مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
يوليو – أغسطس | 2020

موتسارت وبراغ


ناصر كامل

تكتسب علاقة موتسارت بمدينة براغ معاني أهم من علاقته بمسقط رأسه، ومكان مرقده الأخير. وقد عبَّر عن عمق تلك العلاقة حين قدّم للمرة الأولى في عام 1787م أوبرا “دون جيوفاني” على أحد مسارح المدينة، قائلاً إنه كتب هذا العمل من أجل براغ نفسها، ولكي يستمتع به سكانها وأصدقاؤهم. ولم تكن تلك الكلمات مجاملة للمدينة وسكانها، بل تعببراً صادقاً عن مدى الولع المتبادل بينه وبين المدينة وسكانها. فبراغ؛ في ذلك الحين، كانت في قمة مسعاها لشغل مكانة مميزة كواحدة من عواصم الثقافة الأوروبية، فمنحت موتسارت مكانة خاصة تليق به. وقد بادلها الشعور.

بين عامي1787 و1791م، زار موتسارت براغ خمس مرات. وقد كانت المدينة جذَّابة للغاية كوجهة ثقافية وفنية، وبزّت فيينا بعوامل موضوعية عدة.

لا يجادل أحد في أن موتسارت المولود في 27 يناير 1756م في سالزبورغ بالنمسا، يُعدُّ من أشهر المبدعين في تاريخ الموسيقى، ويعدَّه البعض أعظمهم على الإطلاق. ويتوقف كثيرون عند وقائع عبقريته. فقد بدأ يتدرَّب على العزف على البيانو وهو في الرابعة، وفي السادسة ألف مقطوعتين، وقاد أوركسترا وهو في السابعة. ثم بعد عام، تنقل به والده، وبشقيقته الموهوبة هي الأخرى، بين عواصم أوروبية كبرى، عارضاً موهبتهما المعجزة على الأسر الحاكمة والنبلاء والأثرياء. ثم عادت الأسرة إلى سالزبورغ، حيث بدأت تظهر سلسلة المؤلفات الموسيقية الغزيرة التي وضعها الفتى النابغة. فعرف موتسارت شهرة طاغية في فيينا؛ التي توفي ودفن فيها في عام 1791م، مخلفاً وراءه 626 عملاً موسيقياً، بين كونشرتو وسيمفونية وأوبرا.

زياراته إلى براغ
بين عامي1787 و1791م، زار موتسارت براغ خمس مرات. وقد كانت المدينة جذَّابة للغاية كوجهة ثقافية وفنية، وبزّت فيينا بعوامل موضوعية عدة. فقد احتفظت براغ دائماً بمكانة مميزة كعاصمة مملكة بوهيميا، على الرغم من أن ملكها كان إمبراطور “الإمبراطورية الرومانية الجرمانية المقدسة” الذي كان يعيش في فيينا. وكانت براغ تمر؛ خلال تلك الفترة، بمرحلة انتعاش أدت لتكوين جمهور موسيقي أكبر بكثير مما كان موجوداً فيها قبل بضعة عقود فقط من ذلك الوقت. وأدى ذلك الانتعاش في حياة المدنية إلى بناء مسرح أوبرا جديد رائع، افتتح في عام 1783م، وعرف وقتها باسم “المسرح الوطني لمملكة بوهيميا”.
تلك الصورة التي تظهر فيها براغ في مواجهة سالزبورغ وفيينا ما زالت تعطي تأثيرات تتجاوز المعطى التاريخي والتحوُّلات السياسية والثقافية خلال أكثر من قرنين. حيث أسماء الدول وحدودها فبوهيميا الآن هي دولة التشيك (عرفت لسنوات باسم تشيكوسلوفكيا)، وبهذا الاسم تجلت المواجهة الأخيرة. فقبل بضع سنوات ظهر خلاف تشيكي نمساوي حول موتسارت نتيجة حملة دعائية قامت بها وكالة السياحة التشيكية في النمسا للترويج لتشيكيا سياحياً، وركزت على حقيقة أن موتسارت أقام في تشيكيا خمس مرات.

لمعان براغ الفني والثقافي
في تفسير أسباب وطبيعة الولع المتبادل بين براغ وموتسارت، أو بينه وبين بوهيميا؛ فنياً وثقافياً، يبرز واقع تاريخي ثقافي يتمثل في أن مواطني براغ؛ قبل تلك الفترة بقليل، كانوا على الأرجح الأدرى بالموسيقى بين مواطني أوروبا بسبب نظام فريد لتعليم الموسيقى نشأ في الأراضي البوهيمية بعد هزيمة النبلاء البروتستانت في تمردهم عام 1620م، ضد أسرة هابسبورغ، التي عادت بالبلاد؛ قسراً إلى الكاثوليكية، وكان جزء من جهود تلك العودة هو تعزيز موسيقى الكنيسة الكاثوليكية. فتم تقديم التعليم الموسيقي للبنين والبنات كجزء طبيعي من التعليم الابتدائي في جميع أنحاء مملكة بوهيميا، مما أدَّى إلى تدريب نسبة كبيرة من السكان؛ بشكل غير عادي، على الغناء أو العزف على الآلات الموسيقية. ولم يكن التدريب يهدف أبداً إلى تعزيز الوظائف المهنية، بل إلى تسهيل المشاركة في الطقوس الدينية، ولذلك نُظر إلى البوهيميين على أنهم موهوبون بشكل طبيعي موسيقياً مثل الإيطاليين، ولكنهم مدربون بشكل أفضل على التدوين والجوانب التقنية الأخرى لصنع الموسيقى، وهم لذلك متذوقون ماهرون للموسيقى، ومنفتحون على كل جديد.
حققت زيارة موتسارت الأولى إلى براغ في بداية عام 1787م نجاحاً هائلاً. فقد تم تقديم السمفونية رقم 38، المُسماة “براغ” وهي؛ كما هو واضح، تتناول المدينة وسكانها. وعرضت أوبرا “زواج فيجارو”؛ التي كانت قد عُرضت لأول مرَّة في فيينا في أواخر عام 1786م، حيث حققت نجاحاً ملحوظاً لم يدم طويلاً، فقد تراجعت شعبيتها في فيّنا بعد تسعة عروض فقط، لكنها حازت في براغ نجاحاً مذهلاً. وكتب موتسارت بفخر لوالده، “هنا لا يتحدثون عن شيء إلا زواج فيجارو. لم يعزف شيئاً أو يغني أو يصفر إلا فيجارو. لم تجذب أي أوبرا مثل فيجارو. لا شيء سوى فيجارو. بالتأكيد، هذا شرف كبير لي”.
وحظى موتسارت بتكريم باذخ أينما حلَّ في المدينة، وفي إحدى الليالي ارتجل عزفاً منفرداً على البيانو أثناء أدائه لمقطع من زواج فيجارو، وكتب واصفاً صدى استقبال الجمهور له: “أعتبر هذا اليوم أحد أسعد أيام حياتي”. ويعُدُّ كثير من النقاد الموسيقيين أن مستوى حفاوة وإعجاب الجمهور بموتسارت خلال تلك الزيارة لم يسبق له مثيل بالنسبة لأي موسيقي خلال القرن الثامن عشر سواء أكان مؤلفاً أو مؤدياً.
ثم كانت الزيارة الثانية في نهاية العام نفسه للمساعدة في الإشراف على الأداء الأول لأوبراه “دون جيوفاني”؛ التى كتبها بناءً على طلب من البوهيميين. وفي الليلة التي سبقت العرض الأول، خرج مع أصدقائه للنزهة وعندما ذكَّروه أنه لم يكتب بعدُ مقدِّمة الأوبرا، فعاد مسرعاً إلى مقر سكنه في المدينة، وأبقته زوجته مستيقظاً بالغناء له، ليكتب في ساعات قليلة واحدة من أشهر مقدماته الموسيقية.

الزيارتان؛ الثالثة والرابعة، كانتا عابرتين وهو في ذهابه وعودته من فيينا إلى برلين (ربيع عام 1789م)، وفي الربيع التالي كان موتسارت يمر بمشكلات مادية، ثم جاءته آخر ثلاثة تكليفات، أولها يتعلق بالأوبرا “الناي السحري”، والثاني كان طلباً من غريب مجهول الاسم، عرض عليه مبلغاً كبيراً ليؤلف سراً مقطوعة موسيقىة جنائزية، ثم يرسلها إليه من دون أي إعلان عن اسم المؤلف، والثالث جاء من براغ لتأليف أوبرا “عفو تيتو” لمناسبة وشيكة، وهي تتويج ليوبولد الثاني ملكاً على بوهيميا.
اليو، تُعدُّ أوبرا “الناي السحري” وصية موتسارت الفكرية والجمالية. وينظر إلى موسيقاه الجنائزية باعتبارها وصيته الروحية والموسيقية، أما “عفو تيتو”؛ التي أخذته إلى زيارته الخامسة والأخيرة لبراغ، فلم ترق للجمهور لأسباب سياسية لا تمت إلى موسيقى موتسارت، ومن أجل ذلك أطلقوا عليها اسم “مسرحية القذارة الألمانية”. وعلى عكس أول زيارتين، لم يكن الموسيقار وهو يعيش أواخر أيامه مركز الاهتمام في زيارته الأخيرة. فقد طغت احتفالات البلاط الإمبراطوري على أنشطته كثيراً.
لكن بوهيميا استدركت في مشاعرها؛ فالحزن على وفاة موتسارت في براغ تجاوز بكثير ما شهدته أي مدينة أوروبية أخرى. إذ أُقيم له احتفال تكريمي ضخم، شارك فيه أكثر من مئة موسيقي، لم يقبلوا أجراً مقابل جهودهم، وأخذ بعض مواطني براغ على عاتقهم توفير إعالة لأرملته وأيتامه.


مقالات ذات صلة

يقول الممثل روبرت دي نيرو، إن فن التمثيل هو “ذلك العالم الذي يتيح لك أن تحيا حياة الآخرين، من دون أن تكون مضطراً لأن تدفع الثمن”. وبفعل عيش حياة الآخرين ودراسة شخصياتهم في العمق، تتكوَّن لدى بعض السينمائيين وجهات نظر وأفكار على مستوى من دقَّة الملاحظة والحِكْمة يرى البعض أنها ترتقي إلى مشارف الفلسفة.

رغم انتشار ترجمات معلّقات الشعر الجاهلي وشهرتها في الثقافات الغربية، واعتبارها مصدراً للشعر العربي والغربي، إلا أن هناك عدداً قليلاً من الترجمات الكاملة والمتسقة لهذه المعلَّقات، بل لا تخلو هذه الترجمات من بعض الملاحظات السلبية، كعدم تمكُّن المترجم من الوصول إلى معنى النص أو بقائه في حيز أكاديمي بحت.

يقع متعلِّمو اللغة الإنجليزية أو اللغة العربية على كلمات يألفونها ويودّون لو يستخدمونها في أحاديثهم وكتاباتهم ولكنها لا تجري على ألسنتهم أبداً! مثلاً، يُصادف متعلِّم اللغة العربية (وهذا ينطبق على الإنجليزية) كلمات من قبيل (يعدل عن قراره) أو (يرتاد المقاهي)، ولكنه لا يستطيع أن يوظّف كلمتي (يعدل عن) أو (يرتاد) في لغته الخاصة رغم معرفته لمعانيها؟ فما المشكلة المتسببة في ذلك؟ وما الطرائق لحلها؟


0 تعليقات على “موتسارت وبراغ”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *