حياتنا اليوم

لماذا نستمتع بالموسيقى؟

الأصوات الجميلة موجودة في كل مكان على وجه الأرض، من زقزقة العصافير إلى خرير الماء في الجداول وحفيف أوراق الشجر بفعل النسيم وتحطّم الأمواج على الشطآن. ولربما كان أقرب هذه الأصوات الجميلة إلى مسامعنا ظاهرة الرمال الموسيقية، التي تصدر صوتاً يشبه صوت آلة الأرغن عند انهيار قمة كثيب. فنحن نستمع إلى موسيقى الطبيعة منذ وجدنا. ولكننا نستمع أيضاً إلى موسيقى نحن اخترعناها أثناء تطورنا، ونستمر اليوم في تطويرها. فما الذي يميّز الموسيقى والأصوات الجميلة عن غيرها؟

كل ما فعله البشر مع الموسيقى خلال تطورهم هو أنهم كتبوا الأصوات التي يسمعونها في أحرف، وأعادوا تركيب الأحرف في جمل ليصنعوا موسيقى إنسانية تعيد وصف الطبيعة بواسطة النوتات. وهذا ما ينطبق تماماً على اللغة المكتوبة التي صارت تعريفاً لأصوات الأحرف التي تخرج من حناجرنا للدلالة على الأشياء.

علاقتنا بالموسيقى
لم تكن الموسيقى يوماً حكراً على قاعات الحفلات والمسارح. فهي حاضرة في غناء الأم لطفلها كي ينام، كما تحضر في عمل البحارة ومسيرات الجيوش إلى المعارك. وبين هذا وذاك، هناك من يستمع إليها ليلاً لكي يتمكن من النوم، أو صباحاً لكي يبدأ نهاره بشكل إيجابي. وهناك من يجد في الموسيقى وسيلة تعبير عن عواطفه، أحزناً كانت أم فرحاً.
والموسيقى أنواع كثيرة نعطيها أسماءً وتعاريف كي نفرّقها عن بعضها. فنقول موسيقى كلاسيكية وموسيقى شعبية وموسيقى طربية وموسيقى وطنية وموسيقى أناشيد وأفراح وأحزان .. وفي أعلى السلّم، موسيقى النشيد الوطني التي تمتلكها كل دولة على وجه الأرض التي تعبّر عن رفعة وعنفوان شعب ما وفخره بوطنيته. إذاً، الموسيقى تدخل في كل شيء في حياتنا. ولا صوت يعلو فوق “موسيقى” الطبيعة عند انفجار بركان أو هبوب عاصفة أو مرور نسائم أو ارتطام موج بالشاطىء. فالطبيعة هي أمُّ الموسيقى. والأصوات المتكوّنة من مجموعة نوتات تثير نوعاً من التواصل مع أنفسنا ومع الآخرين من أبناء جلدتنا، ومع الفضاء الطبيعي من حولنا، وكأن الموسيقى لغة الطبيعة التي عبرها نتواصل داخلياً عبر المشاعر.

ما الذي يربطنا بالموسيقى؟
يُقال إننا حين منحنا لكل شيء موجود اسماً، كنا نمنحه أيضاً صوتاً، حتى بتنا لا نخطىء إلا نادراً في فهم معنى الصوت أو مصدره أو سببه. فعلى سبيل المثال، يمكن لشخص مغمض العينين في غرفة مظلمة أن يصنع عالماً متخيلاً من أصوات تصل إلى مسامعه: فهناك صوت إغلاق باب ودخول أحدهم، وصوت تلفزيون آت من غرفة ما، وصوت نقاط ماء تنزل من صنبور معطل، وصوت حفيف أوراق شجرة في الخارج…إلخ. ويمكن لسامع الأصوات أن يشكِّل مشهداً مرئياً منها، من دون أن يراها، لأننا نربط الأشياء بأصواتها، كما نربطها بأسمائها.
لكن هل يتعلق الأمر بحاسة السمع كواحدة من الحواس الخمس التي نحتاجها للعيش، أم يتعداها إلى بُعد آخر؟ لماذا لم نكتف بموسيقى الطبيعة فقررنا أن نعيد كتابتها على شكل موسيقى نعزفها على آلالات من اختراعنا؟
في عام 1956، رأى الفيلسوف والمؤلف الموسيقي ليونارد ماير أن العواطف في الموسيقى تتعلق بما نتوقعه. فالموسيقى تقوم بوضع أنماط نغمية وترددات روتينية تغرينا بوضع تنبؤات لا واعية حول ما سيأتي من أصوات في ما يلي النغمة التي استمعنا إليها للتو. فإذا ما كنا محقين في ما تنبأنا به، فإن الدماغ سيمنح نفسه القليل من التقدير والمكافأة التي تتمثل بسيل من مادة “الدوبامين” التي تتدفق بقوة عبر الأعصاب ما يشعرنا بالغبطة والارتياح.
إن الاستمرار في إطلاق التوقعات الناجحة وفي ما ينتج عنها من مكافآت يجعل الدماغ في وضع يكون فيه ضمن تلاعب مسرّ ومبهج للعواطف التي تنعشها تدفقات الدوبامين.

كيف نختار موسيقانا؟
يمكن تقسيم مستمعي الموسيقى إلى فئات بحسب الأنواع التي يختارونها منها، ولكننا جميعا نحب الموسيقى الحزينة حين نكون حزينين، والموسيقى المفرحة حين نكون فرحين. وقد يقول البعض إن الأمر يجب أن يكون معكوساً، أي أن نستمع لموسيقى فرحة في أوقات حزننا كي نخرج منه ونطرده. لكن البحوث التي أجراها علماء النفس أثبتت أننا نحتاج إلى الأغاني الحزينة في أوقات الحزن أو الخيبة أو الإحباط أو غيرها من المشاعر العاطفية المصنّفة سلبية، والسبب بحسب الباحثين أنيمايكي فان دين تول وجين إدواردز، أن الإنسان يندمج في أجواء الأغنية الحزينة أو التي تصف مصاباً كالذي أصابه لأن هذا يشعره بالتضامن، أي بأن ما هو فيه لا يصيبه وحده، بل يصيب آخرين أيضاً، وهذا ما يحسّن مزاجه. فكلنا نتواسى بمصائب الآخرين عن مصائبنا، وهناك أمثلة شعبية كثيرة حول هذا الأمر. والموسيقى والأغاني تعزّز هذا الشعور بالتضامن، فتخفف من فردية المصاب وحدّته.

لا يمكن للبعض النوم إلا على صوت موسيقى معينة، ولا يمكن لآخرين الدراسة أو الكتابة أو السفر بالسيارة أو الجلوس على شاطىء البحر أو عند استقبال الضيوف أو التعبير عن الحزن والألم والشوق والفرح والحب إلا بواسطة الموسيقى

ولكننا طبعاً لا نرغب في الاستماع إلى الأغاني الحزينة فقط، بل ننجذب أيضاً إلى أغانٍ تحمل رسائل مباشرة إيجابية، وهناك أمثلة كثيرة عن أغانٍ اشتهرت لهذا السبب في القرن العشرين، بل وتحوّلت إلى أيقونات في عالم الأغاني لا يمر عليها الزمن، مثل “إيماجن” imagine لجون لينون، أو “سأعيش” I will survive لجلوريا غينور. وفي الثقافة العربية أغنيات كثيرة مشابهة تحمل رسائل إيجابية واضحة، ومتنوعة بتنوع الشعر العربي وفنونه، وقد تكون في أعلاها الأغنيات الوطنية.

الموسيقى والدماغ
وفي العلوم البيولوجية تفسير آخر لسبب استمتاعنا بالموسيقى، ينطلق من أداء الدماغ وإفرازاته، كما هو حال مشاعرنا تجاه أي شيء في الحياة.
في عام 2011، بيّنت العالمة في علم الأعصاب آني بلوود وزميلها العالم روبرت زاتوري الباحثان في “جامعة مكغيل” في مدينة مونتريال الكندية، وبواسطة استخدام صور الرنين المغناطيسي، أن استماع الناس إلى موسيقى ذات طبيعة مفرحة، يحفّز المناطق الدماغية نفسها التي تنشط عند تناول طعام لذيذ.
وجواباً عن سؤال حول علاقة الموسيقى بالدماغ، قال الموسيقي وعالِم الأعصاب جامشيد باروشا “هذا سؤال لا يسعنا مهما فعلنا إلا أن نلامس شذرات سطحه، فنوع تفاعل الدماغ مع الموسيقى أعمق بكثير مما يمكن تصوّره”.
فالأبحاث الأحدث مما تقدَّم، والمعمّقة أكثر حول علاقة الموسيقى بالدماغ البشري وجدت أن الموسيقى تحفز عدة مناطق في الدماغ ومن بينها المنطقة التي تسيطر على الذاكرة الطويلة الأمد. واكتشف العلماء أن الموسيقى تحسّن مهارات التحليل المكاني، أي القدرة على تحليل الصور والأبعاد والزوايا للمكان بشكل أدق.
ومنذ عام 2011، بات العلماء يعرفون أن الموسيقى لا تؤثر فقط على مزاجنا أو حتى دماغنا، ولكنها تؤثر أيضاً على إدراكنا للعالم والبشر من حولنا. فقد خضع عدد من المتطوعين لتجربة كانوا يسمعون الموسيقى خلالها بينما يقومون بتعريف الوجوه المعروضة عليهم. وجاءت النتائج على شكل مفاجىء، فالخاضعون للتجربة كانوا أكثر ميلاً لرؤية وجوه مُبهجة عندما كانوا يستمعون لموسيقى مفرحة والعكس صحيح. وقد وجد العلماء أن جزء الدماغ المرتبط بنظرة الشخص إلى نفسه وتفكيره في ذاته يصبح أنشط لدى المبدعين الموسيقيين خلال أدائهم. وهذا يدل على أنهم يغوصون في ذواتهم ويذوبون في لاوعيهم الذي أفضى بهم إلى إبداع عمل جديد، وأدائه بإتقان مدهش.

ابن سينا والموسيقى
كان ابن سينا من أشهر مفكري العصور الوسطى، وعدا فضله على الطب والكيمياء والعلوم الأخرى، فقد كان له فضل كبير على موسيقى شعوب الشرق الأدنى والأوسط. لا أحد يعلم إذا كان ابن سينا موسيقياً عملياً أو إذا كان يتقن العزف على إحدى الآلات الموسيقية.‏
إن ما قدمه ابن سينا في الموسيقى وعلم الجمال لا يمكن فهمه أو استيعابه معزولاً عن مواقفه الفلسفية. فهو يخضع الموسيقى لصالح التربية الأخلاقية، ولتطوير العالم الروحي للإنسان. لقد كانت فكرة الشخصية المتطورة تطوراً متناسقاً، والتي تجمع بين الكمال الجسماني للإنسان وغنى عالمه الروحي وسموه الأخلاقي، هي التي حددت مكانة الموسيقى وأهميتها في المنظومة التربوية عند ابن سينا. ومن هنا جاءت أفكاره الموسيقية والجمالية متميزة بالتماسك والانتظام.‏
وتتضمن مخطوطات العصور الوسطى حقائق كثيرة تظهر علاقة ابن سينا بالموسيقى. ونسب البعض له اختراع آلة الطنبور مثل واجد علي خان في “مطلع العلوم”، والبعض الآخر نسب إليه اختراع العود كالجرجاني في “بهجة الرواج”.‏
كان ابن سينا وحده يستحق لقب “الشيخ الرئيس” لأنه كان متعمقاً في جميع علوم عصره ومن بينها علم الموسيقى. ففي كتبه الشهيرة “الشفاء” و”النجاة” و”داتش نامه” أي (كتاب المعرفة) وغيرها من المؤلفات التي أفرد فيها فصولاً عن الموسيقى، استطاع أن يوضح ذلك المستوى الذي وصلت إليه المعارف الموسيقية والجمالية في عصره.

(من مقالة “ابن سينا والموسيقى” كتبها الكسندر جمايف في مجلة “نجمة الشرق” عام1980 في العدد الثالث).

أضف تعليق

التعليقات