مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
يوليو - أغسطس | 2018

على قارعة طريق الفلسفة


فهد الأحمري

“بلاش فلسفة” كلمة دارجة في حياتنا اليومية على مستوى كثير من المجتمعات العربية، وكأننا من خلال هذه العبارة نمقُت ونُسفّه التفكير العميق. ولكي نُسكت شخصاً ونطْبق فاه عن الحديث، نقوم باستدعاء جملة “بلاش فلسفة”.
وعليه، فإننا نمارس حرباً يومية على الفلسفة التي هي أم العلوم وأصلها وجوهر النهضة والعلوم والتقنية التي نتقلب في نعيمها اليوم وغداً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. أصل “فلسفة وفيلسوف” جاءت من الكلمة اليونانية “فيلوسوفيا” المركّبة من كلمتين “فيلو” التي تعني حب و“سوفيا” وتعني حكمة، أي “حب الحكمة”. قيل لفيثاغورس أنت “سوفيا” أي حكيم، فقال لست كذلك بل أنا “فيلاسوفيا” أي محب للحكمة، ربما تواضعاً منه وإشارةً إلى أنه يحب الحكمة ولا يدعي امتلاكها.
وعلى ذكر فيثاغورس المتوفي عام 530 قبل الميلاد، فهو الفيلسوف والرياضي والفلكي والمفكر العظيم. ومن منا لا يذكر نظرية فيثاغورس في المثلث في منهج الرياضيات. هل تعلم أن عصرنا الحديث، رغم التقدم والنهضة والتقنية والاكتشافات الهائلة، إلا أنه مدين بعلوم الفلاسفة من العصور القديمة باعتبارها الثقافة الأصيلة التي وضعت الأساس للحضارة الغربية التي نشأت منذ أكثر من 2500 سنة منذ طاليس (624-546 قبل الميلاد) وهو عالم الفلك والرياضيات المعروف، مروراً بعصر سقراط وأفلاطون وأرسطو إلى مابعدهم من فلاسفة العصور الوسطى في القرن الخامس الميلادي وما أعقبه بمن فيهم الفلاسفة المسلمون. ما زالت جامعات العالم الحديث تُدرّس نظريات فلاسفة عصور ما قبل الميلاد مما يعني أهمية الفلسفة في حياة البشرية مهما تقدَّم بها العلم.
فمنذ العصور القديمة جداً كان للفلاسفة دور كبير في النظر للظواهر الطبيعية وماهيتها. وكان همهم الأكبر الإجابة عن الأسئلة المنطلقة من الدهشة حول ماهية الأشياء من حولهم. ولذلك فإن العلم مرتبط بفلسفة السؤال، وبالتالي لا بد من أن يكون العالِم فيلسوفاً ومفكراً والفيلسوف عالماً ومفكراً أيضاً.
السؤال المنبثق عن الدهشة هو منبع الفلسفة وجوهرها. ولهذا، يقال إن كل طفل هو فيلسوف صغير لأنه مندهش بما حوله وبالتالي هو دائم التساؤل. أسئلة ماهية الأشياء وكيف نصنعها هي التي قادت العلماء والمفكرين إلى ما نحن فيه من تطور ملأ الآفاق. تساءل الفيلسوف نيوتن عن سبب سقوط التفاحة ليكشف لكوكب الأرض نظرية الجاذبية التي كانت حجر الأساس لعدد من الابتكارات. وكل اكتشاف علمي لا بد وأن يسبقه تساؤل يدفع إلى الإلهام، لأن هذه العلوم مدفوعة بهذه الأسئلة الجوهرية التي تطرحها الفلسفة.
وبالتالي فإن الفلسفة هي تساؤلات لاستنهاض الفكر، إذ لا يمكن دخول عالم الفكر إلاّ بالسؤال. يُذكر أن سقراط لم يكن مستقراً في بيته، فمنذ الصباح الباكر إلى وقت النوم وهو خارج منزله. ينطلق إلى حيث الأسواق والمزارع وتجمّع الناس ويجلس مع كل من يصادفه ليسأله عن أي شيء. وحين يجيبه الآخر بجواب يسأله عن الجواب نفسه. فهو يقول، مثلاً، لمن يلقاه:
كيف حالك؟ ليرد الرجل، بخير. فيبادره سقراط وما هو الخير؟ ليجيبه الخير هو السلام والصحة والحياة، ليذهله سقراط بالسؤال عن معاني السلام والصحة والحياة… الخ!
ميزة الفلسفة أنها تفتح الآفاق للبحث عن كل شيء -مهما كانت غرابته- لغرض المعرفة والاطلاع، وتتطـرق الفلسفـة إلى مناحي الأخلاق الجميلة والقيـم والمبـادئ الإنسانيـة الراقية فضلاً عن معالجة أمور هي من صلب الاهتمامات العلمية والحضارة والتطور.
ولو رجعنا إلى تواريخ الأمم ذات النهضة والازدهار لوجدنا أنها حققت هذا عن طريق الفلسفة والعلم وما ينتجانه من رؤى وتصورات مباشرة وغير مباشرة.
والواقع يقول إن الفلسفة ليست بالشيء الدخيل على جنس البشر، فنحن نمارسها من خلال النقاشات والحوارات اليومية ولن نستطيع أن نكف عن التفلسف اليومي مهما حرصنا، فأنت تقتلنا حين تقول “بلاش فلسفة”.


مقالات ذات صلة

أظهرت الصفحات الأولى من فهرس معرض “قرن من التلاعب بالصور” الذي أقيم في باريس، أن الصور ليست سوى تأويل ومحاولة ترجمة للواقع، وكأن الصورة الحقيقية غير موجودة. إذاً، لماذا تشكَّل لدينا انطباع بأن مخرجي الأفلام الوثائقية ومعدّي النشرات الإخبارية في التلفزيونات هم موكلون بمهمّة البحث عن الحقيقة؟

للموسيقى الهندية شخصية خاصة، يعود اختلافها عن باقي ألوان الموسيقى في العالم بالدوافع إلى نشأتها، ووظيفتها وآلاتها والعوامل التي أثّرت في تطوّرها. ويحتل الموسيقار أمجد علي خان مكانة بارزة في الموسيقى الهندية المعاصرة. غير أن الإطلالة عليه لا يمكن أن تكون إلَّا من نافذة التراث الموسيقي الذي ينتمي إليه. فالموسيقــى والموسيقــار نافذتــان مشرعتان على بعضهما، تساعد الواحدة على فهم الأخرى.

أغرب ما يطالعك به دعاة التغريب ادعاؤهم أن اللغة العربيّة عسيرةٌ عصيّة، يشقّ على الطلاب فهم مفرداتها وحفظها. وبهذا الادعاء يريدون أن يُبغِّضوا أبناءنا بلغتهم وأن ينفِّروهم منها، ليقدِّموا عليها اللغات الأجنبيَّة عامةً، والإنجليزيّة خاصةً.


0 تعليقات على “على قارعة طريق الفلسفة”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *