مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
يوليو – أغسطس | 2021

أين يكمن سحر المعالم الأثرية؟

فريق القافلة

إنها بقايا مدن اندثرت وقلاع شيِّدت وهياكل نُصبت وأضرحة بُنيت ولكنها ظلت قائمة لتتحدَّى مرور السنين وقوة الطبيعة وعبث البشر، هي المعالم الأثرية التي تبقى شاهدة على ما ضاع ومضى وعلى حضارات وشعوب وأشخاص عاشوا داخل جدرانها المتصدِّعة لتخبرنا عن الصعاب التي اختبروها والانتصارات التي حققوها والثقافات التي خلَّفوها. كل معلم من المعالم الأثرية يفتح نافذة على حقبة تاريخية انقضت ولكنه في صمته وفراغه وغموضه يحمل معه سحراً غريباً ويولد أحاسيس بالرهبة والحنين والخوف والكآبة “المفعمة بالحيوية”.

لطالما عاش البشر بين أنقاض المعالِم الأثرية، من الحدائق المتشابكة في الكولوسيوم وسط مدينة روما إلى قمة ماتشو بيتشو الشاهقة المعروفة بـ”القلعة الضائعة” التي بنتها شعوب الإنكا في البيرو، إلى آثار مدينة العُلا السعودية وكل التكوينات الصخرية الملحمية الموجودة فيها وإلى بيوت مدينة البتراء البديعة المحفورة في الصخر الوردي من بقايا حضارة الأنباط جنوبي المملكة الأردنية الهاشمية، التي كلما مررنا بها أجبرتنا على التوقف لاستعادة لحظات من السكون وسط اندفاع الحياة الحديثة.

ومما لا شك فيه أن أكثر ما تبعثه تلك المعالم الأثرية فينا هو الإحساس بالرهبة والخوف وذلك منذ حضارات ما قبل التاريخ، وأكثر ما يدل على ذلك إحدى القطع الأثرية القديمة المتمثلة بـ”خريطة العالم البابلية” التي تعود إلى القرن السادس قبل الميلاد والتي هي عبارة عن لوح طيني خُططت فيه أماكن العالم القديم حول مدينة بابل (وهي موجودة اليوم في المتحف البريطاني). تُظهر الخريطة كيف تخيَّل البابليون القدماء أقطاب الأرض الأربعة وكيف أظهروا خشيتهم من أنقاض الحضارات السومرية والآشورية السابقة، فقد صوَّروها كأمكنة مليئة بالثعابين والتنانين ورجال العقارب ووصفوا المناطق الشمالية البعيدة “حيث لا تُرى الشمس أبداً” وجسماً عظيماً من الماء أطلقوا عليه “النهر المر”.

بعيداً عن تتبع سحر المعالم الأثرية الظاهر في الفن والأدب هناك أسباب أخرى على الصعيد الإنساني الأعمق التي تدفع بنا إلى الوقوف عند هذه المعالم بل إلى السعي إلى رؤيتها أينما كانت.

كما أن تلك الخريطة تُعد أيضاً مرجعاً مثيراً للفضول كونها تصف “المدن المدمرة.. التي ترقبها.. الآلهة المدمرة”، إذ بحلول الزمن الذي وُضعت فيه تلك الخريطة، كانت المدن الكبرى مثل أور وأوروك ونينوى قد دُمِّرت بالفعل وأصبحت مهجورة لأسباب طبيعية أو حروب كارثية وتناثرت بقاياها وسط المناظر الطبيعية، وكان البابليون يعتقدون أن هذه الأماكن المدمرة هي أماكن للسحر والشعوذة وملاذات للأشباح والأرواح الشريرة. وتأكيداً على ذلك، عندما فرَّ البطل الإغريقي زينوفون في القرن الخامس قبل الميلاد إلى اليونان بعد حملة فاشلة في بلاد فارس سار هو ورفاقه المحاربون عبر هذه المدن المدمرة وقد وصف أنقاض مدينة نينوى بقوله إنها “معقل كبير، مهجور.. أساس جدارها مصنوع من الحجر المصقول تتخلله فوهات المدافع ويبلغ عرضه 50 قدماً وارتفاعه 50 قدماً”. كما يصف زينوفون فراغ المكان المهجور وكيف كان السكان المحليون يخشون دخول الموقع المدمر خوفاً من الأشباح التي كان يُعتقد أنها تتجول فيه.

الفن والشعر وسِحر المعالم الأثرية
وبما أن المعالم الأثرية في حدِّ ذاتها هي هياكل صامتة ناقصة خالية من المعنى تقف مجرد رمز لكيان تصدَّع وتلاشى فهي تنتظر دائماً من يحاول ملء فراغاتها وإتمام نواقصها لإضفاء المعاني عليها وصياغة القصص وسرد الروايات التاريخية التي تحكي سبب وجودها وتحدِّد العوامل التي حوَّلتها إلى مجرد أنقاض منسية على هامش الزمن. وربما لأنها كذلك فقد ارتبطت بالخيال والأحلام وكانت مصدر إلهام في عديد من الأعمال الفنية والقصائد الشعرية، منذ أن وجد الشعراء القدامى مصدر إلهام لهم في أنقاض سومر وآشور وبابل، فأخبروا قصصاً عن غضب الله وعن برج بابل وسدوم وعمورة لتفسير بقاء آثارها التي ما زالت مبعثرة في أماكن مختلفة من شمالي شرقي البحر الميت، كما يعتقد. وبعد ذلك بعدة قرون استمر الشعراء بتصوير الآثار على أنها أماكن خارج الزمن ينجذبون إليها ويحدِّقون بها ليسترسلوا بعيداً في أفكارهم، ففي الألفية الأولى، اتخذت المعالم الأثرية دورها الأكثر أهمية في الشعر العربي. فقد كتب شعراء الجاهلية كامرئ القيس وطرفة بن العبد مرثيات ترتكز في أساسها على الوقوف على الأطلال أو على ما تبقى من ديار الأحبة لا سيما شعر المعلَّقات الذي بات يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأطلال أو آثار الديار. فها هو شاعرنا الكبير امرؤ القيس يفتتح معلقته بوقوفه على أطلال منزل محبوبته التي غابت ويستذكر حبه الضائع بقوله:

قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْــزِلِ
بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُول فَحَوْمَلِ
فَتُوْضِحَ فَالمِقْراةِ لمْ يَعْفُ رَسْمُها
لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وشَمْـــــألِ
تَرَى بَعَرَ الآرَامِ فِي عَرَصَــاتِهَــــا
وَقِيْعَانِهَا كَأنَّهُ حَــبُّ فُلْفُــــــــــلِ

والجدير بالذكر هنا هو أنه في أشعار المعلَّقات عادة ما تكون الأطلال طيفية وعابرة على حدِّ تعبير طرفة بن العبد عندما قال “لِخَولةَ أطْلالٌ بِبُرقَةِ ثَهمَدِ، تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليدِ”.

وفي أمكنة أخرى من العالم أظهرت الصور التي تعود إلى العصور الوسطى آثار العصر الحجري في بريطانيا أنها كانت أماكن مرتبطة بالسحر وأساطير الملك آرثر، حتى إن أول صورة موجودة في ستونهنج، وهو أثر صخري يعود إلى عصور ما قبل التاريخ في مقاطعة ويلتشير جنوب غرب إنجلترا، تُظهر أنه تم إنشاؤه من قبل ساحر يدعى “مرلين” بمساعدة عمالقة بهيئات غريبة. ولكن التمثيل الفني الحقيقي للآثار لم يبدأ إلا مع عصر النهضة، حيث أصبحت أنقاض الحضارة الكلاسيكية رموزاً للتنوير ومستودعات للمعرفة المفقودة.

سحر المعالم الأثرية أبعد من كونها مصدر إلهام فني
ولكن بعيداً عن تتبع سحر المعالِم الأثرية الظاهر في الفن والأدب هناك أسباب أخرى على الصعيد الإنساني الأعمق التي تدفع بنا إلى الوقوف عند هذه المعالم بل إلى السعي إلى رؤيتها أينما كانت. وهنا يكمن السؤال: ما سر انجذابنا إلى المعالم الأثرية؟ هل لأننا نحاول سماع أصداء زوالها وانحلالها وربما فنائنا نحن أيضاً كبشر؟ أم أننا نتأثر بآثار الماضي الذي لم يختف تماماً ونحاول قراءة الرسائل الآتية من حقبة يتعذَّر وصولنا إليها بطريقة أخرى؟ في القرن الثامن عشر صاغ الألمان مصطلحاً جديداً وهو Ruinenlust التي تعني حرفياً “شهوة الأنقاض” حيث تشترك فيها كلمتا “أنقاض” و”شهوة” في قاسم مشترك أساسي وهو العلاقة المعقَّدة بين المادة والتمثيل. فالأنقاض شيء مادي مصنوع من مادة معيَّنة ترتسم عليها ندوب الزمن لتؤكد أنها تنتمي إلى التاريخ ولتكون رمزاً مباشراً للحياة والموت، أما الشهوة فهو مصطلح مشبع بالرومانسية وتهميش الزمن، إذ ترتبط الشهوة ارتباطاً مباشراً بالرغبة وهي تجربة جمالية للتوق إلى شيء غير موجود للاستهلاك أمامنا. على غرار الإحساس الذي نشعر به مع الشهوة، فإن “الأنقاض” تكون مصدراً لافتناننا بكيان غير حاضر ولكنه مجرد أثر رمزي موجود في وعينا. يقول الناقد والكاتب براين ديلون في كتابه “شهوة الأنقاض” الذي استمد عنوانه من المصطلح الألماني نفسه إن قيمة الآثار الحقيقية تكمن في قدرتها على السماح لنا بالانتقال عبر الزمن وبأن انجذابنا إليها يكمن في كونها تذكِّرنا بـ”مجد الحضارات الزائلة والنهايات الأكيدة لحضاراتنا، وهي تقف كنصب تذكارية للكوارث التاريخية، ولكنها تثير أيضاً أحلاماً حول المستقبل الذي يولد من الدمار والزوال. فالآثار قاتمة بحد ذاتها وتذكرنا دائماً بموقعنا الهش في الزمان والمكان”.

مصدر تذكير بفنائنا وفناء حضاراتنا
مما لا شك فيه أن المعالم الأثرية تذكِّرنا حتماً بفنائنا نحن كبشر حتى إنه في عصر النهضة في أوروبا بدأت رسوم المعالم الأثرية بالظهور في خلفيات الرسومات المختصة بعلم التشريح البشري لتذكِّر كل من يطلع عليها بأنه، مثلما تحوَّلت تلك المعالم إلى أنقاض متهالكة، سوف يتحلل جسم الإنسان يوماً ما وبأن الحياة هشة وعابرة. وقد يكون أبرز مثال على ذلك كتاب إيطالي في علم التشريح يعود إلى القرن السادس عشر بعنوان De humani corporis fabrica يتضمَّن صوراً عدة لجسم الإنسان مع خلفيات لأنقاض أثرية وضعت لهذه الغاية بالتحديد.

ولكن الأنقاض لا تذكرنا فقط بحتمية فنائنا نحن كبشر بل تقودنا أيضاً إلى التفكر في موت الحضارات التي ننتمي إليها أيضاً. عندما زار الفيلسوف الفرنسي قسطنطين فرانسوا دي تشاسبيوف آثار مدينة تدمر الرومانية القديمة في سوريا في أوائل الثمانينيات من القرن الثامن عشر دفعه التأمل في معالمها المتهالكة إلى الذهاب بعيداً بأفكاره إلى مدينته باريس ليتصوَّر مستقبلاً تصبح فيه مدينته باريس مدمرة أيضاً، بغض النظر عن الأسباب التي أدت إلى حدوث ذلك، فيتخيل نفسه وهو واقف على ضفاف نهر السين متأملاً أطلال باريس المخيفة. وما أشار إليه دي تشاسبيوف من هذه التأملات المستقبلية، التي دوَّنها في مذكراته التي سجلها في كتابه “الأطلال”، هي واحدة من الأمثلة العديدة التي تَعُدُّ الأنقاض الأثرية كتحذير من التاريخ بشأن ما يمكن أن يحدث في المستقبل، والتي تقول باستخلاص الدروس إنه بغض النظر عن التقدُّم والتطوُّر الذي يمكن أن نحرزه في عصرنا الحديث فهناك دائماً احتمال أن يتلاشى كل شيء كما تلاشت الحضارات الإغريقية والرومانية والفرعونية وغيرها كثير.

الأنقاض ومفارقة المأساة
من الناحية الجمالية البحتة، عادة ما تكون المعالم الأثرية عبارة عن أعمدة مهدَّمة ومعابد متهالكة وهياكل لا سقف لها وقلاع حجرية متداعية وأبواب مقلوعة ونوافذ معتمة وبقايا مبعثرة ينمو عليها العشب لقدمها، فهي مظلمة مقفرة كئيبة لا أثر لبريق الجمال فيها، ومع ذلك ننجذب إليها ونفتن بجمالها. تحدث الفيلسوف البريطاني ديفيد هيوم في كتابه “حول المأساة” عن “مفارقة المأساة” التي تقول إنه كلما زاد حزن تجربة جمالية معيَّنة كالأفلام والمسرحيات الحزينة والأغاني زاد استمتاعنا بها، وقد يكون التفسير الأنسب لهذه المفارقة بأننا، وببساطة، “نحب الأشياء التي تحرِّك فينا المشاعر” حيث يتفوق الشعور بالمتعة على مشاعر الألم. وقد تكون هذه المتعة المأساوية هي إحدى النظريات التي تبرِّر انجذابنا إلى الانقاض على الرغم من قتامتها التي تعطينا شعوراً بالكآبة ولكنها، كما قيل، هي كآبة “مفعمة بالحيوية”.

وربما لكل هذه الأسباب لا تزال أخبار الاكتشافات الحديثة للآثار تثير اهتماماً واسعاً وليس آخرها أحدث الاكتشافات التي ظهرت في شمال غربي المملكة العربية السعودية في شكل هياكل حجرية ضخمة تعرف بالمستطيلات التي تُعد من أقدم الآثار في العالم، إذ تعود إلى 7000 عام قبل الميلاد، ولا الاكتشافات التي نسمع عنها باستمرار من الحضارة الفرعونية، ولا غيرها كثير من الاكتشافات الأخرى من كل أنحاء العالم. ربما لأن المعالم الأثرية ستبقى تجعلنا نشعر بالارتباط بالتاريخ والذاكرة الثقافية وستظل تملؤنا بحزن مثير للذكريات وتشكِّل لحظات من السكون في حياتنا الحديثة المحمومة.


مقالات ذات صلة

على الرغم من وجود العديد من التساؤلات حول مستقبل الكتب المادية، فقد أطلقت الفنانة الإسكتلندية المفاهيمية “كاتي باترسون” في عام 2014م فكرة إنشاء “مكتبة المستقبل” كمشروع فني تطلعي يجمع بين كونه كبسولة زمنية أدبية ومشروعًا بيئيًا. كرّست “باترسون” جلّ اهتمامها بما ستتركه البشرية للأجيال القادمة؛ لذلك ابتكرت فكرة إنشاء هذه المكتبة في مدينة أوسلو النرويجية. […]

استطاعت الدول الناطقة باللغة الألمانية (ألمانيا، والنمسا، وسويسرا) أن تخلق نموذجاً في النهضة والتفوّق بالاعتماد على الأيدي العاملة المؤهلة مهنياً، وقد حقَّق هذا النموذج نجاحاً باهراً على مستوى العالم، فيما تسعى دول كثيرة داخل أوروبا وخارجها للاستفادة منه، ففي هذا البلد المزدهر اقتصادياً، يُعدُّ التدريب المهنيّ سرّاً من أسرار نجاحه، بل وربما ريادته عالمياً، فبفضله […]

من المؤكد أن للعلوم والتكنولوجيا تأثيراً عميقاً على المجتمع، لكن العكس صحيحٌ أيضاً، بحيث يشكِّل المجتمع، بصورة كبيرة، الطرق التي تتطوَّر بها العلوم والتكنولوجيا. ومع ذلك، تُظهر التجربة أنه لا يمكن دائماً للعلماء، من ناحية، وعامة الناس والحكومات والشركات، من ناحية أخرى، فهم بعضهم بعضاً بوضوح، لهذا السبب كان لا بدَّ من وجود خبراء ذوي […]


0 تعليقات على “أين يكمن سحر المعالم الأثرية؟”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *