مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
سبتمبر - أكتوبر | 2018

كمبيوتر المستقبل
ماذا بعد عصر السيليكون؟


حسن الخاطر

أباكوس صينية

“إن عصر الكمبيوتر لم يبدأ بعد. ما لدينا حتى الآن هو مجرد ألعابٍ صغيرةٍ لا تزيد كثيراً عن عدّادات الأطفال”، يقول الباحث في شركة الكمبيوتر العملاقة “هوليت-باكارد” ستان وليامز إن الجيل الرابع الحالي من الكمبيوتر، والمعتمد في معالجاته الدقيقة على السيليكــون، بــات على وشــك إخــلاء المجال لجيل آخرَ مختلـف، ستبدو معه الإنجــازات الباهرة للثورة الرقمية الحالية، شيئاً ينتمي إلى عالم قديم.

لم يبدأ تاريخ الحوسبة الآلية مع الكمبيوتر الحديث. فالأباكوس الصينية (Chinese abacus) ظهرت قبله بنحو ألف عام تقريباً. وهناك عديد من المحاولات قام بها بعض علماء الرياضيات بدءاً من القرن السابع عشر الميلادي. وظهر “منسج جاكارد” (Jacquard loom) عام 1805م، ثم “المحرك التحليلي” لتشارلز باباج (Babbage analytical engine) عام 1834م.
في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين ظهر الجيل الأول من الكمبيوتر. ومنذ ذلك التاريخ، وهو لا يزال يتطوَّر جيلاً بعد جيل، تبعاً للاختراقات التكنولوجية التي دخلت إليه. وبناءً على ذلك نستطيع، اعتماداً على هذه الاختراقات، تصنيف هذه التطورات إلى أجيال خمسة:

أول ترانزيستور في الكمبيوتر

1- الجيل الأول 1937-1956م، اعتمد على الأنابيب المفرغة (Vacuum Tubes) للدوائر الكهربائية التي كانت تحتاج إلى قدر كبيرٍ من الطاقة، وتولد كثيراً من الحرارة، بالإضافة إلى حجمها الضخم، وكان هذا الكمبيوتر محدود القدرات جداً وكثير الأعطال.
2- الجيل الثاني 1956-1963م، اعتمد على الترانزستور (Transistor) المكوَّن من مادة شبه موصلة مثل السيليكون، ويقوم بدور الأنابيب المفرغة نفسها، وهو تضخيم أو تحويل الإشارات الإلكترونية، لكنه أكثر تطوراً بكثير، مما سمح لأجهزة الكمبيوتر بأن تصبح أصغر وأسرع وأرخص وأكفأ في استخدام الطاقة وأكثر موثوقية. ولكنها ظلت تنتج كميةً كبيرةً من الحرارة التي تعرض الكمبيوتر للتلف.
3- الجيل الثالث 1964-1971م، اعتمد على الدوائر المتكاملة  (Integrated Circuits) التي تقوم على دمج وتكامل أعداد كبيرة من الترانزستورات الصغيرة في شريحة صغيرة تَنتج عنها دوائر أصغر حجماً وأرخص وأسرع من تلك التي تم إنشاؤها من مكونات إلكترونية منفصلة.
4- الجيل الرابع 1971م- إلى الوقت الحاضر، اعتمد على المعالجات الدقيقة (Microprocessors) وهو نوع من وحدة معالجة مركزية تجمع آلاف الدوائر المتكاملة في رقاقة سيليكون صغيرة واحدة، مستغلةً التقدم الكبير في تكنولوجيا النانو الناشئة في حينه.
5- الجيل الخامس – يتحفز للانطلاق، معتمداً على تقنيتين جديدتين متوازيتين قيد التطوير، بعيداً عن السيليكون:

أ – حوسبة الكوانتم، والبحث في تطبيقها قديمٌ نسبياً.
ب – حوسبة الحمض النووي، والأبحاث حولها حديثة. ويبدو أنها قد بدأت تتقدّم على الاحتمال الأول، والتجارب المخبرية المتعلقة بها واعدة جداً، وبدأنا نشهد بعض نتائجها التطبيقية تباعاً.

النِّظامُ الثُّنائيّ
إن نظام الترقيم الثنائي، هو الأساس لتخزين ونقل ومعالجة البيانات في أنظمة الكمبيوتر والأجهزة الإلكترونية الرقمية. ويتعامل الكمبيوتر في تخزينه لجميع البيانات من نصوص وصور وغيرها، مع شحنات كهربائية على شكل تشفيرٍ ثنائيٍ يتكوَّن من سلسلة من الرقمين 0 و1، وليس على قاعدة عشرة أرقام من 1 إلى 10 التي نعرفها للعد في الحياة اليومية. وكمثال على ذلك، فإن كلمة (Science) أي العلم يتم معالجتها وتخزينها بالنظام الثنائي على الشكل التالي: 01010011011000110110100101100101011011100110001101100101
الخانة الواحدة التي تقوم بتشفير البيانات بشكل كهربائي يطلق عليها بت (bit)، وهذه الكلمة هي اختصار لكلمتي (binary digit) وتعني أصغر وحدة تخزين ممكنة، وتحتمل قيمتين الصفر أو الواحد فقط، وكل ثماني خاناتٍ تشكل بايت Byte. ويمكننا أن نتصور الصفر بمعنى عدم وجود إشارة كهربائية، أو إشارة ذات جهد منخفض. والرقم واحد يعني وجود إشارة كهربائية أو إشارة ذات جهد عال.

معالج دقيق

قانون مور
لاحظ جوردن مور، أحد مؤسسي شركة “إنتل”، أن القدرة الحاسوبية، أي عدد الترانزستورات التي يمكن وضعها على دائرة متكاملة يتضاعف مرة تقريباً كل ثمانية عشر شهراً، وهذا ما يعرف بقانون مور الذي يعود تاريخه إلى عام 1965م. وهو ليس قانوناً بالمعنى الفيزيائي، مثل قانون الجذب العام لنيوتن، لكنه قاعدة تجريبيةٌ تقيس كثافة الترانزستور في دائرة متكاملة خلال فترة من الزمن. عندما وضع مور قانونه، كان عدد الترانزستورات في الدائرة المتكاملة لا يتعدى الآلاف، وهذا ما ساعد كثيراً على إثبات صحة هذا القانون. ومع التطور الذي طرأ على تقنية النانو أصبحت الترانزستورات ذات أبعاد صغيرة ونانوية بحجم الجزيئات! فتخيل أن شريحة “Core i”، المعالج الذي أنتجته شركة إنتل عام 2009م يحتوي على 731 مليون ترانزستور بتقنية تصنيع 45 نانومتر لكل واحدٍ (شعرة الإنسان الواحدة سماكتها 90000 نانومتر) في مساحة لا تزيد على 263 ملمتراً مربعاً.

حوسبة كمومية
والحال أننا على وشك الوصول إلى مرحلة لا يمكن فيها جعل الترانزستور أصغر من ذلك. لأننا وصلنا إلى حاجزٍ وعتبة لا يمكننا تجاوزها، بسبب محدودية تقنية شريحة السيليكون. وهكذا لم يعد قانون مور صالحاً لتوقع المستقبل. وهذا يحتم علينا إيجاد بدائل للسيليكون! وكمبيوترات ذات بنية جديدة بالكامل، مكوناتها الجزيئات بل الإلكترونات نفسها.

حاجة ماسة للابتكار
إن البحوث في الحوسبة الكمومية وحوسبة الحمض النووي، وبناء الجيل المقبل من الكمبيوتر باستخدام فيزياء الكوانتم وجزيئات الحمض النووي واعدة، وتحتل مساحةً كبيرة في الأوساط العلمية والبحثية والتكنولوجية. خاصة مع ازدياد الطلب على سعة تخزينية أكبر للبيانات في العالم. إذ إن حجم البيانات يتزايد باضطراد وينمو بشكل سريع. فبحسب تقرير شركة البيانات الدولية IDC نشرته في عام 2014م، أن حجم البيانات في العالم عام 2013م كان 4.4 زيتا بايت. وتوقعوا أنها سوف تنمو بشكل كبير بمعدل %40 سنوياً، متجاوزةً 44 زيتا بايت (أي 44 تريليون غيغا بايت)  بحلول عام 2020م، أي عشرة أضعاف ما كانت عليه في عام 2013م. وهذا الرقم يدعو إلى القلق: فهناك أزمةٌ حقيقيةٌ في التعامل مع البيانات الضخمة في المستقبل اعتماداً على التكنولوجيا الحالية.

ريتشارد فاينمان

حوسبة الكوانتم
بيد أن نزولنا إلى ما دون الذرة، إي إلى الجزيئات يجعلنا نلج إلى عالم مختلف كلياً عما فوقها في شأن الحوسبة. هذا يعني أننا دخلنا حقلاً من العلوم يبحث في فيزياء ما دون الذرة. والنظرية السائدة أكثر من غيرها، حتى اليوم، في هذا المجال هي ميكانيكا الكوانتم بالرغم من غرابتها. لا بل بسبب هذه الغرابة نفسها، سيبنى مستقبل الكمبيوتر الذي سيكون أقوى بملايين المرات من الحالي.
غالباً ما يبدو سلوك المادة والإشعاع على مستوى ما دون الذرة غريباً، وبالتالي يصعب فهم نتائج نظرية الكوانتم وتصديقها، لأن مفاهيمها تتعارض في كثيرٍ من الأحيان مع المفاهيم المنطقية المشتقة من ملاحظات العالم اليومي. وبالرغم من ذلك، فإن كثيراً من التطبيقات والتكنولوجيات المعتمدة على علم الكوانتم، مثل تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي أو النووي وغيره أصبحت واقعاً.

تاريخ فكرتها
ولدت فكرة حوسبة الكوانتم عام 1981م في “مختبر أرغون الوطني” من قبل الفيزيائي بول بينيوف، وذلك عن طريق تطوير آلة تورينغ، وفي العام نفسه طرح ريتشارد فاينمان، الحائز جائزة نوبل في حوسبة الكوانتم، هذا السؤال: إلى أي مقياس يمكن تصغير حجم الكمبيوتر؟ وفي عام 1985م تمت صياغة أفكاره بشكلٍ عمليٍ في ورقة بحثية حول استخدام كمبيوتر الكوانتم لحل مسألة كمومية من قبل الفيزيائي ديفيد دويتش بجامعة أكسفورد.
والنقلة النوعية الأخرى تمثلت في عام 1994م بإعلان عالم الرياضيات بيتر شور، الحائز جائزة الملك فيصل العالمية، باكتشافه خوارزمية قادرة على تحليل الأرقام الكبيرة إلى مكوناتها الأولية بسهولة بواسطة حوسبة الكوانتم.

كمبيوتر الكوانتم
هو أي جهاز يستند إلى ظاهرات ميكانيكا الكوانتم لتشغيل الخوارزميات. حيث يقوم بتشفير البيانات إلى الصفر أو الواحد أو الصفر والواحد في الوقت نفسه، باستخدام خاصيات الكوانتم مثل التراكب الكمومي (Quantum Superposition) وخاصية التشابك الكمومي (Quantum Entanglement). حيث يتم تمثيل البيانات بالكيوبت (qubit) اختصار (quantum bit)، والتي ربما تكون إلكترونات أو فوتونات أو ذرات. فبدل أن يتم العمل على نظام حوسبة واحد تلو الآخر، كما هو سائد اليوم، بإمكان كمبيوتر الكوانتم القيام بعدد كبير من الحسابات في الوقت نفسه. وبإمكانه أيضاً دمج هذه الخاصية مع الحوسبة المتوازية (Parallel computing) لإجراء عدد هائل جداً من العمليات الحسابية بالتوازي. وهذا يقودنا إلى الحصول على كمبيوتر يعمل بسرعة فائقة تزيد بملايين المرات عن الكمبيوتر الحالي، بالإضافة إلى قدرة تخزينية تكبر الكمبيوتر الحالي بالقدر نفسه. كمبيوتر كوانتوم
وكمثال تفصيليٍ على ذلك، فإن الإلكترون يمتلك خاصية تعرف بالّلف المغزلي، حيث يكون لفّ الإلكترون نحو الأعلى أو نحو الأسفل، وهذه الحالات تعطينا تشفيراً ثنائياً مناسباً. فالدوران إلى الأسفل سوف نقوم بتشفيره إلى الرقم 0، والدوران إلى الأعلى الرقم 1، إضافة إلى أنه من الممكن أن يدور في الاتجاهين في الوقت نفسه، بحالة مزدوجة للأعلى والأسفل في آنٍ واحد! أي إن الإلكترون الواحد يتواجد في مكانين مختلفين في وقت واحد، ويدور في جميع الاتجاهات في الوقت نفسه! وهذا يعني قيام كمبيوتر الكوانتم بعديد من عمليات الحوسبة في الوقت نفسه.
إضافةً إلى ذلك، فإن الكمبيوتر القائم على السيليكون يستهلك طاقة عالية ويواجه مشكلة رئيسة في ارتفاع درجة حرارته. بينما تغيب هذه السلبيات في كمبيوتر الكوانتم.

حوسبة الحمض النووي
هي شكلٌ من الحوسبة يعتمد على البيولوجيا الجزيئية مثل الحمض النووي بديلاً عن السيليكون. والحال أن جميع أشكال الحياة محكومةٌ بلغة جينية يكتبها الحمض النووي صغير الحجم جداً، الذي يقاس بوحدة النانومتر. يقوم الـحمض النووي بتخزين المعلومات البيولوجية لأجسامنا بأكملها، مثل لون الشعر ولون العينين وغير ذلك. بمعنى أنه يمثل قاعدة البيانات البيولوجية الأساسية لأجسامنا.
تعود فكرة حوسبة الحمض النووي واستخــدام الجزيئـات البيولوجية بدلاً من رقائق السيليكون إلى عام 1985م، عندما اقترحها تشارلز بينت ورولف لاندور الباحثان في شركة “آي بي أم”. وفي عام 1994م بيّن ليونارد أدلمان كيف يمكن استخـدام الجزيئات البيولوجية للعمليات الحسابية. حيث قام بتقديم فكرة استخدام الحمض النووي في حل مشكلة رياضية معقدة تعرف باسم البائع المسافر. وذلك بحساب أقصر طريق يسلكه بائع من أجل الوصول إلى عدد من المدن الافتراضية، بحيث يزورها مرة واحدة. وهذه المسألة تصبح أكثر تعقيداً عند زيادة عدد المدن التي يجب عليه زيارتها.

كيف تعمل؟
يتم تمثيل البيانات في الحمض النووي باستخدام التشفير الجيني المكوّن من أربعة أحرف التي ترمز إلى القواعد النيتروجينية
(G، C، T ،A) بدلاً من التشفير الثنائي (0، 1) الذي تستخدمه أجهزة الكمبيوتر السليكونية. وهذا هو التشابه المهم بينهما، فكلاهما رقميان يعتمدان على المعلومات المشفرة.
إن الفكرة الأساسية هنا هي أن نقوم بتحويل التشفير الثنائي إلى التشفير الجيني. وبعد ذلك نقوم بفك تشفيره إلى شكله الأصلي وذلك باستخدام عديد من التفاعلات الكيميائية المعقدة مثل أنزيمات التحديد لقص الحمض النووي وتفاعل البوليميراز المتسلسل لإعادة إنتاج سلاسل الحمض. وهذه القدرة بالتحديد على قص الحمض وإعادة ترتيبه وتجميعه مرة أخرى هي تقنية مستقبلية واعدة، تستخدم في مجالات أخرى يطلق عليها التقنيات الجينية.
وعلى سبيل المثال سوف نقوم بتشفير النظام الثنائي إلى الجيني ونقسمه إلى أزواج بما يتوافق مع التشفير الجيني:
(A)=(00) (G)=(01) (C)=(10) (T)=(11)

سيكون تسلسل الحمض النووي (AGCT=00011011)، وإذا قمنا بالتشفير الجيني لكلمة (Science) سنحصل على السلسلة التالية: GGATGCATGCCGGCGGGCTCGCATGCGG

“بثور” من الحمض النووي على شكل آبار

عملية معقدة
إن عملية الحوسبة هذه، صعبةٌ ومعقدةٌ للغاية وتصبح أصعب مع زيادة كمية البيانات. لذلك يقوم الباحثون، من أجل كتابة البيانات على الحمض النووي بترجمة الشفرة الثنائية للملف إلى جزيئات النيوكليوتيدات التي تشكِّل كتل بناء الحمض النووي، ومن ثم تعيين أزواجٍ قاعدية مختلفة لتمثيل الآحاد والأصفار من خلال عمليات التوزيع المعقدة. وهذا يعني أننا نقوم بصنع آلة توزيعٍ تعمل على الحمض النووي والتلاعب بها بالطريقة التي نريد.

إنجازات تطبيقية
في عام 2012م قام علماء بريطانيون بتشفير خمسة ملفات حاسوبية معظمها ذات قيمة ثقافية كبيرة، (نصوص، صور، صوت) وبصيغ مختلفة، حجمها 739 كيلو بايت، إلى خيوط حمض نووي. وكانت تحوي كل قصائد شكسبير البالغة 154 قصيدة، ومقطع صوتي مدته 26 ثانية من خطاب مارتن لوثر كينغ الشهير “عندي حلم”، وملف على صيغة PDF يمثل الورقة الكلاسيكية لتركيب بنية الحمض النووي للعالم جيمس واطسون وفرانسيس كريك.
أما الحدث الأهم في هذا الصدد، فقد كان عام 2016م عندما تمكن باحثون في “مايكروسوفت” وجامعة واشنطن من تخزين واسترجاع البيانات بنجاح. فقد استطاعوا تشفير 200 ميغا بايت إلى خيوط حمض نووي وكان من ضمنها مقطع فيديو عالي الجودة لفرقة “OK GO”، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان بأكثر من مئة لغة، بالإضافة إلى أفضل مئة كتاب من مشروع غوتنبرغ.

مستقبل الكمبيوتر
ربما يأتي اليوم الذي نستخدم فيه فيزياء الكوانتم، ورقائق حيوية مصنوعةً من مواد عضوية وجزيئات الحمض النووي لبناء الجيل المقبل من أجهزة الكمبيوتر، ونودِّع عصر السيليكون. وفي الحقيقة، إذا نظرنا في الطبيعة من حولنا سنجد أن أجسامنا تعمل كأجهزة كمبيوتر ذات كفاءةٍ فائقة. فأجسامنا تستخدم عدداً هائلاً من التفاعلات الكيميائية الحيوية المعقدة لتشغيل الدماغ الذي يساعدنا على التفكير وتقديم ابتكارات جديدةٍ للبشرية. وليس مستبعداً في المستقبل، ومع التقدم المستمر الذي تحرزه تقنية النانو، أن يتم حقن أجهزة الكمبيوتر في جسم الإنسان وتثبيتها في أجسامنا. عند ذلك لن نكون بحاجةٍ إلى تذكر أي شيء! سنحصل على كمبيوترات ذات قدرةٍ عالية ومتناهية الصغر، وستكون جميع بيانات العالم مخزنةً في أجسامنا! وستكون بمثابة ملفٍ طبيٍ لها! ومن خلالها نستطيع أن نختار أحلامنا! ويمكننا وضعها في نظارتنا، أو العدسات اللاصقة لأعيننا ونشاهد ما نريده من أفلام! ونقوم بتسجيل مرئيٍ لحياتنا بأكملها وما يحدث أمام أعيننا من الولادة وحتى الممات! وهكذا نكون تحت الرقابة الدائمة! كما أن هذه الحوسبة المستقبلية ستدفع عجلة تطور الذكاء الاصطناعي إلى أقصى الحدود وتحقيق ما هو أكثر غرابةً مما ذكرناه أو ما لا يمكن أن نتخيله اليوم.

لماذا الحمض النووي؟

هناك ميزات استثنائية جعلت العلماء يهتمون بحوسبة الحمض النووي، تتلخص بالتالي:
أ – كثافته العالية للتخزين، فبينما يحتوي القرص المدمج العادي على 800 ميغا بايت من البيانات، يحتوي مليمتر مكعب واحد من الحمض النووي على مليار غيغا بايت. بعبارة أخرى، إن السعــة التخزينيـة لمليمترٍ مكعبٍ واحدٍ من الحمض النووي هي أكثر من السعة التخزينية لمليار قرصٍ مدمج.
ب – معالجتها المتوازية للبيانات. أي إن الأعداد الضخمة من جزئيات الحمض النووي المخزنة في أنبوب اختبار يمكنها أن تقوم كلها بالعمليات الحسابية في الوقت نفسه.
ج – نجاعة الطاقة، بمعنى أن الطاقة التي يعمل بها كمبيوتر الحمض النووي أقل بكثير من معالجات السيليكون التي تعمل بالطاقة الكهربائية.
د – الاستدامة، بينما تعيش وسائل التخزين المعروفة كالأقراص الممغنطة لعقود قليلة، فإن نصف عمر الحمض النووي يبلغ 521 سنة. وهذا هو الوقت الذي يستغرقه نصف الروابط الكيميائية للتكسر. وإذا قمنا بحفظه في بيئة باردة، فقد يبقى لآلاف السنين.

 


مقالات ذات صلة

شهد قطاع التعلّم والتعليم خلال السنوات الأخيرة تطوُّرات ملحوظة بفعل تطوُّر التكنولوجيا. وأصبح البحث على شبكة الإنترنت جزءاً من التعلّم المدرسي، كما حلّت الأجهزة اللوحية محل الكتب أو بعضها في المدارس “الطليعية”. ولكن كل هذه التطوُّرات التي أدهشتنا بالأمس القريب، قد تفقد بريقها أمام ما هو مُرتقب من دخول الذكاء الاصطناعي قطاع التعليم، الأمر الذي بدأ يطل برأسه فعلاً، واعداً بتحوُّلات غير مسبوقة في مجال هذا القطاع.

كيف يمكننا تحديد عمر أحفورة أو مستحاثةٍ أثرية؟ أو عمر الفراعنة؟ أو عمر تلك المخطوطات التي وجدت في البحر الميت؟
في عام 1960م، مَنحت الأكاديمية السويدية للعلوم جائزة نوبل في الكيمياء لعالِم أمريكي يدعى ويلارد ليبي، لاكتشافه طريقةً لتحديد عمر مثل هذه الأشياء القديمة تسمى “التأريخ بالكربون”.

لا أحد منا لم يُصَبْ ذات يوم بجرح -سواء كان سطحياً أم عميقاً- في جزء ما من أجزاء جسمه، في أثناء قيامه بشؤون معاشه وحياتــه اليوميــة. ومثل هذا النوع من الإصابات في حقيقته ظاهرة مألوفة، والإنسان -صغير السن كان أو كبيراً- اعتاد أمراً كهذا وخبره، ولاسيما أنه محاط من جميع الجهات بمصادر مختلفة ذات طبيعة مؤذية، تجعله عُرضة لمثل تلك الإصابات.


رد واحد على “ماذا بعد عصر السيليكون؟”

  • وفقكم الله ! فانتقاء الموضوعات حسن والتدقيق في المادة جيد والمتابعة بالمستوى نفسه مطلوب والتحسين تقدم ومواكبة لمسيرة المعلومات وزادكم الله حرصاً على كل خير !


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *