآخر مع تواكب الاختراعات و التقنيات التي تذلل تلك العوائق .
    الشكر الجزيل لمجلة القافلة و للكاتب الاستاذ حسن الخاطر الذي أخذنا في مقالة لرحلة علمية من سطح الواقع إلى باطن الخيال .


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *