مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مايو - يونيو | 2018

الجاحظ ومسألة اللثغ


نجاح طلعت

في كتابه البيان والتبيين يتعرّض الجاحظ إلى مسألة اللثغ. فأتى على ذكر الحروف التي تدخلها لثغة، ولم يكن ما ذكره من باب دراسة لغوية أو ما يشابهها، بل كان أكثر من باب الملاحظة الفذّة والتعليق الساخر اللمّاح؛ فالجاحظ، كما هو معروف، كان ناقداً وأديباً ومصوراً لا يُفوّت تعليقاً ظريفاً أو نكتة ينثرها أينما كان.
قال الجاحظ إنّ ما يحضره ذكره من الحروف التي تدخلها لثغــة هو أربعـة أحـرف: السيـن والقاف واللام والراء.
فاللثغة التي تعرض للسين تكون ثاء كقوله لأبي يكسوم أبي يكثوم، وكما يقولون بثرة إذا أرادوا بسرة. وباثم الله إذا أرادوا بسم الله.
واللثغة التي تعرض للقاف فإن صاحبها يجعل القاف طاءً. فإذا أراد أن يقول: “قُلت له“، قال: “طلت له“، وأراد أن يقول: “قال لي” قال: “طال لي“.
وأمّا اللثغة التي تقع في اللام فإن مِن أهلِها مَن يجعل اللام ياءً فيقول بدل قوله اعتلَلْتُ اعتَيَيتُ؛ وبدل جَمَل جمَي. وآخرون يجعلون اللام كافاً، فإنّ عمر أخا هلال كان إذا أراد أن يقول: ما العِلّة في هذا؟ قال: ما اكعكةُ في هذا؟
أمّا اللثغة التي تقع في الراء فإن عددها ضعف عدد الثغة في اللام، لأنّ الذي يعرض لها أربعة أحرف. فمنهم مَن إذا أراد أن يقول عَمْرو قال عَمْي فيجعل الراء ياءً، ومنهم من إذا أراد أن يقول عَمْرو قال عَمْذْ فيجعل الراء ذالاً؛ ومنهم من إذا أراد أن يقول عَمْرو قال عَمْغْ فيجعل الراء غيناً؛ ويعدّ الجاحظ لثغة الغين أقلّها قبحاً، واكثر ما توجد في كبار الناس وبلغائهم وأشرافهم وعلمائهم.
ثمّ يحلو للجاحظ أن يتخيّل أصحاب اللثغة هؤلاء وهم ينشدون شعراً فيختار بيتاً من تغزّل عُمر بن أبي ربيعة بِهِند، ويُجريه على ألسنتهم بعدما سمع أحدهم، وهو عليّ بن جنيد بن فريدي، ينشد هذا البيت بلثغته.
قال الجاحظ إنّ الذي يجعل الراء ذالاً إذا أنشد بيت عُمَر: واستبدَّتْ مرَّة واحدةً
قال: واستبدّت مَذّةً واحدةً
أمّا الذي يجعلها ياءً فيقول: واستبدّتْ مَيّةً واحدة
والذي يجعلها ظاءً ينشد البيت: واستبدّت مَظّةً واحدِةً
والذي يجعلها غَيْناً يقول: واستبدّتْ مَغّةً واحدةً
ولا يخفى أنَ طرافة ما ذكره الجاحظ يعود لملاحظته الصورة الخطيّة لأشكال الكلمات التي تقع فيها اللثغات. ويلاحظ الجاحظ أولئك الذين يلثغون بحرفين. ويذكر من بينهم لثغة شوشي، صاحب عبدالله بن خالد الأموي، الذي كان يجعل اللام ياء والرّاء ياء، فقد قال مرة : “موياي وييّ أيَّي” يريد مولاي وليّ الري!
هذا بعضٌ مما ذكره أبو عثمان الجاحظ في هذا المجال الذي أدلى فيه برأيه أيضاً بحُسن بعض هذه اللثغات أو قبحها؛ والجدير بالذكر أيضاً أنّ معظم مّن ذكرهم مِن الرجال الذين يلثغون هم من الخطباء والمتكلمين المشهود لهم في عصره، كواصِل بن عَطاء ومحمّد بن شبيب! وهو ينوّه بقدرة واصِل بن عَطاء على تجنّب حرف الراء في ما يقوله.


مقالات ذات صلة

ما من روائي قرَّر أن يكتب رواية إلا وفكّر كثيراً في صياغة العبارة الأولى لروايته وكيف يكون استهلاله لها. وغالباً ما يقوده هذا التفكير إلى عديد من الخيارات والطرق في كتابة تلك الجملة الأولى التي يعتقد أنها افتتاحية مُثلى، قادرة على جعل القارئ يتعاطى مع النص الروائي بوضوح وتناغم. إن الجملة الأولى في الروايات تُكتب […]

حتى وقت قريب، كان القاموس الصديق اللصيق للطالب والكاتب والمثقَّف، ومن المستلزمات التي لا غنى عنها في أية مكتبة شخصية مهما كانت صغيرة. أما اليوم، فثمَّة ظن عند البعض أن الترجمة الإلكترونية قضت أو ستقضي على القاموس الورقي التقليدي. والأمر غير صحيح. إذ إن للقاموس ميزات خاصة به وتختلف تماماً عن مواصفات أية مطبوعة قابلة […]

لأكثر من خمسة وأربعين عاماً، وعبدالرحمن السليمان يحفر في عالم الفن. فالتلميذ الصغير الذي كان شغوفاً بفن الرسم في المدرسة الابتدائية، لم يحد يوماً عن انشغاله بعالم الفن التشكيلي إنتاجاً وتنظيماً للمعارض وخدمة الناشئين من الفنانين الشباب. ونضج فنه الذي راح يحصد الجوائز المحلية والعربية، ولمع اسمه في لجان التحكيم، وباتت لوحاته تباع في المزادات […]


0 تعليقات على “الجاحظ ومسألة اللثغ”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *