مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مايو - يونيو | 2018

ماذا لو أصبح الهواء النقي سلعة


وسام بشير

إذا أصبح الهواء النقي سلعةً، فإن حاجةً إنسانية أساسية لا يمكن للحيـاة الاستمرار من دونها، ستصبح شيئاً يشترى ويباع، ولن يكون الهواء سلعة ذات سعر في السوق، حتى نفتقده مشاعاً في الطبيعة، ويبدو أن هذا ما نحن ذاهبون إليه. وسيكون الهواء بذلك العنصر الأخير من عناصر الطبيعة المختلفة التي تسلعت، بعد أن أصبحت الأرض والموارد الطبيعية والأشجار والصخور والتربة وغيرها سلعة تشترى وتباع، وبعد أن التحقت بهذه العناصر الحيوية، المياه النظيفة الصالحة للشرب كسلعة معبأة تشترى وتباع في الأسواق منذ فترة غير بعيدة، أي منذ منتصف القرن العشرين.
ولربما سنشاهد قريباً إعلاناً يقول: “تذكروا ذلك اليوم الذي سخر فيه الناس من المياه المعبأة في زجاجات، الهواء يسير على نفس الطريق – سارعوا إلى توظيف أموالكم في شركتنا”. وسيرافق ذلك إعلانات جميلة جداً تضفي بعض الروح على هذه الصناعة، كأن نرى في كل مكان مناظر طبيعية خلَّابة مع عبوة هواء تعلن مثلاً: 50 نَفَساً من الهواء العليل بعشرين دولاراً. وستصبح المناطق النائية النظيفة محط تنافس الشركات العالمية لإنشاء ما يعرف بالزراعة الهوائية (هذا التعبير دخل قاموس التداول فعلياً) التي ستصبح صناعة جديدة.
وسنشاهد شركات جديدة تظهر وتسوّق لعبوات هواء نقي. فقد بدأت حديثاً شركة بريطانية صاعدة اسمها “إيثار” بعرضٍ ترويجيٍ لجراتِ هواءٍ زجاجيةٍ يستوحي شكلها الخارجيُ طرازاً تراثياً من الريف البريطاني، حيث جُمع الهواءُ من المروج البرية والتلال التي تلفحها الرياح. وهناك أيضاً شركة كندية صاعدة هي “فايتاليتي إير” التي تحصد هواءها من جبال روكي الكندية الشمالية، وتضغطها في علب تنوي بيع الواحدة منها بحوالي 23 دولاراً كندياً. وتتطلع الشركتان إلى السوق الصيني والياباني لتبيع منتجاتها. ويقول مؤسس الشركة الكندية، “إذا ظلت الصين تبدو كما هي الآن (من ناحية التلوث)، فبإمكاني رؤية الهواء النقي يصبح سلعة”.
إذا أصبح الهواء النظيف سلعة، فسيكون مادة يستعملها المحظوظون للتميز عن الآخرين، كما يحصل الآن في مدن شانغهاي الصينية ونيودلهي الهندية. حيث أصبح تنشق الهواء النقي من علامات المكانة الاجتماعية التي يتباهى بها الأغنياء في الفنادق والمدارس المخصصة لهم.
وستنتشر الإعلانات والدعاية حول الأماكن النظيفة من التلوث أو الحفلات التي توفِّر لروَّادها جرعات من الهواء النقي بين فينة وأخرى.
إذا أصبح الهواء النقي سلعة، فإن الثروة تصبح معادلة للصحة، أو على الأقل هي السبيل للوصول إليها. وهكذا ستظهر مفردات جديدة: فكما راج تعبير “الفجوة الإلكترونية”، بين القادرين على استخدام الإنترنت والآخرين الذين لا يستطيعون، سيظهر تعبير “فجوة التلوث”، بين القادرين على تنشق الهواء النقي والذين يتنشقون الهواء الملوث الذين سيرتفع احتمال إصابتهم بالربو وسرطان الرئة وأمراض القلب وغيرها.
إذا أصبح الهواء سلعة، يكون التحايل على المستهلك قد بلغ الذروة، كما يكون التلوث قد بلغ الذروة وحرمنا من مشاهدة القمر والنجوم وانبثاق الفجر والمناظر الطبيعية الخلَّابة، كما هو الحال في ميدان تيان آن مين في الصين حالياً. ولربما توجب علينا آنذاك شراء صور المناظر الطبيعية من العالم الافتراضي للتمتع بجمالها الساحر.


مقالات ذات صلة

شهد قطاع التعلّم والتعليم خلال السنوات الأخيرة تطوُّرات ملحوظة بفعل تطوُّر التكنولوجيا. وأصبح البحث على شبكة الإنترنت جزءاً من التعلّم المدرسي، كما حلّت الأجهزة اللوحية محل الكتب أو بعضها في المدارس “الطليعية”. ولكن كل هذه التطوُّرات التي أدهشتنا بالأمس القريب، قد تفقد بريقها أمام ما هو مُرتقب من دخول الذكاء الاصطناعي قطاع التعليم، الأمر الذي بدأ يطل برأسه فعلاً، واعداً بتحوُّلات غير مسبوقة في مجال هذا القطاع.

كيف يمكننا تحديد عمر أحفورة أو مستحاثةٍ أثرية؟ أو عمر الفراعنة؟ أو عمر تلك المخطوطات التي وجدت في البحر الميت؟
في عام 1960م، مَنحت الأكاديمية السويدية للعلوم جائزة نوبل في الكيمياء لعالِم أمريكي يدعى ويلارد ليبي، لاكتشافه طريقةً لتحديد عمر مثل هذه الأشياء القديمة تسمى “التأريخ بالكربون”.

لا أحد منا لم يُصَبْ ذات يوم بجرح -سواء كان سطحياً أم عميقاً- في جزء ما من أجزاء جسمه، في أثناء قيامه بشؤون معاشه وحياتــه اليوميــة. ومثل هذا النوع من الإصابات في حقيقته ظاهرة مألوفة، والإنسان -صغير السن كان أو كبيراً- اعتاد أمراً كهذا وخبره، ولاسيما أنه محاط من جميع الجهات بمصادر مختلفة ذات طبيعة مؤذية، تجعله عُرضة لمثل تلك الإصابات.


0 تعليقات على “ماذا لو أصبح الهواء النقي سلعة”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *