مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
سبتمبر – أكتوبر | 2019

محمد السلمان وتحرّي الصدق الفني في ثلاثة أفلام


فريق القافلة

يعدُّ الصدق الفني شرطاً لا بد من توافره في الفِلْم السينمائي، كي يمكن تصنيفه في فئة الأفلام الواقعية، وذلك بغض النظر عما كان موضوعه يمثل حالة عامة أم حالة استثنائية، وفي الأفلام الثلاثة التي أخرجها الشاب السعودي محمد السلمان، حتى الآن، اجتهاد واضح في جعل كاميراته تنقل ما هو صادق فنياً، ومن واقع البيئة والسلوكيات والحياة التي عرفها وعاشها في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، بما فيها من ثقافة وموروثات اجتماعية.

المخرج محمد السلمان

فِلْم “لسان”..
الخرافة وتصديقها

يتيح لنا فِلْم “لسان” الدخول إلى قلب الحياة الريفية وحياة المزارعين في منطقة الأحساء، وينتقل الفِلْم إلى عالم الفلاحين، حيث تدور قصة الفِلْم المستوحاة من قصة حقيقية، كما ذكر في تتر بداية الفِلْم، حول إنسان بسيط اسمه خليل واقع تحت تأثيرات المعتقدات الغرائبية الموروثة في المنطقة، أو بعبارة أخرى يمكن وصفه بأنه شخص مسحور.
الفِلْم من تمثيل حسين اليحيى وماجد السيهاتي، وإنتاج قاسم الشافعي، وإدارة التصوير علي الشافعي، والمشرف التقني يعقوب المرزوق، وموسيقى محمد الحداد، وسيناريو وإخراج محمد السلمان. مدة الفِلْم 15 دقيقة. حصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة في الدورة الرابعة لمهرجان أفلام السعودية 2017م.
أهم ما يميز الفِلْم أن التعبير البصري واختيار اللقطات القريبة والبعيدة وكذلك الزوايا والإضاءة قد اشتغلت بحرفية لا تغفل الجمال المكاني، كما أسهمت الموسيقى التصويرية وانضباط المونتاج في رفع فنية الفِلْم، ودعم هذا وذاك جودة التمثيل والأداء الدرامـي الذي قام به الممثـلان الرئيسان في الفِلْم.

عن قصة حقيقية
خليل، مزارع مجتهد ويمتلك “بقرة” تشكل سراً غامضاً في حياته، فهو يعتني بها كثيراً، لكن صديقه نوح الذي اعتاد زيارته في المزرعة، ويهتم ببعض الأمور الوهمية، يوهمه بأنه تحت تأثير خفي، وأن روح زوجته تسكن البقرة، ولا بد من فك طلاسم ما.
تنساب موسيقى وأغنية “صرت يا سمرا” حيث يُفتح المشهد الأول من الفِلْم على منظر سيارة خليل في مكان ما في البرية، نكتشف لاحقاً بأنه “المقبرة” المدفونة بها زوجة خليل.
ومن هنا نجد أن السرد يوحي بأن “السمراء” هي زوجة خليل المتوفاة. ولكن ثَمَّة علاقة غامضة بين بقرة خليل وروح زوجته، وفي الخلفيات يعرف المشاهد أن خليلاً كان يحب زوجته، نشاهده وهو يرش الماء على قبرها، ويجلس عنده ويناجيها بحزن عميق ويناديها باسمها: شكرية، ويقول لها: إنه سوف يتزوج عليها.
يعود خليل من المقبرة، فيجد البقرة في حجرته تشاهد التلفاز، أو هكذا تخيّل، فيصاب بالرعب والاضطراب، ثم نشاهد لقطة من فِلْم مرعب على التلفزيون، يقول فيها الممثل: ليس هناك مفر من الجانب المظلم.
تتوالى الأحداث بما يوحي بأن أموراً مريبة تحدث في المزرعة، فيهتف بأعلى صوته: أخرجوا أيها العمّار.. أخرجوا أيها العمّار. فيظهر نوح الذي يوجه له خليل سؤاله: أين البقرة؟ يخبره أنه قابل قرين شكرية. وأنه تحت تأثيرها. وأنها سلطت عليه العفاريت والجان.
وفي اليوم التالي يأتي نوح ويصطحب خليلاً، ويقول له: ما نفعله يجب أن تؤمن به وإلا فسد كل شيء. سوف تلتقي مَن هي داخل البقرة، تحدث معها واعرف ما تريده منك. وفي نهاية الأمر إذا لم تفك الطلاسم منك، فإن الأمر يحتاج إلى دم.
تتلبس روح شكرية شخص نوح، فيصبح يتحدث بصوتها. فتقول له: أنا شكرية وهي أخذتك مني.
يتركنا السرد أمام هذه المفارقة نتساءل عن مدى حقيقة مثل هذه القصص المنتشرة في الثقافة الشعبية، ولا نجد سوى الدهشة وعدم وجود تفسير منطقي، فربما نقول في نهاية الأمر: خرافات. ورغم أن الفِلْم يتطرق لخرافة إلا أن صدقه الفني ونقله من الواقع كان وراء تقصي ما هو حاصل بالفعل في الواقع.

فِلْم “ستارة”..
مجتمع يحث على الاختباء

في هذا الفِلْم يأخذ السلمان المشاهد إلى الموروث المتواتر في المجتمع في مسألة التستر وحجب ما يمكن مشاهدته دون حرج، ولكن المجتمع قد فرض بعاداته وتقاليده أعرافاً صارمة لا يمكن تجاوزها بسهولة، ومرة أخرى نلمس الصدق الفني في تناول الواقعية الاجتماعية.
“ستارة” من كتابة محمد السلمان، وإنتاج محمد الهليل وقاسم الشافعي، وإدارة التصوير علي الشافعي، وموسيقى محمد الحداد، وشارك في التمثيل علي الشواني، وناصر الربيعان، وأضوى فهد، وخالد الخليفة. مدة الفِلْم 14 دقيقة.
ربما هناك تناول فلسفي للموضوع، أو بثه في سياق يدعو للتأمل، ومنه حث للمشاهد على التداخل مع فكرة الستارة والحجب وفي المقابل ما وراء كشف المحجوب والمستور وانعكاسات ذلك على مفاهيم المجتمع من زاوية قبولها أو رفضها.

السرد المتأني
من خلال سرد فِلْمي هادئ نشاهد في المشهد الأول أن فتاة تسدل ستار النافذة، حتى لا يرى أو يسمع الجيران والدها وهو يغني ويعزف على العود. بعده نشاهد فتيات، ممرضات، في حجرة الملابس في أحد المستشفيات العامة، وقد شرعن في تزيين أنفسهن بمستحضرات التجميل، ليخرجن لممارسة عملهن الوظيفي، ونتعرف على ممرضة تدعى مريم (الممثلة زارا البلوشي)، وهي حريصة كل الحرص على غطاء وجهها بالنقاب، حتى تزاول مهنتها دون أن يرى زملاؤها أو المرضى وجهها، وذلك خوفاً من انكشاف شخصيتها ويعرف الجميع أنها ابنة الرجل الذي يغني ويعزف على العود.
ولكن يحدث أن يسقط نقاب مريم من الشرفة، فينكشف وجهها، ولم تجد مفراً من ممارسة العمل في ذلك اليوم بدون غطاء الوجه، ثم في مشهد بحجرة المرضى تتصاعد الأحداث ويتعرَّف المرضى وكذلك العاملون في المستشفى على وجه مريم. تجد أنه لم يحـدث شيء يجبرهـا على غطـاء وجهها أثناء تأدية العمل، فتمشي في ممرات المستشفى وكلها ثقة في نفسها. ولكن في لقطة أخيرة نجدها تضع النقاب مرة أخرى وهي تستعد للخروج من المستشفى بعد انتهاء ساعات العمل. وينتهي الفِلْم.
هكذا يترك الفِلْم للمشاهد مساحة للتفكير والتأمل، وهو لا يملي عليه قناعاته، بل يتركه أمام أسئلة تبحث عن إجابات.

فِلْم “27 شعبان”..
كوميديا سوداء واقعية

لا يحيد السلمان عن واقعيته المعتادة، ولكنه ينحى في هذا الفِلْم إلى الكوميديا السوداء، بما يثير الضحك والتفكير في المفارقة في آنٍ واحد، والعنوان في هذا الفِلْم: 27 شعبان، يشير إلى تاريخ عيد ميلاد فتاة تدعى نوف (الممثلة عبير العتيبي) التي تحتفل به مع حمود (الممثل حسين اليحيى) في إحدى المطاعم.
وهنا يلتقي حمود ونوف، في أجواء من القلق والارتباك، وفي هذه المشاهد نلمس مدى إجادة الممثل والممثلة لدوريهما.
مدة الفِلْم 12 دقيقة، ومن السرد البصري نعرف أن الاحداث وقعت في عام 2005م، وبسبب ارتباك وخوف نوف وحمود، يقعان في مواقف مضحكة، بل إن الحوار الذي يدور بينهما يبعث على مزيد من الضحك. وهنا نقف أمام عادات المجتمع واصطدامها بتطورات العصر والخوف من اختراق هذه العادات التي لا يرضى المجتمع بتبديلها.
هكذا نفرغ من أفلام محمد السلمان بما يبشر بولادة مخرج متمكن من أدواته السينمائية، ومن اتجاهه الفني الذي قد يقوده إلى تحقيق أفلام طويلة ذات قيمة فينة ونقدية عالية المستوى.


مقالات ذات صلة

اليوم الدراسي الأوّل هو يوم مُبجَّل في ذاكرة الطلاب. ففي ذلك اليوم، كل طالب يذهب وهو مثقل بالخيالات التي تشكَّلت في داخله عن المدرسة وعوالمها، يذهب وهو معبأ بوصايا الوالدين ومحفوفاً بدعواتِهم. إنه يوم تاريخي تستعاد ذكرياته عندما يتقدَّم بنا العمر، وعندما تكسو ذلك اليوم ظلال الأشياء وأعباء الحياة. إنه اليوم الذي يتخلَّى فيه الطفل […]

أنْ تُولد بملَكةٍ لُغويّة [جبّارة] مقارنةً بأقرانك فقد وُهِبتَ آلةً بالغة التفوّق تُمَكِّنك من العيش ببراعة، وما عليك إلا الثقة بها والحِفاظ عليها. حسناً! لنتّفق -بدايةً- على تعريفٍ جامعٍ لماهية الذكي لُغويّاً، إضافةً إلى مخزونه اللغويّ الواسع وقدرته على التصرّف بالكلمات -كوحدة لُغويّة-، ونَفَسه الجدليّ العالي، وقابليّته الذهنية لتعلّم اللغات، فهو مَن يُعطي اعتباراً للمتلقي، […]

في الأول من يونيو من العام الجاري، افتتح متحف “الإرميتاج” في روسيا معرضاً عالمياً تحت عنوان “الذكاء الاصطناعي والحوار بين الثقافات”، شارك فيه أربعة عشر فناناً من ثماني دول إضافة إلى الدولة المضيفة. وتمثل الفن السعودي المعاصر في هذا المعرض الذي استمر لمدة شهر، بأعمال بارزة للفنانة لولوة الحمود، إضافة إلى رفيقتها دانية الصالح، جاورت […]


رد واحد على “محمد السلمان وتحرّي الصدق الفني في ثلاثة أفلام”

  • صور جميلة يفرضها بحب على كل من يشاهد افلامه المخرج محمد السلمان وبدون اَي تكلف عالي العمق وبنعومة السرد الخيالي خصوصاً على الأقل مما الاحظ ان تلك الصور وأفلامه تلك

    فهو ينقلها من الثقافة وجماليات الانسان الاحسائي البسيط وعلو الشأن الثقافي في ذات المنطقة

    شاهدت الأفلام الثلاثة على فترات عروضها ولم اجد اَي اختلاف في قوة الإخراج والتحكم بتسلسل الصورة

    ولكن فلم ستارة هو الذي جعلني احتاج الى كثير من التمعن لاستنباط ما يدور من افكار يريد طرحها محمد السلمان رغم اني استمتعت باداء الممثلين


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *