أقول شعراً

الشاعر الراحل: حسن السبع

حَداثةٌ لمْ تنقطع عَن التُراث

ما أضيق هذه المساحة عند الرغبة في الحديث عن تجربة شاعر بحجم الراحل الكبير حسن السبع. فالتفاصيل التي تغري القارئ بالتوقف عندها في تجربة السبع كثيرة ومتنوِّعة وثرية. وعليه، اخترنا جانباً واحداً هو تجلي الموروث الشعري القديم في تجربته الحديثة. لا سيما وأن هذا الجانب ظهر عنده في وقت كان يُتهم فيه شعراء الحداثة بممارسة القطيعة مع كل ما هو تقليدي وقديم.
ويتجلَّى حضور التراث الشعري في تجربة السبع كاشفاً معه عن سعة معرفته وعمقها بمفاصل الشعر التراثي القديم. إذ تمثّل قصائده “تباريح سوق العطش” وما نشره معها من قصائد، الأنموذج الذي يعكس هاجس شاعرنا الكبير باستحضار الموروث الشعري. سواء أكان ذلك عبر استحضار مقولات وحالات تاريخية لها مدلولاتها الرمزية الكبيرة في الوجدان العربي، أم عبر استحضار أبرز شعراء التراث في تجربته بشكل مخصوص كما سنرى.
في البدءِ، نجد استحضاره وتوظيفه لمقولة هارون الرشيد الشهيرة للسحابة: (أمطري حيث شئت فسوف يأتيني خراجك): “اذهبي أينما شئت| صبي هنا.. أو هناك المطر| سوف ترشحُ ماءً سقيماً| سقوف البيوت العراء| سوف تنزف، ليلاً، دموع السماء”. حيث نلمس أن توظيف الشاعر لتلك المقولة لم يكن متوقفاً عند مستوى التناص المباشر. وإنما متجاوزاً ذلك إلى عكس النتيجة المتوقعة من ذلك الهطول في النص. يؤكد ذلك اختياره وانتقاؤه الواعي لعتبات النص؛ حيث جسد العنوان”سوق العطش” العتبة الأولى التي استلها من مقولة الخطيب البغدادي: “وقامت على ضفة النهر سوق تسميها الخاصة سوق الريّ، وتسميها الخاصة سوق العطش”. فيما تجسد المقولة نفسها العتبة الثانية التي صدّر بها قصيدته.
أما المظهر الثاني، فنجده يتمثل في التعالق المخصوص مع بعض شعراء التراث في محاولة لرسم صور جديدة كاريكاتورية لعدد منهم وفق ما يراه بمنظوره. فصوّر الشاعر المعروف بعماه بشار بن برد مبصراً في قرى الظلام. وصوّر الشاعر دعبل الخزاعي بالعنق التي تنسج حبل مشنقتها من الكلام. وصوَّر أبا نواس بمن يفتح الرؤى في صحراء الظمأ، مجسداً حالته بالغريب في محيطه. وهكذا يمضي في تصوير باقي الشعراء: العباس بن الأحنف، وأبو دلامة، وأبو الشمقمق وأبو العلاء، على نحو ما يراه هو.

من رآه يمر (١)
مَنْ على هدأة الدرب طارحه الكلمات الندياتِ حين
ادلهمّ سكون الأبدْ
ربما لا أحدْ. ربما قايضته الرياح قواميسها، بعثرت
ياسمين الثواني، الخزامى، أهازيج غربته، صوته الليلكي،
ربما وردة الدرب في نزوة الطيش قد زرعت دربه شوكةً ..
شوكتين .. ثلاثاً .. ثلاثين .. ألفاً… وقالت له .. “لا طريق إلى
الماء!”

كان اللقاء هجيراً عسيراً، وكانت يد النهر إذ ذاك
مبسوطةً لاشتهاء الطحالب .. لكنه مرَّ فوق حصان من
الشوق لم تستبيه المسافة، فالمسافة يصنعها القلب،
يهزمها القلب!

من رآه يمر؟
ينتعل الريحَ، ينسج أجنحةَ الوهم، يدخل مثل الفراش
الربيعي خارطةَ النار، حزنَ البنابيع حين تكون وعود
الفصول سراباً كعنعنة الليل تبْهت حين تداعبها موجة
الضوء عند انبلاج النهار، أترى خذلته الفصول؟ أم
أصيب بتوق الفراشة للنجم، فاندسّ في موجة من عذاب
العذوبة حتى مداه البعيد؟

الرَّمَادي (٢)
أيها النسيان
يا فاكهة الوقت المسجّى
يا انين الباب
يا حزن كُوانا الآفلة
بارداً منطفئاً تأتي
فهل تنهض من أفقِك يوماً
سنبله؟

البنفسج (2)
يا صديقي..
ما الذي تقترف الليلة من أحلامكَ
الأولى.. وماذا ستغنّي
لتضـاريس البـلاد
“صرخة في واد”
أم نفخةَ وعدٍ في رمادْ
أبداً منكسراً تهمي
كضوء اللؤلؤه
أنت يا فاختة المنفى التي تنزف لحناً
في الأماسي الظامئة
لحنكَ الآن معي
قلبي معك
إنها الدندنة الأولى التي تعصف بي
إنها النار التي تهتف بي
أن أسمعك
في تراب ضيّعك

(1) من مجموعة حديقة الزمن الآتي
(2) من مجموعة “زيتها وسهر القناديل”

سيرة ذاتية
ولد الشاعر حسن إبراهيم السبع (1948 – 2017م) في مدينة سيهات، وحصل على بكالوريوس الآداب في جامعة الملك سعود بالرياض، عام 1972م، وماجستير الإدارة العامة في جامعة إنديانا، الولايات المتحدة الأمريكية، عام 1984م، ودبلوم علوم بريدية ومالية من المعهد العالمي للكوادر الإدارية، تولوز، فرنسا، عام 1978م. صدرت له أربعة كتب شعرية: زيتها وسهر القناديل (1992م)، وحديقة الزمن الآتي (1999م)، وركلات ترجيح (2003م)، وبوصلة للحب والدهشة (2007م). كما أصدر كتابًا ضم مجموعة من مقالاته تحت عنوان ما قالته الفراشة للنجمة (2009م)، ورواية واحدة عنوانها ليالي عنان (2015م).

أضف تعليق

التعليقات