لغويات

لغتنا العربية الشاعرة

 

إذا قلتَ إن العربية لغة الشعر متوهماً أنك تعتز بها، فقد بخستها حقها ولم تضعها حيث يجب أن توضع. فقد يقول الفرنسي أو الإنجليزي: ولغتي أيضاً لغة الشعر، فلماذا ندل العربية على غيرها من اللغات؟

يقضي الإنصاف أن نقول : العربية لغة شاعرة بالفطرة، لأنها أوتيت من الثراء الموسيقي ما لم تؤتَ اللغات الأخرى. فأوزان الشعر في اللغتين الفرنسية والإنجليزية خمسة ليس غير، وبحور الشعر العربي ستة عشر بحراً تاماً، يمكن تفريعها إلى أربعين بحراً بين مجزوء ومشطور ومنهوك ومخلّع. فإذا أضفت إليها أوزان الموشحات تضاعف العدد حتى أعياك حصره، وتمتع سمعك بتوقيعات ونغمات لا حصر لها. فما سر هذا الثراء الإيقاعي في لغتنا الشاعرة؟ وما هي العوامل التي أفضت إلى هذا الثراء؟

العامل الأول هو انصراف العرب القدماء عن الفنون الأخرى أو زهدهم في الرسم والنحت والتمثيل المسرحي، واستقرارهم على فن واحد يتقنونه ويطوِّرونه وهو الشعر. ثم جاء شعر التفعيلة الحديث، فأضاف إلى القديم توزيعـاً جديداً للنغمات الموروثة.

والعامل الثاني تنافس القبائل في تجويد الشعر والارتقاء به مبنى ومعنى.

والثالث التأثر بالحضارات الأخرى في العصر العباسي. وهذا التأثر رفد الأوزان الخليجية الموروثة بأنماط جديدة من التوزيع النغمي كالدوبيت والكان كان، والمواليا والقوما.

والرابع الحضارة المترفة التي ترجمها الأندلسيّون بالموشحات والأزجال، وتحوَّلت بين أوتار العازفين وأناملهم إلى ضروب جديدة من التطريب. حتى إن طائفة من الموشحات لا يتجلَّى جمالها إلا حينما تلامسها أنامل العازفين. وهذه العوامل الأربعة – على خطرها – عوامل خارجية، لا تنبع من بنية اللغة العربيّة، وإنما تطرأ على هذه البنية، ولا تقفنا على السرّ، وإنما تصوّر تجلياته. فما السرّ الجوهري الذي يعود إليه الثراء الموسيقي في لغتنا الشاعرة؟

السرّ يكمن في أمرين: البنية الاشتقاقية، وحركات الإعراب والصرف. أما البنية الاشتقاقية فقد ساعدت العربية على توليد ألفاظ متعدِّدة الصيغ والأوزان. وهذا التعدد يضع بين يدي الشاعر عناصر التنغيم والتوقيع، فإذا هو ينوّع فيما يوقع، ويجدِّد فيما يولّد، ويقوده التنويع والتوليد إلى أشكال من التوزيع في التوقيع، والتلوين في التلحين، لا مثيل لها في اللغات الأخرى.

وأما حركات الإعراب والصرف من فتحة وضمة وكسرة وتنوين فقد أضافت إلى السلّم الموسيقي ما يشبه أنصاف النغمات وأرباعها. وهذه الأجزاء الصوتية الصغيرة تساعد على تحوُّل النغمات الكبيرة إلى تفعيلات، وعلى تحوُّل التفعيلات إلى أوزان وبحور لا تجد ما يضارعها في أكثر اللغات. إن الفرق الجوهري بين السجادة العجميّة والبساط البدوي – وكلاهما من صوف – هو النعومة والدقة في السجادة والخشونة والغلظة في البساط، وهذه الصفات المتناقضة ناجمة عن دقة الخيوط أو تخنها، وحركات الإعراب والصرف هي التي تصنع الدقة والرقة، والتنويع والتوقيع في شاعرية اللغة العربيّة. ولهذا فإننا لا نطرب للشعر إذا حرمناه من هذه الحركات التي تعزف أجمل النغمات.

نخلص مما عرضنا إلى أن الثراء الموسيقي في لغتنا الشاعرة ليس تلحيناً طارئاً عليها، كما يضــاف النقش والرقش إلى النسيج، وإنما هو تلاؤم فطــري بين الكلمــات المتجـاورات، وإيقــاع عضـوي منبعــث من الحركـات، يعـــزف نفسـه بنفسـه، فيطربك بوقعه وجرسه.

أضف تعليق

التعليقات

نور الدين السافي

لاجل هذا هي لغة الشعر ولم يدع اي لسان ان لسانه لسان الشعر فالانجليزية والفرنسية وغيرها السنة محدثة عمرها حديث امام اللسان العربي القديم جدا. ومع ذلك فان اول كتاب عن الشعر والشاعرية كتاب يوناني لارسطو.