مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مايو – يونيو | 2020

موسيقى الشباب..
هل هي احتجاج على لا شيء؟!


د. نادر كاظم

في نوفمبر 2018م، ألغت نقابة المهن الموسيقية في مصر حفلاً غنائياً لحمو بيكا، ووقتها دافع نقيب المهن الموسيقية الفنان هاني شاكر عن قرار النقابة، بحجة أن دور النقابة هو “حماية الشباب من التلوث السمعي”. وفي يناير من العام نفسه، منعت أعلى هيئة إعلامية في الصين – إدارة الدولة للصحافة والنشر والإذاعة والسينما والتلفزيون في جمهورية الصين الشعبية – ثقافة الهيب هوب على أي برنامج من برامجها، وتم، على إثر ذلك، إزالة أغاني ومقاطع لمغنيي هيب هوب صينيين من قنوات اليوتيوب الرسمية، وكانت الحجة أن هذه الثقافة “لا معنى لها، وفجة، وفاحشة”.
طبعاً لم يسأل أحد الشباب، وهم أغلب المعجبين بهذه الثقافة وموسيقاها، عن ذوقهم، وعما إذا كان ما يسمعونه ليس إلا ضوضاء وتلوثاً سمعياً فجّاً وفاحشاً، لكن معيار التقييم لدى أساتذة الموسيقى الأبويين عادة ما يكون مائلاً باتجاه أغاني الزمن القديم وموسيقى الفن “الراقي” المعتبرة. لكن إصرار الشباب على الغناء والاستماع لهذا النوع من الغناء والموسيقى يدفعنا إلى التساؤل: لماذا كل هذا الإصرار؟ وماذا تريد موسيقى الشباب اليوم؟
في الستينيات والسبعينيات، مع ظهور وانتشار موسيقى البوب والروك والجاز حول العالم، انفتح شباب العالم، بمن فيهم شباب العالم العربي، على نمط موسيقى وغنائي مغاير، كان أكثر قرباً إليهم من الحفلات الموسيقية الهادئة هدوءاً صار يذكرهم بصمت القبور، وبإيقاعاتها البطيئة التي أصبحت تصيبهم بالملل والنعاس. كان الروك، بالنسبة لشباب الستينيات والسبعينيات، عربياً وعالمياً، يعني التحرر والتغيير والحلم بالمستحيل والثورة والاحتجاج والتمرد على الواقع وعلى العالم وعلى كل نظام قائم. جاءت موسيقى الشباب، آنذاك، متناغمة مع شباب ساخطين يحتجون على كل شيء، على كل شكل من أشكال السلطات والأنظمة من سلطة الآباء إلى النظام الأبوي في المؤسسات (المدارس والمعاهد والجامعات…) إلى هيمنة الإمبريالية العالمية والنظام الرأسمالي المتوحش. كانت، باختصار، فترة انفجار ثوري على مستوى العالم، ثورات وتمردات وانقلابات تنفجر في كل مكان، وحركات نسوية تصل الذروة في تمردها، وشباب مايو 68 يرفعون شعار المرحلة: “كن واقعياً واطلب المستحيل”، وجماعات الهيبيز يعلنون رفضها الكبير لكل شيء، والمدافعون عن السلام يتظاهرون احتجاجاً على حرب فيتنام..
انتهت الحرب الباردة، وانتهى كل شيء تقريباً، خمدت الثورات والاحتجاجات، وراحت السكرة وجاءت الحسرة حتى من دون أن تأتي معها أية فكرة. والسؤال الآن: على ماذا تتمرَّد موسيقى الشباب الصاخبة اليوم؟ لم يعد العالم متحركاً كما كان في ذروة صعود موسيقى الروك والجاز والبوب. خمدت أغلب الحركات الثورية، وتبخرت كل الآمال الكبرى بالتغيير، وأصبح الشباب أقرب لأن يكون عبئاً ديمغرافياً بانعكاسات اقتصادية وسياسية واجتماعية (سلبية في الغالب). لجون ستراسبو كتاب مثير للجدل بعنوان “:Rock ’til You Drop
The Decline from Rebellion to Nostalgia”، ويقدِّم فيه احتجاجاً على صناعة موسيقى الروك اليوم، وكيف تحوَّلت موسيقى الروك لدى الشباب من معاني التمرد أيام عنفوانها في لندن الستينيات إلى الحنين والنوستاليجيا للأيام الخوالي. الحنين ليس تمرداً، بل هو ذرف للدموع على تمرد كان ولم يعد، في حين أن الروك موسيقى شبابية ومتمردة كما يقول ستراسبو، وهي موسيقى لجيل قبض على روح عصره بامتياز: “آمل أن أموت قبل أن أصبح عجوزاً”. إلا أن الوضع يصبـح محزناً ويدعو للرثاء حين تتحوَّل موسيقى الشباب المتمرد إلى مادة مهدئة لجيل عجوز هو الآن في السبعين والثمانين من عمره، جيل لم يعد يبحث عن الثورة، بل عن “سحر” تلك اللحظة التي مضت وهي غير قابلة للاسترجاع.
بالطبع، أنا لا أصادر حق أي جيل أو فئة من الناس في الاحتجاج بالموسيقى، ففي كل زمان ومكان هناك دائماً أسباب تدعو للاحتجاج والتمرد، ولا أصادر حق أحد في أن يستمع لما يشاء من أنواع الموسيقى سواء أكانت فناً “راقياً” أو مجرد ضوضاء وتلوث سمعي فجّ، ولكني أتساءل: على ماذا تحتج موسيقى الشباب اليوم؟ ماذا تريد أن تقول موسيقى الهيب الهوب على سبيل المثال وهي التي نشأت في الأصل كموسيقى احتجاجية؟ ثم إذا كانت هي موسيقى احتجاجية، فعلام تحتج بالضبط؟ هل هو احتجاج في الفراغ أم على الفراغ وعلى لا شيء؟ ولكن ألا تمثّل موسيقى الشباب اليوم أحلامهم وما يريدون أن يصبحوا عليه؟ ألا يعبِّر الإصرار على هذه الموسيقى عن ظمأ شبابي لشيء ما؟ أنا فقط أتساءل.


مقالات ذات صلة

يقول الممثل روبرت دي نيرو، إن فن التمثيل هو “ذلك العالم الذي يتيح لك أن تحيا حياة الآخرين، من دون أن تكون مضطراً لأن تدفع الثمن”. وبفعل عيش حياة الآخرين ودراسة شخصياتهم في العمق، تتكوَّن لدى بعض السينمائيين وجهات نظر وأفكار على مستوى من دقَّة الملاحظة والحِكْمة يرى البعض أنها ترتقي إلى مشارف الفلسفة.

رغم انتشار ترجمات معلّقات الشعر الجاهلي وشهرتها في الثقافات الغربية، واعتبارها مصدراً للشعر العربي والغربي، إلا أن هناك عدداً قليلاً من الترجمات الكاملة والمتسقة لهذه المعلَّقات، بل لا تخلو هذه الترجمات من بعض الملاحظات السلبية، كعدم تمكُّن المترجم من الوصول إلى معنى النص أو بقائه في حيز أكاديمي بحت.

يقع متعلِّمو اللغة الإنجليزية أو اللغة العربية على كلمات يألفونها ويودّون لو يستخدمونها في أحاديثهم وكتاباتهم ولكنها لا تجري على ألسنتهم أبداً! مثلاً، يُصادف متعلِّم اللغة العربية (وهذا ينطبق على الإنجليزية) كلمات من قبيل (يعدل عن قراره) أو (يرتاد المقاهي)، ولكنه لا يستطيع أن يوظّف كلمتي (يعدل عن) أو (يرتاد) في لغته الخاصة رغم معرفته لمعانيها؟ فما المشكلة المتسببة في ذلك؟ وما الطرائق لحلها؟


0 تعليقات على “موسيقى الشباب..”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *