مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مايو - يونيو | 2018

عن كاريزما الشاعر


ماهر شرف الدين

حدَّد ابن رشيق في “عمدته” أحكاماً على الشاعر أنْ يتحلَّى بها: “من حكم الشاعر أن يكون حلو الشمائل، حسن الأخلاق، طلق الوجه، بعيد الغور، مأمون الجانب، سهل الناحية، وطيء الأكناف، فإنَّ ذلك مما يحبِّبه إلى الناس، ويزيِّنه في عيونهم، ويقرِّبه من قلوبهم، وليكن مع ذلك شريف النفس، لطيف الحسّ، عزوف الهمَّة، نظيف البزَّة، أَنِفاً؛ لتهابه العامَّة، ويدخل في جملة الخاصَّة، فلا تمجّه أبصارهم”… وهذه الأحكام التي تبدو اليوم لشعراء ما بعد الحداثـة مضحكـةً وسطحيَّةً، لـمَّا تزل في حقيقة الأمر جزءاً لا يتجزَّأ من “معنى” الشاعر، لجهة التداخُل الطبيعي بين شخصيـــة الشاعر وشخصية شعره.
فلو أجرينا حذفاً بسيطاً لبعض الكلمات التي تجعل من هذه الصفات أحكاماً وقلنا مثلاً: “إنَّ نزار قبَّاني كان طلق الوجه، نظيف البزَّة، أنفاً؛ لتهابه العامَّة… إلخ”، لما استهجنَّا ما استهجنَّاه في صيغة صاحب “العمدة”.
يُفصِّل ابن رشيق في هذا الأمر أكثر فيقول: “فأوَّل ما يحتاج إليه الشاعر بعد الجدِّ الذي هو الغاية، وفيه وحده الكفاية، حسن التأتِّي والسياسة، وعلم مقاصد القول؛ فإنْ نسب ذلَّ وخضع، وإنْ مدح أطرى وأسمع، وإنْ هجا أخلَّ وأوجع، وإنْ فخر خبَّ ووضع، وإن عاتب خفض ورفع، وإن استعطف حنَّ ورجع، ولكنَّ غايته معرفة أغراض المخاطب كائناً من كان؛ ليدخل إليه من بابه، ويداخله في ثيابه، فذلك هو سرُّ صناعة الشعر ومغزاه الذي به تفاوت الناس وبه تفاضلوا”.
والحقّ أنَّ وصفة ابن رشيق هي وصفة صنع “الكاريزما”، استنطاقاً للغة هذا العصر. كاريزما الشاعر التي تلعب في شعره دوراً أعمق بكثيرٍ من الدور الذي يلعبه الإطار بالنسبة إلى الصورة. حتى نكاد لا نشعر بأننا مغامرون إذا ما قلنا بأن كاريزما الشاعر هي جزء من شعره!
فأحد أسرار صناعة الشعر – في هذا المفهوم – سرُّ صناعة الكاريزما. سرُّ جعل الشاعر مغناطيساً. سرُّ تحويله إلى مركز العالم الذي يستطيع أنْ يخفضَ ويرفعَ ويُعزَّ ويضعَ. سرُّ جعل الشاعر مؤثِّراً ككلماته!
فالكاريزما، الكلمة ذات الأصل اليونانيّ، التي هي خليطٌ متحوِّلٌ بين شخصٍ وآخر، وشخصيةٍ وأخرى، لا تقتصر على شخص الشاعر أو الفنَّان، بل تتعدَّاهما إلى صنيعهما من شعرٍ أو فنٍّ.
فمن هو القارئ الذي يستطيع الفصل بين شخصية المتنبِّي وشخصية شعره؟ بين أَنَفَة المتنبِّي وأَنَفَة شعره؟ بين غروره وغرور شعره؟
بل إنَّ هذا “التماثل”، في كثير من الحالات الشعرية التاريخية، زاد من خلط الأوراق في مسألة تقدير الدورِ الحقيقيِّ للكاريزما في إنجاح شعرٍ وانتشاره.
لم تفارق المهابةُ (العنصر الأبرز في كاريزما الشاعر التي أولاها ابن رشيق أكثر العناية في صنع كاريزما الشاعر مع ضرورة حسن سياستها واستثمارها) شخصيةَ شعرائنا حتَّى في عزِّ عصور التكسُّب بالشعر (المديح). ولم يُنقذْ شاعرَ العربيةِ الأشهر أبا الطيِّب المتنبِّي (الذي وقف معظم شعره على المديح) من خسارة كثير من رصيده الشعبي، سوى هذه الصفة. ولو دقَّقنا قليلاً في ظاهرة الشاعر الجماهيريّ لاكتشفنا سريعاً أنَّه الشاعر الذي يمتك كاريزما وهيبةً (أخلط عن عمدٍ، وعن حقٍّ، بين الكاريزما والهيبة). وفي المقابل، خذوا شعراء كباراً لم يتحصَّلوا على الشعبية بسبب هذا “النقص”. ولنا في أبي العِبَر الهاشمي والطرمي عبرةٌ كبيرةٌ، فهذان الشاعران الموهوبان اللذان اشتهرا بالهزل و”السخف” اندثر ديوانَيْهما ولم يصلنا منهما سوى شذراتٍ قليلةٍ حفظها لنا – لحسن الحظِّ – كتابُ “الأغاني” وبعض كتب التراث الأخرى.
بلا أيِّ تحفُّظ نقول إنَّ كاريزما الشاعر التي كانت “حَكَماً” في التراث، لـمَّا تزل مُقرِّرةً إلى يومنا هذا. لـمَّا تزل شخصيةُ الشاعرِ جزءاً لا يتجزَّأ من شعره، ومن عملية إنتاج هذا الشعر شعبياً. إنها نقطة اللقاء بين حرارة الدم وحرارة الكلمة. إنها الريشة الذهبية التي تستطيع المزج بين شخصية الشاعر وشخصية الشعر.


مقالات ذات صلة

برز فنُّ المقامة مرافقاً ومتأثراً بانتشار الخطابة وكتابة الرسائل وتدوين الأمثال ونقل الأخبار. وكانت البداية الجلية للمقامات على يد بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري الذي شهد تمازجاً حضارياً واسعاً، وسط مجتمع إسلامي مترامي الأطراف، تحوَّل قاطنوه إلى سكان مدن، بما يعنيه ذلك من تبدل اجتماعي. فلم يعد التأليف على نهج قديم هو الساري، […]

برز في السنوات الأخيرة اهتمام بعض دور النشر الفرنسية بترجمة مختارات من الروايات السعودية المعاصرة، إلى جانب غيرها من الروايات العربية. ورغم النجاح الذي حققه بعضها، فإن التدقيق في المدى الذي بلغه هذا الاهتمام، يؤكد أنه لا يزال دون ما تلقاه الروايات المعاصرة العائدة إلى ثقافات عديدة أخرى. فالرواية السعودية، كما هو حال الرواية العربية […]

في كتابه البيان والتبيين يتعرّض الجاحظ إلى مسألة اللثغ. فأتى على ذكر الحروف التي تدخلها لثغة، ولم يكن ما ذكره من باب دراسة لغوية أو ما يشابهها، بل كان أكثر من باب الملاحظة الفذّة والتعليق الساخر اللمّاح؛ فالجاحظ، كما هو معروف، كان ناقداً وأديباً ومصوراً لا يُفوّت تعليقاً ظريفاً أو نكتة ينثرها أينما كان. قال […]


0 تعليقات على “عن كاريزما الشاعر”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *