مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
سبتمبر - أكتوبر | 2018

فِلْم “جليد”
رحلة شيقة إلى القطب المتجمِّد الشمالي


خالد ربيع السيد

عندما عزم مواطنان سعوديان، هما مدرِّب الغوص، حسام شكري، الحاصل على ماجستير إدارة أعمال، وطبيبة الأطفال الدكتورة مريم فردوس، على الذهاب إلى قمة العالم في القطب المتجمِّد الشمالي، ليكونا بذلك أول عربيين سعوديين يحققان ذلك، رغم ما يكتنف هذه المغامرة من صعوبات ومخاطر، ما كان من المخرج عبدالرحمن صندقجي إلا أن يتبعهما، بكاميراته وفريق التصوير وأسلوبه الرشيق في الإخراج، ليتحفنا بوثيقة فنية مدتها 31 دقيقة.. إنه فِلْم «جليد» الوثائقي الاستقصائي، الذي اكتملت فيه عناصر الفِلْم الممتاز.

لأن الرحلة إلى القطب الشمالي والغوص تحت جليده إنجاز يستحق التوثيق، قرَّر المخرج تحرير السيناريو ومتابعة التصوير وإنتاج الفلم، كي يسجّل تلك التجربة الفريدة بطريقة شيقة. وهو بالفعل يمتلك أدوات اللغة السينمائية الممتعة، وفعل ذلك ليلهم نفوس المشاهدين الذين يطمحون إلى تحقيق أهداف دونها صعوبات جمّة.
ينقل الفلم التفاصيل الدقيقة لهذه الرحلة بتصوير بطليها وهما يسردان القصة بعفوية محببة. فيحكيان ما حدث بأسلوبهما اللطيف التلقائي.. لكن تقنية المخرج في إدخال مشاهد خارجية أثناء حديثهما عن مراحل الرحلة، واستخدامه لمؤثرات موسيقية وصوتية وغرافيكية، هو ما خلق متعة بصرية للفِلْم، وأوجد لغة سينمائية رصينة، يدعمها مونتاج محترف لا يترك للملل طريقاً يتسرب منه للمشاهد، لا سيما وأنه يتنقل بين أماكن تراها عين المشاهد لأول مرة، ويقدِّم معلومات شيّقة عنها.

الرحلة التمهيدية أولاً
يشترط القيام بالرحلة الكبرى إلى القطب الشمالي القيام برحلة تحضيرية أولى إلى روسيا، حيث تفرض الشركات التي تتولى تنظيم هذه الرحلات تدريبات قاسية تتضمَّن حتى عشرين غطسة في مياه البحر الأبيض المتجمِّد، أي في بيئة مشابهة نسبياً للبيئة القطبية، ودون هذه الرحلة التمهيدية عوائق وصعوبات تمكّن المغامران بعنادهما من التغلب عليها.
يتحدَّث حسام عن الغوص في منطقة البحر الأبيض، حيث يجتمع المشاركون من جنسيات مختلفة على شاطئه. وترافق الكاميرا هذه الاستعدادات لتنقل جماليات الأعماق والكائنات النادرة، بما فيها الحوت الأبيض بغرابة هيئته وإن كان يشبه الدلفين. فيما تتجوَّل الدبب والثعالب القطبية في كل مكان. إنها بيئة خطرة.

الرحلة الكبرى
بعد إتمام الرحلة التحضيرية الأولى إلى البحر الأبيض التي أنجز فيها المغامران سبع غطسات، وعودتهما إلى السعودية، وجب عليهما الاستعداد للرحلة الكبيرة إلى قلب القطب المتجمد الشمالي. وهنا واجها عدة صعوبات لجهة تأمين الاحتياجات الضرورية والتكاليف الباهظة، ومنها الملابس الغالية الثمن الخاصة بالجليد والغوص، التي اعتذرت الشركة الروسية عن توفيرها من فينلندا، لذا قام المشرفون على تدريبهما بتأمينها بطريقتهم.
ويروي الغواصان: “انطلقنا إلى القطب الشمالي. توجهنا من روسيا إلى النرويج، مروراً بفنلندا، ومن ترومسوا في النرويج استقلينا الطائرة إلى سفالابارد، الجزيرة الجليدية التي تحتوي على “بنك البذور” الشهير.
توافدت بعثات الوفود المشاركة في الرحلة على المخيم، جاؤوا من مختلف أنحاء العالم، ولكن المدرج الذي كنا سنهبط عليه في المحيط لم يكن صالحاً لاستقبالنا. بقينا نحو عشرة أيام في سفالبارد. كانت فترة انتظار صعبة ومحبطة، فكلما تحسنت أحوال المدرج قليلاً هبت عواصف جليدية وأتلفته. أخذ القلق ينهشنا، وكنا أكملنا جميع تجهيزاتنا واستعددنا من جميع النواحي، فهل سنقوم بالرحلة؟”.

في قلب القطب
“وأخيراً، تم تأهيل المدرج، وانطلقنا بالطائرة إلى مخيم «برنيو» الروسي، ومن هناك أخذتنا طائرة الهليكوبتر إلى نقطة المخيم الشمالي”.
تلتقط الكاميرا مشاعر الفخر والسعادة التي تنتاب فرق الغوص. بينما تنطلق موسيقى حماسية مع لحظات نزول الغواصين من الهليكوبتر..”وصلنا إلى أعلى نقطة في العالم، حيث تلتقي خطوط الطول ودوائر العرض. كل ما هناك مغطى بالجليد، والوقت غير معروف، هل هو ليل أم نهار؟ الشمس لا تغيب.. سعدنا كثيراً.. وسعينا لأخذ الصور التذكارية”.
ينقل الفلم تلك السعادة والشعور بالانتصار بلقطات قريبة للغواصين والمشرفين: المشرف على المركز الروسي، الدكتور ميخائيل سفانوف أو ملك الجليد كما يطلقون عليه، والمدرِّب نوفيشفك كوستانتين، والمدرِّب إيفان كيونبوج. نراهم يعدون الطعام والمشروبات الساخنة. يغنون بسعادة، ويمرحون وهم ينظفون أواني الطعام. حسام يشاركهم بسعادة. بينما تتحول أنفاسهم إلى بخار يخرج من أنوفهم وأفواههم. إنه الصقيع ودرجة الحرارة دون الثلاثين درجة مئوية تحت الصفر. ومع ذلك عليهم أن يحدثوا فتحة في سطح الجليد كي ينزلوا منها إلى الأعماق. “يا للروعة؛ سنرفع علم بلادنا الحبيبة وصورة مليكنا الغالي. سنقول للعالم نحن هنا لا نعرف المستحيل”.
لقطات وموسيقى رائعة: صور متتالية تُظهر الغواصَين السعوديَين وهما في الأعماق. “تحقق الحلم وها نحن في الأعماق..”
“كنت محاطة برسائل سلبية محبطة، أنتِ لا تقدرين، هذا ممنوع وغير مرغوب فيه، إنك تقومين بشيء خارج عن المألوف، تفكرين بطريقة خارج الصندوق.. نعم هذا هو الإنجازبالنسبة لي”. هكذا عبّرت مريم فردوس عن فخرها بما أنجزت.
أما حسام فيقول: “أناس كثيرون يقولـون لي نحسدك لأن لديك هدفاً تحارب لأجله.. وعلى الرغم من كل شيء، وصلت إلى الهدف..أن يكون لديك هدف وتخطط له ثم تصل إليه فهذا ما يضعك على قمة العالم”.
عُرض هذا الفلم في خيمة إثراء التابعة لمركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي ضمن مهرجان أفلام السعودية 2017م، وحصل على نخلتين ذهبيتين، واحدة لفئة الأفلام الوثائقية وواحدة لأفضل تحرير.كما حصل على جائزة أفضل فِلْم وثائقي في مسابقة الأفلام القصيرة بدورتها الثانية، ضمن حفل توزيع الجوائز على أفضل إنتاجين في السينما السعودية في عام 2017م، الذي أقيم بمركز الملك فهد الثقافي بالرياض. كما عُرض الفلم أيضاً في مركز الرياض الدولي للمعارض والمؤتمرات، وحقق إقبالاً جماهيرياً لافتاً ضمن مهرجان الابتكار والإنتاج «حكايا مسك2» الذي تقيمه مؤسسة الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز الخيرية، «مسك الخيرية».

 

فريق العمل
إخراج:
• عبدالرحمن صندقجي
التصوير:
• عبدالرحمن حافظ
• خالد باجعيفر
التصمم:
• أمين قيصران
الترجمة:
• أحمد خياري
تصميم مشاهد الجرافيكس المتحركة:
• مراد مراد
• طارق سعيد
• هاني محمود
الفريق الفني:
• نماء المنورة
• أحمد المحايري
• مجاهد قاري
• يوسف رفة
• رائد الرحيلي
• دلال هوساوي
• عبد الإله باشرحبيل
• عبدالله المعيرفي
• أحمد النابلسي
مديرة الإعلام والعلاقات العامة:
• عالية الدعيس


مقالات ذات صلة

حين نشرت صحف ووسائل إعلام قبل نحو ستة أشهر نص وصية حنا مينة، لم يدرك أغلبها أنها في الواقع تعيد نشر ما كتبه بخط يده قبل نحو عشر سنوات، ونشرته وقتها بعض الصحف السورية. وفي المرتين، لم يعتن أحد بالبحث في الأسئلة التي يثيرها نص الوصية التي كانت عبارة: “لا تذيعوا خبر موتي” أبرز ما […]

كفعلٍ حيويّ، تحريضيّ، مندفع أو حذر، يعدّ الإبداع شأناً ذاتياً. وحين نتحدّثُ عن “الذاتي” فإنّنا نشير، مثاليّاً، إلى “شخص” المبدع، ككاتب أو فنان؛ إلى “ذاته” الشخصية وذاته الخبرويّة التي هي نتاج الحياة أو شريحة منها. إنّ النصَّ الإبداعي، الأدبي كما الفنّي، ينضوي فيه أو في مستوى من مستوياته، مقتطفٌ من تاريخ صاحبه وشريطٌ من جغرافيّته، […]

نادرون هم الذين لا يحتاجون إلى دليل خبير ليقودهم عبر عوالم حلمي التوني الثرية والمتنوعة والمدهشة؛ والملغزة في بعض الأحيان. ربما تكون حَنان وأمها خير دليل. إنهما شخصيتان في قصة ألَّفها التوني ورسمها، وحملت عنوان “عَرُوسَةُ حَنَان”، والقصة بصفحاتها القليلة، ورسومها الدالّة، تصلح كمفتاح للشفرات المستعصية على الفك في عوالم التوني، كما أنها تحمل في […]


0 تعليقات على “فِلْم “جليد””


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *